خارطة طريق للإنقاذ والميثاق والعمق العربي: هل يمتلك "التيار" مفاتيح المبادرة؟ (نعمه إبراهيم)

  • 09 June 2026
  • 3 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: tayyar.org
    • article image
    اللحظات التاريخية المفصلية التي تتهدد فيها كيانات الأوطان، تفرض حتماً سقوط الحسابات الرقمية الضيقة والمناكفات الحزبية أمام عبقرية المبادرة وجرأة الاستشراف السياسي. واليوم، ولبنان يترنح على حد السكين بين أعاصير إقليمية واستعصاء داخلي يهدد بـالشلل الكياني التام، يبدو "التيار الوطني الحر" من المنظور التحليلي في موقع سياسي مؤهل للعب دور "المايسترو" القادر على تفكيك الاصطفافات الحادة، مستنداً إلى طرح إنقاذي ثلاثي الأبعاد يزاوج بين الإنقاذ، والواقعية الميثاقية، والعمق العربي. هذا الانتقال المفترض من ضفة "الانتظار" لتبدّل التوازنات الخارجية، إلى ضفة "الفعل" وصناعة الحدث في الداخل، يمثل ضرورة وطنية يقدمها التيار كخيار للحل عبر مسارين متوازيين؛ يبدأ الأول بحراك وطني عابر للاصطفافات، مدفوعاً بضرورة بناء شبكة أمان سياسية تلتقي مع القوى الوسطية الوازنة، وعلى رأسها الرئيس نبيه بري والوزير وليد جنبلاط والكتل السنية المستقلة، للاتفاق على "وثيقة ثوابت مفاوضة" تعيد الاعتبار لشرعية الدولة الدستورية، وترتكز على العودة الصريحة إلى روحية اتفاقية الهدنة لعام 1949، وتبني اتفاق الطائف كمرجعية دستورية نهائية لا تقبل الاستنسابية أو الاجتزاء.
    حركة الانفتاح السياسي المرنة التي يقودها رئيس التيار النائب جبران باسيل على الساحة اللبنانية، تظهر كمؤشر جديد على السعي لتوسيع مساحات الحوار مع مختلف المكونات. ولم تعد هذه الخطوات مجرد شعارات نظريّة، بل تترجمها وقائع سياسية كسر بها التيار خلال السنوات الأخيرة عدداً من الحواجز التاريخية التي كانت قائمة مع شخصيات وفعاليات بارزة في البيئة السنية، لا سيما في طرابلس وعموم الشمال. وفي هذا السياق الممنهج، جاءت المشاركة الأخيرة للنائب باسيل في إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي، وما رافقها من اهتمام وترحيب لافت من النائب فيصل كرامي، كأحدث المؤشرات الدالة على هذا النهج؛ حيث لم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة بروتوكولية عابرة، بل خطوة تندرج في صلب مسار سياسي ثابت يلتقي مباشرة مع طرح التيار لـ "مقترح حماية لبنان"، باعتباره إطاراً للحوار حول القضايا الوطنية الكبرى وبناء قنوات تواصل مع قوى وشخصيات من خلفيات مختلفة، انطلاقاً من القناعة بضرورة البحث عن مساحات مشتركة في ظل التحديات الوجودية.
    دور التيار يتناغم في هذا السياق بصورة وثيقة مع محيطه العربي، وهو يعتمد علاقة تنسيق دائمة وإطلاع كامل للجانب السعودي؛ لكون المملكة العربية السعودية هي الضامن التاريخي والسياسي لاتفاق الطائف، والمظلة القادرة على منح هذا المحور الوسطي غطاءً عربياً وازناً يكسر حدة الاستقطاب الإقليمي، ويوفر "سلماً وطنياً" يُنزل الأطراف المتصارعة عن شجرة التصعيد، ويُلزم أي سلطة تنشأ بتبني هذا الطرح كقاعدة صلبة ووحيدة للتفاوض، مما يحمي القرار اللبناني من فرض تسويات خارجية مستوردة لا تراعي المصلحة الوطنية العليا.
    التيار يستطيع، بالتوازي مع هذا البعد الوطني، إطلاق حراك مسيحي جامع ينطلق بغطاء كامل من بكركي وتحت مظلتها التاريخية. هذه القدرة تستند إلى حقيقة كون التيار القوة المسيحية الأوسع انتشاراً والأكثر مرونة، ويمتلك وحده التوازن العقائدي والسياسي الذي يؤهله للحديث مع الجميع من موقع الندية والميثاقية، دون التورط في الانعزال أو الانكفاء؛ فهو قادر على صهر كافة "الهواجس المسيحية" الوجودية — من ضمان الحضور الفاعل والشراكة الحقيقية، إلى تفعيل اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة وإعادة بناء المؤسسات — في ورقة عمل موحدة ورؤية استراتيجية واضحة تنجح في إعادة صياغة المفهوم السيادي. فبدلاً من شعارات المواجهة العبثية التي لا تنتج للساحة المسيحية إلا الضعف والتهميش، يطرح التيار البديل العملي الذي يؤمن الحماية الفاعلة من خلال الدولة ومؤسساتها الشرعية، مستعيداً المبادرة ومثبتاً موقعه كطرف محوري لا يمكن عبور أي تسوية كبرى حول شكل النظام أو الاستحقاقات الدستورية دونه.
    العودة إلى جوهر اتفاقية هدنة 1949 في متن هذه الرؤية تأتي للكشف عن الثغرة الكبرى في واقعنا الراهن، فنجاح تلك الاتفاقية كان نتاج معادلة ذهبية جمعت بين الغطاء الميثاقي لرجال الدولة وهيبة الميدان التي فرضها جيش وطني متماسك؛ واليوم، يتطلب استيقاظ هذا النموذج صياغة "عقد أمان جديد" ليرسي مفهوماً موحداً للأمن القومي يحوّل عناصر القوة إلى أدوات شرعية في يد الدولة. وفي ذات السياق، يظل اتفاق الطائف واستكمال تطبيقه بكامل مندرجاته — بعيداً عن التشوية الذي طبع العقود الماضية — هو الممر الإلزامي الحتمي للاستقرار المؤسساتي؛ فالتمسك بالطائف يعني حماية المناصفة كصيغة فريدة للعيش المشترك، وتفعيل اللامركزية الإدارية، وإنشاء مجلس شيوخ يحفظ هواجس الطوائف، مقابل تحرير مجلس النواب من القيد الطائفي لبناء دولة المواطنة وحصر السلاح بيد الشرعية.
    التنسيق مع الجانب السعودي يمثل البعد الاستراتيجي الأبرز في هذه القراءة، إذ تتعدى الروابط اللبنانية-السعودية الأطر الدبلوماسية التقليدية لتشكل صمام الأمان لهوية لبنان وعروبته؛ فالرياض تمثل القاطرة الإقليمية التي تقود الموقف العربي الرصين، وتحدد مستوى الاهتمام الدولي بالملف اللبناني بما يحميه من العزلة، فضلاً عن كونها شريان حياة اجتماعي واقتصادي يربط آلاف العائلات اللبنانية بعمقها الطبيعي، ما يجعل العودة إلى هذا الكنف العربي شرطاً أساسياً ومدخلاً إلزامياً لأي خطة تعافٍ مستقبلية.
    دمج هذين المسارين، وتدعيمهما بخطوات انفتاحية ميدانية، يحوّل "التيار الوطني الحر" في المحصلة إلى محور الارتكاز السياسي في البلاد؛ فهو من جهة يطمئن المكونات الشريكة والعمق العربي بالتمسك بالدستور والشرعية والانفتاح الميثاقي، ومن جهة أخرى يقود المطالب المسيحية المحقة من منطلق ميثاقي أصيل وبغطاء بكركي التاريخي، مقدماً مشروع "حل لبناني بضمانة عربية" يعيد التيار إلى صدارة المشهد كحارس للكيان، وجسر للعبور نحو استقرار مستدام ينهي زمن الارتهان والاصطدام الصامت