<
15 February 2026
يونس: اللبنانيون محترفون في نبش القبور!

كتب الصحافي منير يونس عبر صفحته على "أكس":

اللبنانيون محترفون في نبش القبور:

في لبنان، تعود خطابات «نبش القبور» كلما ضاقت السياسة بأصحابها، وكلما عجز الحاضر عن إنتاج معنى أو مشروع. تُستحضر جراح الماضي لا بهدف المحاسبة أو المصالحة، بل كأداة تعبئة، تُنقَّب فيها الذاكرة الجماعية انتقائياً، وتُستخرج منها صور القتل والخوف والانتقام لتُستخدم وقوداً في معارك الحاضر. هكذا يُستبدَل النقاش في العدالة والإصلاح بخطاب غرائزي يُخاطب الأحقاد لا العقول.

ومساوئ هذا الخطاب ليست أخلاقية فحسب، بل سياسية ووطنية بامتياز. فهو يُعيد إنتاج الانقسام نفسه الذي دمّر البلد، ويمنع قيام سردية وطنية جامعة، ويُقفل أي أفق لمحاسبة فعلية تقوم على الوقائع والقانون. حين يُنبَش القبر بعدالة انتقائية، تتحول الذاكرة إلى سلاح، ويُختزل التاريخ إلى روايات متقابلة، كلٌّ منها يبرّئ نفسه ويُدين الآخر. النتيجة ليست حقيقة، بل متاريس جديدة.

والأخطر أنّ «نبش القبور» يتحوّل في كثير من الأحيان إلى سياسة لإلغاء الآخر كلياً، لا لمجادلته ولا لمحاسبته. يُعاد تعريف الخصم بوصفه «جريمةً قائمة بذاتها»، أو «خطأً تاريخياً يجب شطبه»،. تُصاغ الهوية على قاعدة: أنا موجود لأنك يجب أن تُسحق. ومع هذا المنطق، تتراجع السياسة إلى ما قبل الدولة: إلى قبيلةٍ تبحث عن نصرٍ، وعن إذلال للآخر، وعن إلغاءٍ كاملٍ للخصم.

ثم يأتي الوجه الأكثر سُمّية: تحويل الذاكرة إلى محكمةٍ شعبية بلا معايير، حيث تُستدعى «الدماء» لا لتُعترف بها جميعاً، بل لتُوظَّف ضد طرفٍ أو آخر. 

في هذا البلد، هناك من قتل واغتال، وهناك أيضاً من استعان بالخارج—مباشرةً أو بالواسطة—ليُسهّل القتل والاغتيال. لكن استدعاء هذه الحقائق يصبح كارثياً حين يُنزَع من سياقه ويُزَجّ به في سوق المزايدات، فيتحول الدم إلى شعار، والضحايا إلى مادة تعبئة.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن البيئة التي تُنتجها: النظام الطائفي نفسه يغذّي «نبش القبور» ويحتاج إليه. فحين تقوم الشرعية السياسية على «الخوف من الآخر» لا على البرامج، يصبح الماضي مخزوناً دائماً للتعبئة. وكلما اهتزّت الزعامة أمام فشلها في العدالة والخدمات والاقتصاد والحوكمة، عادت إلى السلاح الأسهل: شدّ العصب عبر التاريخ. وهكذا يتحول المواطن إلى “عضو” في جماعة خائفة، لا إلى فردٍ يطالب بحقه كإنسان في دولة. كما أن الطائفية تُحوّل العدالة إلى توازنات، لا إلى قانون: تُقايَض الحقيقة بغض النظر، وتُستبدل المحاسبة بتسوياتٍ تُوزَّع فيها البراءات والاتهامات حسب ميزان القوى.

وإلى جانب كل ذلك، فإن «نبش القبور» هو أيضاً أداة للوصول إلى السلطة لا إلى العدالة. هو طريق مختصر نحو الشرعية الشعبية: تفتح جرحاً قديماً، تُضخّم الخوف، تُعلن أنك “حامي الجماعة”، ثم تُحوّل هذا الخوف إلى أصواتٍ في الانتخابات وإلى نفوذٍ في الدولة. في هذا المنطق، لا يعود الهدف كشف الحقيقة أو إنصاف الضحايا، بل بناء زعامة على ركام الذاكرة. فالقبر يُنبَش لتُرفع راية، لا لتُقام محكمة.

وفي ما يشبه المفارقة السوداء، صار كثير من اللبنانيين محترفين في نبش القبور، كأنها هوايتهم المفضّلة: يتبارون في استحضار الأسماء والتواريخ، يتفننون في سرد “جرائم الآخر”، ويستخرجون من الأرشيف ما يخدم اللحظة، لا ما يخدم الحقيقة. يطاردون الذاكرة كما لو كانت بطولةً يومية، ويُديرون نقاشاتهم كأن البلاد لا تملك أي ملفّ أكثر إلحاحاً من إعادة فتح القبور. والأسوأ أنهم غالباً لا يعبأون بأن هذا الخطاب، مهما بدا “كلاماً”، قادرٌ على إعادة إنتاج مناخات الخوف والكراهية التي سبقت جولات الدم، وأن الكلمات في بلدٍ هشّ كهذا ليست بريئة دائماً: فهي قد تكون تمهيداً، أو تحريضاً، أو تطبيعاً مع فكرة أن العنف ممكن من جديد.

وخطاب نبش القبور يقتل المستقبل مرتين: مرة حين يعلّق المجتمع في ماضيه، ومرة حين يُعفي الحاضر من مسؤوليته. فبدلاً من مساءلة من يديرون الدولة اليوم عن غياب العدالة والانهيار والفساد وسوء الحكم، يُعاد توجيه الغضب نحو خصومات تاريخية، وكأن الزمن توقف، وكأن الجرائم الراهنة أقل فداحة لأنها لم تُدفن بعد. هكذا يُستهلك الغضب الشعبي في معارك ذاكرة، ويُترك الواقع ينزف بلا مساءلة.

لبنان لا يحتاج إلى ذاكرة مُلغاة ولا إلى ذاكرة مُسلَّحة. يحتاج إلى ذاكرة عادلة: تُقرّ بالضحايا بلا انتقائية، تُسمّي المسؤوليات وفق الوقائع والقانون، وتفتح باب المصالحة على قاعدة الحقيقة لا على قاعدة النسيان أو الإلغاء. أما نبش القبور بلا عدالة، فهو سياسة الهروب بامتياز: هروب من الإصلاح، من الدولة، ومن الاعتراف بأن الخطر الحقيقي ليس في الماضي وحده، بل في حاضر يُعاد إنتاجه بالنظام نفسه، وبالخطاب نفسه، وبالنتائج نفسها.