<
12 May 2016
نابوليون و الخديوي

عباد زوين -

واحدة من أكثر مصائبنا هي إنعدام الجدية، و تتجلى، خاصة، في الإنتخابات البلدية و الإختيارية، حيث يقوم فريق وازن، من الناس، باستبدال المقاييس المنطقية بالمقاييس العاطفية المتخلفة. و كأن العقلية القبلية العشائرية، مع الوصولية الفردية، التي كانت تحسب ميتة، إنما كانت نائمة بانتظار أن توقظها هذه الإنتخابات. لذا، يقوم هذا البعض بما أسميه نبش القبور، قبور أنفسهم،  و إخراج الجثث المنتنة منها.

و تؤلمني رؤية قلة من المحازبين "الملتزمين"، في مختلف الأحزاب، و قد سقط إلتزامهم، سقوطا مخزيا، في حفرة الخيانة، لأنهم ما زالوا عبيدا لمفاهيم التخلف،  لأنهم مجرد أتباع، لا رأي لهم، و لا يعود لرأيهم، عندي قيمة تذكر، إلا في قياس درجة التخلف.

تعودت، منذ نعومة أظفاري، على معاشرة المسنين و الإستماع إلى "خبرياتهم" و الآن تحضرني واحدة ذات مغزى آني.

قيل: أنه لما غزا نابوليون بونابرت مصر، و بعد إكمال السيطرة زار الخديوي، حاكم مصر يومها. و فيما هما جالسين على سطح إحدى قاعات القصر الملكي، سأل الخديوي القائد الفرنسي:"كيف تمكنت من ربح الحرب بهذه القوة الصغيرة نسبيا(25 ألف حندي)، فرد نابوليون بالقول: بطاعة و إنضباط الجندي الفرنسي". فسأله الخديوي أن يريه مثلا حيا على ذلك، فنادى نابوليون أحد الجنود و أمره بالقفز من على السطح، فقفز و سقط من إرتفاع شاهق، فقتل. عندها أراد الخديوي أن يقابله بوجود نفس الصفة عند المصريين، فنادى مرافقه الخاص، فحضر. فقاله الخديوي: " يا عطية، بتحب الخديوي و بتحب مصر فقال الجندي المصري: بعيوني، بفديكم بحياتي. فقال الخديوي: عشان مصر و عشان الخديوي إقفز مثل الجندي الفرنساوي. فنهض الجندي عطية ، و ركض بسرعة حتى وصل إلى حافة السطح، فتوقف. عندها إنفعل الخديوي غاضبا، و قد أحس بالخذلان، فصرخ مشجعا: يا عطية! عشان مصر  إقفز مثل الفرنساوي". و و كرر الخديوي كلامه عدة مرات و الجندي المصري لا يتحرك. فلما سكت الخديو رجع عطية و اقترب منه ، و بعد الإنحناء قال، و هو يشير بيديه الإثنين إلى حافتي السطح: سيدي، أحب مصر و الخديوي من هنا إلى هنا بس.

و كم من "عطية" يملاء الدنيا تحركا و ضجيجا مؤكدا صحة إلتزامه، ويكون إلتزامه الحقيقي: من هنا إلى هنا بس. و هؤلاء يرتكبون الخيانة و يحرمون القيادات من تحقيق النصر.

و سيكون لي كلام آخر بموضوع الإلتزام، أتركه لمرة لاحقة.