اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل: قراءة قانونية في السيادة والدستور وإدارة التفاوض

  • 01 July 2026
  • 3 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    • article image


    جاد طعمه -

    من اتفاق الهدنة إلى اتفاق الإطار... هل تغيّرت قواعد التفاوض أم تغيّر مفهوم السيادة؟
    «هذه المقالة تعبّر عن رأي قانوني أكاديمي، ولا تتناول تقييم الخيارات السياسية، بل تحلل الإشكاليات الدستورية والقانونية التي يثيرها اتفاق الإطار».

    كلما دخل لبنان مرحلة تفاوض مع إسرائيل، يعود الجدل إلى نقطة البداية: هل يجوز التفاوض مع دولة لا يزال القانون اللبناني يعتبرها عدواً؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته السياسية، ليس السؤال الذي يطرحه القانون.

    القانون الدولي لم يحظر يوماً التفاوض بين الدول المتحاربة، بل إن معظم النزاعات المسلحة في التاريخ انتهت عبر قنوات تفاوضية مباشرة أو غير مباشرة. كما أن التفاوض، بحد ذاته، لا يعني اعترافاً سياسياً، ولا يساوي سلاماً، ولا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء حال العداء.
    الإشكالية القانونية الحقيقية تكمن في أمر مختلف تماماً تكمن في تحديد: طبيعة الالتزامات التي ينتجها التفاوض؟ وهل يملك من يفاوض، في النظام الدستوري اللبناني، سلطة إنشاء التزامات قد تمس البنية القانونية القائمة للدولة؟

    هذا السؤال هو الذي يمنح اتفاق الإطار أهميته القانونية، لأن البحث لا ينبغي أن ينصرف إلى تأييده أو رفضه، بل إلى تحديد موقعه ضمن النظام الدستوري اللبناني، ومدى انسجامه مع القوانين النافذة، وحدود السلطة التقديرية التي تملكها السلطة التنفيذية في إدارة العلاقات الدولية.

    اتفاق الهدنة: تفاوض بلا اعتراف
    يشكل اتفاق الهدنة الموقّع عام 1949 المرجع القانوني الأول في العلاقة بين لبنان وإسرائيل. وقد جاء في سياق تطبيق قرارات الأمم المتحدة الرامية إلى وقف العمليات العسكرية عقب حرب عام 1948.
    من الناحية القانونية، لم يكن اتفاق الهدنة معاهدة سلام، ولم يؤسس لعلاقات دبلوماسية أو سياسية بين الطرفين، ولم ينهِ حال العداء القائمة آنذاك. بل اقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية، وتحديد خطوط الهدنة، وإنشاء آليات لمعالجة الحوادث الحدودية، تحت إشراف الأمم المتحدة.

    تبرز أهمية هذه التجربة في أنها كرّست مبدأً ظل حاضراً لعقود، وهو أن التفاوض لا يغيّر، بذاته، المركز القانوني للدولة ما لم ينص صراحة على ذلك، وما لم تستكمل الإجراءات الدستورية اللازمة.

    لهذا السبب، بقي لبنان بعد اتفاق الهدنة يعتبر إسرائيل دولة عدوة، واستمرت القوانين اللبنانية في تنظيم العلاقة معها على هذا الأساس، دون أن يُفهم من مجرد توقيع الاتفاق أنه يمثل اعترافاً قانونياً أو سياسياً بها.
    لقد استطاع اتفاق الهدنة أن يحقق هدفاً عملياً يتمثل في وقف المواجهات العسكرية، من دون أن يُحدث تحولاً في البنية القانونية للعلاقة بين الطرفين، وهو ما يفسر استمراره لعقود طويلة بوصفه اتفاقاً ذا طبيعة أمنية وعسكرية، لا اتفاقاً يعيد رسم الخيارات السياسية أو الدستورية للدولة اللبنانية.

    اتفاق 17 أيار: اصطدام الشرعية القانونية بالشرعية الوطنية
    بعد أكثر من ثلاثة عقود، دخل لبنان تجربة تفاوضية مختلفة تمثلت في اتفاق 17 أيار 1983، الذي لم يكن مجرد اتفاق أمني، بل حمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع، وأثار منذ لحظة توقيعه انقساماً داخلياً حاداً.
    وبعيداً عن المواقف السياسية المتعارضة منه، فإن أهم ما يقدمه هذا الاتفاق لدارس القانون الدستوري هو درس يتعلق بطبيعة الشرعية نفسها.

    فالشرعية الدستورية لا تقوم على استكمال الإجراءات الشكلية فحسب، كما أن الشرعية السياسية لا تكفي وحدها لإنتاج اتفاق مستقر. فالخبرة اللبنانية أثبتت أن الاتفاقات التي تمس السيادة أو الأمن الوطني تحتاج، إلى جانب مشروعيتها القانونية، إلى حد أدنى من التوافق الوطني يسمح بتنفيذها واستمرارها.
    لقد كان إبطال اتفاق 17 أيار بعد إلغائه من قبل مجلس النواب اللبناني في 4 آذار 1984، دليلاً على أن الاتفاقات الدولية لا تُقاس فقط بسلامة نصوصها أو بقوة الأطراف الراعية لها، بل بمدى تماسك شرعيتها الوطنية وقدرتها على الاندماج في البيئة الدستورية والسياسية للدولة.

    هذه ليست قاعدة لبنانية فحسب، بل مبدأ مستقر في فقه العلاقات الدولية، إذ إن الاتفاق الذي يفتقد الحاضنة الداخلية يتحول غالباً إلى عنصر إضافي من عناصر الانقسام، بدل أن يكون مدخلاً للاستقرار.

    من هنا، فإن استحضار تجربتي اتفاق الهدنة واتفاقية 17 أيار لا يهدف إلى إسقاط أحكام مسبقة على اتفاق الإطار المعلن عنه مؤخراً في واشنطن، بل إلى استخلاص قاعدة قانونية عامة مفادها أن نجاح أي اتفاق لا يتوقف على مهارة المفاوضين وحدها، بل على مدى توافقه مع النظام الدستوري والقانوني، وقدرته على المحافظة على الحد الأدنى من الوحدة الوطنية.

    ولذلك، فإن النقاش حول اتفاق الإطار ينبغي ألّا ينطلق من السؤال التقليدي: هل كان ينبغي التفاوض أم لا؟ بل من سؤال أكثر عمقاً: هل حافظت الدولة، خلال التفاوض، على الثوابت الدستورية التي تحكم ممارسة سيادتها، أم أن الاتفاق، إذا ثبتت بعض مضامينه المتداولة، يطرح إشكاليات قانونية تستوجب معالجة تشريعية ودستورية؟

    هل يملك الاتفاق تعديل المركز القانوني للدولة؟
    إذا كان اتفاق الهدنة قد اقتصر على تنظيم العلاقة العسكرية، وكان اتفاق 17 أيار قد أثار جدلاً حول مشروعيته السياسية والدستورية، فإن اتفاق الإطار يطرح سؤالاً مختلفاً، يتعلق بحدود السلطة الدستورية في إحداث تحول في المركز القانوني للدولة اللبنانية.

    فلبنان، حتى اليوم، لا يزال يعتمد منظومة قانونية تعتبر إسرائيل دولة عدوة، وتضم قوانين نافذة تجرّم، ضمن حدودها، صوراً متعددة من التعامل معها. كما أن هذا الواقع القانوني لم ينشأ بقرار إداري، وإنما تكرّس عبر قوانين وتشريعات أقرها مجلس النواب على امتداد عقود.
    ومن هنا تبرز الإشكالية الدستورية الأساسية: فإذا كان الاتفاق، أياً كان توصيفه، يؤدي إلى إنشاء التزامات جديدة، أو يفتح الباب أمام أشكال من التعاون أو التواصل لم تكن جائزة في ظل التشريعات النافذة، فهل يكفي توقيع السلطة التنفيذية لإحداث هذا التحول، أم أن الأمر يستوجب تدخل السلطة التشريعية؟

    إن هذه المسألة ترتبط بمبدأ مستقر في القانون الإداري والدستوري، هو مبدأ توازي الأشكال والاختصاصات، ومؤداه أن ما أنشأه المشرّع لا يجوز تعديله أو تعطيله إلا بالأداة القانونية ذاتها، ما لم ينص الدستور على خلاف ذلك. ومن ثم، فإن أي اتفاق يمس البنية القانونية للعلاقة مع إسرائيل قد يثير نقاشاً جدياً حول مدى الحاجة إلى مراجعة عدد من النصوص التشريعية القائمة قبل الشروع في تنفيذ الالتزامات التي يرتبها.

    ولا يتعلق الأمر هنا بتأييد الاتفاق أو رفضه، وإنما باحترام مبدأ المشروعية، الذي يفرض خضوع جميع أعمال السلطة التنفيذية للدستور وللقوانين النافذة، حتى في مجال العلاقات الدولية، إذ إن اتساع السلطة التقديرية لا يعني إطلاقها من كل قيد، بل يجعل رقابة المشروعية أكثر أهمية.

    قوة الدولة لا تبدأ على طاولة التفاوض بل قبل الوصول إليها
    تكشف التجارب التاريخية أن الاتفاقات الدولية لا تُقاس فقط بقدرة المفاوض على الدفاع عن نصوصها، وإنما بقدرته على تمثيل دولة تمتلك إرادة وطنية متماسكة. ولهذا، فإن أهم عنصر من عناصر القوة في أي تفاوض ليس عدد الوسطاء، ولا حجم الضغوط الدولية، بل وحدة الجبهة الداخلية.

    فالطرف المقابل لا يقرأ النصوص وحدها، وإنما يقرأ أيضاً البيئة السياسية التي ستنفذها. وكلما ظهر الانقسام الداخلي حاداً، ازدادت قدرة الطرف الآخر على استثماره، سواء في أثناء التفاوض أو بعد إبرام الاتفاق.

    ومن هذه الزاوية، تبدو المقارنة مع تجارب تفاوضية أخرى، ومنها المفاوضات الإيرانية – الأميركية، ذات دلالة قانونية وتفاوضية. وليس المقصود هنا إجراء مفاضلة سياسية بين الدول، وإنما ملاحظة اختلاف منهج إدارة التفاوض. فقد حرصت إيران، في جولات التفاوض المختلفة، على ربط أي التزام تقدمه بالتزام مقابل واضح، وعلى المحافظة على أوراقها التفاوضية إلى حين التوصل إلى تفاهم نهائي، من دون أن يسبق ذلك تعديل في بنيتها القانونية الداخلية، ويمثل الضمانة الأساسية لاستقلالية قرارها الوطني أو إعلان انتقال إلى مرحلة قانونية جديدة.

    أما في الحال اللبنانية، فإن الجدل الدائر لا ينصب على مبدأ التفاوض نفسه، بل على مدى توافر الإجماع الداخلي الذي يمنح الدولة قوة تفاوضية، وعلى ما إذا كانت الالتزامات المتبادلة قد جاءت متوازنة، وعلى مدى انسجامها مع النظام الدستوري والقانوني اللبناني.

    فالتفاوض، في نهاية المطاف، ليس اختباراً لحسن النوايا، وإنما لمدى قدرة الدولة على حماية مركزها القانوني والدستوري، وعدم الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلا بعد استكمال الأصول التي يفرضها الدستور، وبعد تأمين الحد الأدنى من الوحدة الوطنية التي تجعل أي اتفاق قابلاً للحياة، لا مجرد نص قانوني معرض للاهتزاز عند أول اختبار سياسي.

    لعل أهم درس تقدمه التجارب المقارنة هو أن الدول لا تدخل المفاوضات وهي تتخلى عن عناصر قوتها، بل تدخلها وهي تسعى إلى تحويل هذه العناصر إلى ضمانات قانونية داخل نصوص الاتفاق. أما إذا سبق الانقسام الداخلي عملية التفاوض، فإن ذلك ينعكس، غالباً، على موقع الدولة التفاوضي، ويجعل الاتفاق، مهما بلغت دقة صياغته، عرضةً لجدل لا ينتهي حول مشروعيته الدستورية والسياسية.

    وهكذا، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد الإعلان عن أي اتفاق ليس فقط: ماذا كسب كل طرف؟ بل أيضاً: هل حافظت الدولة، في أثناء التفاوض، على وحدتها الدستورية والقانونية، أم أن الانقسام الداخلي أصبح جزءاً من البيئة التي صيغ الاتفاق في ظلها؟ ذلك أن وحدة الجبهة الداخلية ليست قيمة سياسية فحسب، بل هي، في القانون الدستوري والعلاقات الدولية، إحدى أهم ضمانات حماية السيادة وصون القرار الوطني المستقل.