<
14 February 2026
إبستين وإسرائيل: فصول «غرام» ممتدّ
خضر خروبي-


لا يزال الكشف عن «وثائق إبستين» يثير زوبعة في غير مكان من العالم، وبخاصة في إسرائيل، في ظلّ ما تكشّف عن علاقات رجل الأعمال الأميركي المدان، والمقدّرة ثروته بأكثر من 500 مليون دولار، بأجهزة أمنية وشخصيات عسكرية وسياسية إسرائيلية. والعلاقات تلك، كانت قد ألمحت إليها مراراً شخصيات إعلامية أميركية، في طليعتها تاكر كارلسون؛ وهي تكتسي دلالات إضافية مع الإشارة إلى أن روبرت ماكسويل، والد شريكة إبستين، وعشيقته السابقة، غيسلين، اتّصل اسمه بعمليات اتّجار بالأسلحة عبر أسماء مرتبطة بـ«الموساد» من مثل نك ديفيز وآري بن ميناشي، فضلاً عن أن دولة الاحتلال أقامت له جنازة عند «جبل الزيتون» المخصَّص لاستضافة فاعليات تمجيد إسرائيل من تسمّيهم «أبطالها» التاريخيين.
«تبرعات» إلى جمعيات داعمة للجيش الإسرائيلي

آخر أصداء تلك الزوبعة يتّصل بما أظهرته الوثائق المنشورة على موقع وزارة العدل الأميركية، وبالاستناد إلى سجلات ضريبية، من أن إبستين قدّم، على مدى عقدين من الزمن، هبات بنحو 30 مليون دولار إلى مؤسّسات مختلفة تسوّق نفسها تحت غطاء أدوار اجتماعية وثقافية وبحثية مزعومة. ومن بين تلك المؤسسات مراكز دراسات صهيونية، وجامعات من مثل جامعة ولاية أوهايو وجامعة «هارفرد»؛ إلى جانب كيانات تخلع على نفسها عناوين «إنسانية» على غرار «جمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي»، المعروفة بأنها الجهة الرسمية الوحيدة المعترَف بها داخل الولايات المتحدة، المخوّلة جمع التبرعات لصالح جيش الاحتلال، والمعنيّة بتقديم خدمات صحية وتعليمية إلى جنوده وأفراد عائلاتهم. وبحسب ما أظهرته الوثائق المفرج عنها حديثاً، فقد تبرّع إبستين، في العام 2005، بما قيمته 25 ألف دولار للجمعية المذكورة، ذات الفروع العشرين في الولايات الأميركية، والتي أنشئت عام 1981 على أيدي ناجين من «الهولوكوست».

كما أن الرجل، وفقاً للسجلات الضريبية عينها، قدّم دعماً مالياً لما يزيد عن 12 منظمة صهيونية داخل الولايات المتحدة، بما يشمل تمويل بناء معابد «يهودية» (تلمودية)، وتشجيع نشاطات لجمع شبان من طلاب مدارس إسرائيلية وفلسطينية في مخيم صيفي في ولاية مين الأميركية. ويتضح ذلك عبر ما يُعرف بـ«نموذج 990»، الذي يتيح - بموجب القوانين الأميركية - للمتبرّع في الكثير من الحالات الاستفادة من تعويض بقيمة تبرعاته في إقراراته الضريبية، وهو ما انطبق على إبستين من بوابة المؤسسات «غير الربحية» الأربع التي يمتلكها، وهي: «إبستين إنترست»، و «سي أو يو كيو»، إضافة إلى «شركة الامتنان الأميركي»، ومؤسسة مشابهة في جزر العذراء.
بين إبستين وباراك... واليمين الإسرائيلي!

أما في ما يخص علاقات رجل الأعمال، الذي عُثر عليه ميتاً في أحد سجون ولاية نيويورك، صيف العام 2009 - بينما كان ينتظر محاكمته باتهامات الاتجار الجنسي -، برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، فقد كشفت الوثائق عن زيارة الأخير لمنزل إبستين في نيويورك، أكثر من 30 مرة بين عامي 2013 و2017. وسلّط الإعلام الإسرائيلي الضوء على جانب من مضامين المراسلات بين الرجلين، والتي امتدّت على مدى قرابة 15 عاماً؛ إذ توقّفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عند ما أظهره باراك في إحدى رسائله إلى صديقه من خشية في شأن احتمال انزلاق إسرائيل نحو «دولة واحدة ثنائية القومية»، في إشارة إلى القلق المزمن من التفوق الديمغرافي للعرب على أرض فلسطين المحتلة، خصوصاً في ضوء ما يشهده كيان الاحتلال من تراجع غير مسبوق في معدل نمو السكان لجملة أسباب، الأمر الذي يتطلب «الاستيقاظ قبل فوات الأوان»، على حدّ قول باراك. وفي إحدى المراسلات، التي امتدت لثلاث ساعات ونصف الساعة بين باراك وإبستين، تحدث الأول بأسلوب عنصري فجّ تجاه اليهود الشرقيين، مشيراً إلى أن إسرائيل استوعبت كل اليهود القادمين من شمال أفريقيا والدول العربية قبل العام 1948، مضيفاً: «أما اليوم فيمكننا أن نكون انتقائيين... بحيث يتوجب علينا أن نفتح أبواب التحول الجماعي إلى اليهودية بطريقة ذكية ولطيفة ومدروسة، ومراقبة الجودة بشكل أفضل بكثير مما كانت عليه الحال مع الآباء المؤسسين للبلاد». وهو كلام ينسجم مع مكنونات النظرة السائدة في إسرائيل، والقائمة على التفوق الثقافي والاجتماعي لـ«الأشكناز» على حساب «السفارديم».

وفي أول رد له على ظهور اسمه وصور له في «وثائق إبستين»، أبدى باراك ندمه على استمرار علاقته بالرجل بعد إدانته الأولى عام 2008، مبرّراً استمرار تلك العلاقة بعد ذلك التاريخ بعدم علمه، أسوة بالكثيرين، بمن فيهم النخب السياسية الأميركية، بحجم جرائم الرجل الذي يعود بدء تعارفه به إلى العام 2003، حين قدّم الرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز، إبستين لباراك على أنّه «يهودي طيب». وفي مقابلة مع القناة «12» العبرية، كشف باراك أن إعادة فتح التحقيق مع المليونير الأميركي المثير للجدل عام 2019، «شكلت نقطة التحول التي قطعت عندها الدوائر الواسعة صلاتها بإبستين»، وفق قوله. ورغم إقراره بوجود محادثات إلكترونية بينه وبين إبستين، وقيامه بزيارة الأخير في منزله في نيويورك مرات عدة، زعم باراك أنه زار الجزيرة السيئة الصيت «زيارة واحدة» لمدة 3 ساعات في وضح النهار، مؤكداً أنّه كان برفقة زوجته و3 حراس، مرفقاً قوله بادعاء أنّه لم يلتقِ سوى بصديقه الأميركي وبعض العمال.
ومع تكشّف المزيد من المعطيات في هذا الإطار، لم يوفّر تيار اليمين الإسرائيلي، المعروف بمواقفه الحادة ضد باراك، فرصة الاستثمار في القضية للتشكيك في الأهلية السياسية للرجل، لا سيما أن رئيس الحكومة الأسبق يقدّم نفسه كمعارض للحكومة الحالية بزعامة بنيامين نتنياهو.
الأخبار