عندما عاد العماد ميشال عون إلى لبنان عام 2005، كنت في الخامسة والعشرين من عمري. لم تكن عودته بالنسبة إليّ مجرد عودة زعيم سياسي من المنفى، لأنني كنت قد أمضيت قبلها تسع سنوات من شبابي في الشارع: من مظاهرة إلى اعتصام، ومن بسطة لبيع الخضار إلى بسطة لبيع الكعك، ومن شعار "ما تشتري إلا من لبناني" إلى شعار "ما بدنا كعك بلبنان إلا الكعك اللبناني".
قد تبدو هذه التفاصيل اليوم صغيرة، وربما طريفة لمن لم يعش تلك المرحلة، لكنها بالنسبة إلينا لم تكن كذلك. كانت أدوات احتجاج جيل رفض أن يتصالح مع واقع سياسي فُرض عليه. تعرضنا للاعتقال والضرب والتهديد والتنكيل، لكننا كنا نعتقد أن لبنان الذي نحلم به يستحق أن ندفع ثمن الدفاع عنه.
انتهت الحرب اللبنانية عام 1990، لكنها لم تنتهِ في نفوس اللبنانيين. خرج اللبنانيون من الحرب وهم يخافون بعضهم من بعض. احتمت كل طائفة بزاويتها، وأقيمت بين الجماعات اللبنانية حواجز نفسية وسياسية ضخمة. وفي ظل الهيمنة السورية على القرار اللبناني، ترسخ نظام سياسي استفاد من هذه الانقسامات، فيما كانت الطبقة السياسية تعد اللبنانيين بالإعمار والازدهار، وتتراكم في الدولة اختلالات بنيوية ومالية وإدارية ستظهر نتائجها الكارثية بعد سنوات. خمسة عشر عامًا مرت بين انتهاء الحرب وانسحاب الجيش السوري، لكننا لم ننجز خلالها المصالحة الأهم: أن يكتشف اللبناني أن الآخر ليس عدوًا لمجرد أنه ينتمي إلى طائفة أو منطقة أو تجربة سياسية مختلفة.
في 7 أيار 2005 عاد العماد ميشال عون إلى لبنان، بعد أيام من اكتمال انسحاب القوات السورية. ومن أولى الإشارات التي حملت بالنسبة إليّ معنى سياسيًا وإنسانيًا كبيرًا زيارته، بعد أقل من أسبوعين، خصمه السابق سمير جعجع في سجنه. قال عون يومها إن الصفحة الماضية يجب أن تُطوى، وإن اللقاء يؤسس لعلاقة جديدة ضمن الحياة الديمقراطية. لم تكن المصالحة سهلة بين رجلين خاض معسكرهما مواجهة دامية في نهاية الحرب، ولهذا كانت للصورة دلالة تتجاوز الرجلين نفسيهما.
وتبع ذلك انفتاح على قوى وشخصيات من مختلف البيئات الدرزية والسنية والشيعية. بالنسبة إليّ، كان هناك خيط واحد يجمع هذه المحاولات: كسر الجدران التي بنتها الحرب بين اللبنانيين وبعدها السلم المزيف. الى أن وصلنا الى الاختبار الأصعب والأكثر إثارة للجدل: "حزب الله".
كان الاختلاف بين المشروع الذي كان يطرحه عون وبين الخيارات الاستراتيجية لحزب الله كبيرًا، وخصوصًا في مفهوم الدولة والسلاح وعلاقة لبنان بصراعات المنطقة. ولهذا أحدث توقيع وثيقة التفاهم في شباط 2006 صدمة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
بعد عشرين عامًا، يمكننا أن نختلف على نتائج تلك الوثيقة، وربما يجب علينا فعل ذلك. لكن من الصعب إنكار أنها أحدثت تحولًا اجتماعيًا وسياسيًا مهمًا بين بيئتين لبنانيتين كانتا بعيدتين جدًا إحداهما عن الأخرى.
بدأ لبنانيون يزورون مناطق لم يكونوا يزورونها، ويلتقون بأناس كانوا يعرفونهم من خلال صور صنعتها الحرب والإعلام والسياسة. وسقط، ولو جزئيًا، حاجز نفسي بين مجموعتين وازنتين.
لكن التفاهم لم يكن، في نصه، أبدًا تحالف انتخابي، بل كان خريطة طريق، تناول الديمقراطية التوافقية، وقانون الانتخاب، وبناء الدولة، والمفقودين في الحرب، والعلاقات اللبنانية-السورية، والعلاقة مع الفلسطينيين، كما تناول سلاح حزب الله ضمن تصور للاستراتيجية الدفاعية. ومن هنا إنطلق الرهان أكبر، هل يُصبح اندماج حزب الله في الدولة ومشروعها تدريجيًا أقوى من ارتباط السلاح بمنطق المحاور؟
وهنا، باعتقادي، يجب أن تبدأ المراجعة الأهم في مسيرتنا، فهل كانت محاولة الحوار مع حزب الله خطأ؟
لا أعتقد ذلك. لبنان لا يبنى بإلغاء مكوّن لبناني كبير، ولا بإقامة جدران بين أبنائه. لكن السؤال الأصح طرحه هو: هل أخطأنا في تقدير قدرة هذا الحوار على تغيير الخيارات الاستراتيجية لحزب الله؟
فلا بدَّ أنَّ السنوات اللاحقة أعطت جوابًا قاسيًا. تبين أن ارتباط حزب الله بإيران ومحورها الإقليمي أعمق من قدرة تفاهم داخلي أو شريك سياسي لبناني على تغييره. ومع دخول الحزب الحرب السورية، ثم انتقال المنطقة لاحقًا إلى جولات جديدة من المواجهة، من حرب اسناد غزة الى حرب اسناد ايران، عاد السؤال الذي حاول تفاهم 2006 الإجابة عنه: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ وأين تنتهي وظيفة المقاومة في الدفاع عن لبنان وأين يبدأ الانخراط في صراعات تتجاوز حدوده؟
ربما كان الخطأ الأكبر أننا اعتقدنا أن الزمن سيجعل منطق الدولة أقوى، فيما أثبتت التجربة أن الوقت وحده لا يبني دولة. ومع ذلك، يبقى طرح الأسئلة المعاكسة للواقع مشروعًا:
-
ماذا لو وافقت القوى اللبنانية عام 2006 على تحويل النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية إلى خطة فعلية؟
-
ماذا لو اتفق الجميع، بمن فيهم حزب الله، على مسار تدريجي واضح تصبح في نهايته الدولة والجيش صاحبي السلطة الحصرية في الدفاع عن لبنان وقرار الحرب والسلم؟
-
وماذا لو تحولت بقية عناوين الإصلاح إلى مشروع وطني مشترك: قضاء مستقل، إدارة حديثة، مكافحة فعلية للفساد، اقتصاد منتج، ومؤسسات أقوى من الزعماء والطوائف؟
في الواقع، لا أحد يستطيع أن يتنبأ تاريخ لم يحدث. لكن يحق لنا بعد عشرين عامًا أن نسأل: هل كان لبنان سيصل إلى ما وصل إليه لو سلكنا ذلك الطريق؟
وهنا سيقاطعني القارئ، محقًا، بالسؤال الأصعب:
ولكنكم وصلتم إلى الحكم. وأصبح ميشال عون رئيسًا للجمهورية. والتيار الوطني الحر كان شريكًا أساسيًا في السلطة. فماذا فعلتم؟
نعم. هذا صحيح. وبالتأكيد لن أهرب من هذا السؤال.
بدأ عهد عون بمحاولات لكسر ملفات بقيت عالقة لسنوات. ففي ملف النفط والغاز، لم يبدأ العمل من الصفر مع انتخابه، ومن الإنصاف الاعتراف بأن الإطار التشريعي والتحضيرات والتأهيل الأول للشركات سبقت العهد. لكن من الإنصاف أيضًا الاعتراف بالدور الأساسي الذي لعبه وزراء التيار الوطني الحر في وزارة الطاقة في وضع مداميك هذا الملف ودفعه إلى الأمام، إلى أن وصلنا في عام 2017 إلى إقرار المراسيم التنظيمية التي سمحت باستكمال دورة التراخيص الأولى، وفي كانون الأول من العام نفسه وافق مجلس الوزراء على منح حقوق الاستكشاف والإنتاج في البلوكين 4 و9 إلى ائتلاف شركات دولية. وهكذا انتقل الملف فعليًا من سنوات التحضير والتعطيل إلى مرحلة التلزيم والتنفيذ.
لم يكن النفط والغاز المشروع الوحيد. كانت هناك خطط للمياه والطاقة، ومسار لمعالجة ملف المهجرين وصولًا إلى طرح إقفاله وإنهاء الوزارة، ومشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي، ورؤية اقتصادية متكاملة أعدتها شركة «ماكينزي» عام 2018، إضافة إلى تعيينات إدارية ودبلوماسية، واستحداث دور للملحقين الاقتصاديين في عدد من البعثات بهدف تنشيط العلاقات التجارية وفتح أسواق أمام الاقتصاد والمنتجات اللبنانية.
وفي العام نفسه، أُقر قانون انتخاب جديد نقل الانتخابات النيابية من النظام الأكثري إلى التمثيل النسبي، وأُجريت عام 2018 أول انتخابات نيابية منذ عام 2009. صحيح أن القانون لم يُلغِ الطائفية ولم ينتج تمثيلًا مثاليًا، لكن النسبية غيّرت قواعد التنافس وأتاحت فرصًا تمثيلية لم يكن النظام الأكثري السابق يوفرها بالطريقة نفسها.
وذهب لبنان إلى مؤتمر «سيدر» حاملًا برنامجًا استثماريًا كبيرًا للبنى التحتية، وحصل على تعهدات دولية واسعة، لكنها ارتبطت بإصلاحات مالية ومؤسساتية كان على الدولة تنفيذها. وهنا اصطدم العهد مجددًا، ببنية سياسية وإدارية يصلُح أن نسميها "بتجمع غازي كنعان"، التي أفشلت الكثير من محاولات التغيير. والثابت أن الإصلاحات المطلوبة لم تُنفذ بالمستوى الذي يسمح بتحويل تعهدات «سيدر» إلى ورشة اقتصادية واستثمارية فعلية. ففي منتصف عام 2019، كان صندوق النقد لا يزال يربط تحرير نحو 11 مليار دولار من التمويل الموعود بتنفيذ الإصلاحات.
ثم جاء 17 تشرين 2019، فدخل لبنان مرحلة مختلفة تمامًا، وتوقفت أو تعطلت معها مشاريع ومسارات كثيرة كان العهد يحاول دفعها إلى الأمام.
وهنا أيضًا علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن نطلب من الآخرين أن يكونوا منصفين معنا.
كان هناك غضب لبناني حقيقي، كان الاقتصاد يختنق، والدين والعجز يبلغان مستويات خطرة، فيما كان الفساد والزبائنية ينخران مؤسسات الدولة منذ عقود. والاحتجاجات في أيامها الأولى تجاوزت بالفعل الكثير من الحدود المناطقية والطائفية واستهدفت الطبقة السياسية على نطاق واسع. إنكار هذه الحقيقة لا يخدم أي مراجعة جدية لما حدث.
لكن الاعتراف بالغضب الشعبي شيء، والامتناع عن البحث فيما حدث لهذا الغضب بعد ذلك شيء آخر.
وفي المقابل علينا الإقرار أنَّ لبنان عرف قبل 2019 أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة، ولم تتحول أبدًا إلى انتفاضة بهذا الحجم. واليوم أيضًا، وبعد انهيار مالي ونقدي واجتماعي تجاوز في جوانب كثيرة ما كان اللبناني يعيشه عشية 17 تشرين، لا نشهد حركة شعبية مماثلة.
فلماذا تحوّل الغضب في تلك اللحظة تحديدًا إلى انتفاضة وطنية واسعة؟ ولماذا تبدلت طبيعتها وخطابها وأهدافها مع مرور الوقت؟ ومن دخل على خطها سياسيًا وإعلاميًا؟ ومن حاول استثمارها؟ ولماذا لا تنتج أزمات اليوم التعبئة الشعبية نفسها؟
بالتأكيد طرح هذه الأسئلة لا تجعل كل من نزل إلى الشارع متآمرًا، ولا تلغي الأسباب الحقيقية التي دفعت آلاف اللبنانيين إلى الاحتجاج. لكنها في المقابل تمنعنا من التعامل مع 17 تشرين وكأنها حدث وقع خارج السياسة والمصالح والصراع على السلطة.
وهنا يبدأ النقاش الأصعب: إذا كان غضب 17 تشرين حقيقيًا، وهو كذلك، ماذا فُعل بذلك الغضب بعد أن أصبح قوة سياسية في الشارع؟
هل بقيت ثورة على منظومة سياسية واقتصادية حكمت لبنان لعقود؟ أم دخلت عليها، أو بالأحرى وجهّتها حسابات الأحزاب والمصالح والإعلام والقوى الداخلية والخارجية؟ وهل بقي معيار «كلن يعني كلن» واحدًا تجاه الجميع، أم أصبح الاستهداف السياسي انتقائيًا في مراحل لاحقة؟
هذه أسئلة مشروعة، لكنني لا أريد أن أستبدل بها الحقيقة الأبسط، فقط لكي أكون متصالح مع ذاتي وافكاري وثقافتي، مع يقيني الكامل أن خصوم ميشال عون استثمروا في الاحتجاجات وغضب الشارع بهدف إفشال عهده، ومنعه من تحقيق أي إنجاز، فساهموا عن سابق تصور وتصميم بالانهيار. ولكن أيضًا لا يستطيع من يتولى السلطة أن يحمّل خصومه وحدهم مسؤولية ما لم ينجزه.
وهنا يبدأ النقد الذاتي الحقيقي،
إذا كانت منظومة المصالح أقوى منا، فلماذا لم نستطع كسرها؟
إذا كانت الدولة العميقة تعطل الإصلاح، فلماذا لم نستطع تغيير قواعدها؟
إذا كانت المحاصصة تمنع بناء المؤسسات، فهل شاركنا أحيانًا في أدوات النظام الذي أردنا تغييره؟
وإذا تبين مع الوقت أن حزب الله لن يضع مشروع الدولة قبل خياراته الإقليمية، فهل تأخرنا في الاعتراف بأن الرهان الذي بدأ عام 2006 وصل إلى حدوده؟ وهل كان يجب، في لحظة معينة، أن يقول ميشال عون: لقد حاولت، لكن هذه التسوية لم تعد تحقق الغاية التي قامت من أجلها؟
هذه الأسئلة مؤلمة بالنسبة إلى شخص مثلي أمضى جزءًا كبيرًا من شبابه مؤمنًا بهذا المشروع، لكنها في الوقت نفسه ضرورية.
لأن الوفاء لتجربة سياسية لا يعني الامتناع عن طرح الأسئلة والنقد الذاتي بهدف التطوير، كما أن الاعتراف بالأخطاء لا يعني التنكر لما حاولوا تحقيقه.
بعد عشرين عامًا على عودة ميشال عون، أعتقد أن التجربة يجب ألا تقرأ بمنطقين متناقضين: إما أن الرجل مسؤول عن كل ما أصاب لبنان، أو أنه مسؤول عن لا شيء. وكلاهما قراءة خاطئة للتاريخ.
ميشال عون حاول كسر حواجز حقيقية بين اللبنانيين. حاول الانتقال من منطق الطوائف المتقابلة إلى منطق الشراكة. راهن على الحوار مع خصوم الأمس، ثم راهن على أن إدخال حزب الله أكثر فأكثر في الحياة السياسية اللبنانية يمكن أن يساعد على جعله جزءًا من مشروع الدولة. ووصل إلى رئاسة الجمهورية وحاول، ضمن نظام شديد التعقيد، تحريك ملفات بقي بعضها عالقًا سنوات. لكن المحاولة لم تحقق أهدافها كلها.
وهناك أيضًا حقيقة أخرى لا يجب التنكر لها،
لم تصبح الدولة أقوى من الطوائف. لم يصبح قرار الحرب والسلم حصرًا بيد مؤسساتها. لم ينجح النظام السياسي في تنفيذ الإصلاحات التي كان يعرف أنها ضرورية. وانتهى العهد فيما كان لبنان يعيش واحدة من أقسى أزماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
يمكن أن نتجادل طويلًا حول توزيع المسؤوليات، لكن التاريخ لن يسأل فقط عمّن كانت نيته أفضل، سيسأل عن النتائج أيضًا. ولهذا، ربما تكون المراجعة الأكثر عدلًا لتجربة ميشال عون هي ألا نسأل: هل نجح أم فشل؟
بل أن نسأل: لماذا فشلت الدولة التي حاولنا بناءها في أن تصبح أقوى من النظام الذي أردنا تغييره؟
أنا الذي كنت في الخامسة والعشرين عندما عاد عون عام 2005، وبعد كل ما رأيته وعشته منذ ذلك اليوم، لا أندم على انتمائي لمدرسة ميشال عون ونهجه.
لا أندم على أنني آمنت بأن اللبناني يستطيع أن يلتقي اللبناني الآخر.
لا أندم على رفض منطق أن يبقى المسيحي خائفًا من المسلم، أو المسلم خائفًا من المسيحي، أو الشيعي والسني والدرزي والماروني أسرى ذاكرة الحرب.
ولا أعتقد أن الحوار مع الخصم كان خطأ وبالتأكيد ليس خطيئة.
لكنني كونت قناعة راسخة اليوم، أن المصالحة بين اللبنانيين لا تكفي إذا لم تؤدِّ إلى دولة، والحوار لا يكفي إذا لم يؤدِّ إلى قواعد مشتركة، والتفاهم لا قيمة له إذا كان أي طرف يستطيع عند الامتحان أن يعود إلى مشروع يتجاوز لبنان.
ربما كانت تلك هي حدود تجربة ميشال عون، وربما كان ذلك أيضًا خطأنا: اعتقدنا أن بإمكان رجل أن يغيّر نظامًا كاملًا، وأن بإمكان تفاهم أن يغيّر مسار تنظيم مسلح مرتبط بمعادلة إقليمية أكبر، وأن الوصول إلى رئاسة الجمهورية يعني الوصول إلى القدرة على تغيير الدولة.
في الواقع، اليوم أعرف أن بناء الدولة أصعب من الوصول إلى الحكم.
وإذا كان هناك درس واحد أريد أن أحمله من تلك السنوات التسع في الشارع، ومن العودة، مرورًا بالتفاهم وتجربة الحكم، ومن كل ما جرى بعدها، وصولاً الى يومنا هذا، فهو أن لبنان لن يُبنى بانتصار طائفة على أخرى، ولا حزب على حزب، ولا محور على محور.
لبنان يُبنى يوم يصبح انتماؤنا إلى الدولة أقوى من خوفنا من بعضنا، ويصبح القانون أقوى من الزعيم، والمؤسسة أقوى من الطائفة، وقرار الحرب والسلم أقوى من أي ارتباط خارجي.
لقد حاول ميشال عون أن يفتح هذا الباب. أصاب في أماكن، وفشل في أخرى، واصطدم بمنظومة أقوى مما اعتقد، وربما راهن أكثر مما ينبغي على قدرة التفاهمات على تغييرها.
لكن السؤال الذي يعنيني اليوم بعد كل ما حدث، هل تعلمنا نحن اللبنانيين شيئًا؟
لأن ميشال عون أصبح جزءًا من التاريخ السياسي للبنان، أما الدولة التي حلمنا بها ونحن في الشارع قبل ثلاثين عامًا تقريبًا، فما زالت مشروعًا ينتظر من يبنيها.