<
09 February 2026
هل من معنى للمارونية خارج لبنان؟ (أنطوان قسطنطين)
أنطوان قسطنطين -

من حَسنات الأعياد أنّها تُذكّر الإنسان بمحطات ترتبط بوجوده، ماضياً ومُستقبلاً. عيد مار مارون، الناسِك السرياني الذي توفّي في مطلع القرن الخامس الميلادي، مناسبة ليتذَكّر الموارنة الذين يحملون اسمه، أنّ إيمانهم المسيحي لَمْ يكن يوماً مَعزولاً عن الجغرافيا، ولا الروح منفصلة عن التراب. منذ أن اختار مارون ورهبانه البرّية سبيلاً للحُرية الروحانية، تشكّل تدريجاً وعي جَماعي يرى في الحُرية شرطاً لصدق الشهادة وفي الانتماء امتداداً للإيمان. على هذا العَهد ارتبط الموارنة بأرض لبنان، لا بوَصفه حصناً فحَسب، بَلْ باعتباره مساحة حرّية في مشرق أثقله الانغلاق، وأدماه العنف في مراحِل طويلة ومتعدِّدة من تاريخه.

شهادة الموارنة للمسيح لم تنحصر بالإيمان، بَلْ ترافقت أيضاً مع تشبُّثهم بأرض صعبة، وعِرة، لكنّها حُرّة. أرض لَمْ تُخضِعهم، بَلْ صاغت شخصيّتهم. صلابة الصَخر، وعناد السنديان، وطبيعة الجبال الفريدة في هذا المشرق، حوّلت الحرّية من مفهوم لاهوتي إلى خيار حياة دفع الموارنة ثمنه احياناً دماً، لكنّه أنتج قداسة ومجتمعاً واقتصاداً ودوراً. انفتاحهم وتعاونهم مع شركائهم في الأرض جعَلا من لبنان وطناً ومن ثم دولة. في مشرق الأديان نجح الموارنة في ممارسة إيمانهم من دون الحاجة إلى بناء دولة دينية تيوقراطية. تمسّكوا بالحرّية ليحفظوا للإيمان معناه، وللإنسان كرامته. مع فخر الدين المَعني الكبير، ودروز لبنان الجبل، كانوا أول مَن قدَّم فكرة الوطن الجامع، وفي مطلع القرن العشرين قدّموا مع سواهم من المتنوِّرين من الطوائف الأخرى خيار الدولة، إطاراً مدنياً يحتضن التنوّع الديني والثقافي، لا أداة لفرض هوية واحدة. بهذا المعنى، لم يكن لبنان الكبير فقط نتاج توازنات دولية عابرة، بل ثمرة نضال ووعي وبناءٍ روحي وثقافي، حقّقته نهضة فكرية وقيَم وقوة مجتمع واقتصاد.

غير أنّ الأرض والوجود الحرّ ليسا إرثاً مكتسباً، بل مسؤولية متجدِّدة، تفرض على الموارنة اليوم كما على جميع اللبنانيِّين واجب حماية الوطن من التفكّك، وحماية أنفسهم من خطيئة الإنعزال وخطر تحويل الخوف إلى هوية. كلّما شعر الموارنة بالخطر، غلبت لديهم غريزة الدفاع عن الوجود، وهذا حقّ؛ لكنّ التحدّي الحقيقي يكمن في مرحلة ما بعد زوال الخطر، أيّ في العودة إلى دورهم الطبيعي روّاداً في الانفتاح، وصنّاع جسور بين الثقافات، وأصحاب مشروع حداثة لا يخاف التطوّر ولا يساوم على الحرّية. لقد أثبتت التجربة أنّ الموارنة، حين ينغلقون، يضعفون، وحين ينفتحون، يقوون ويقوى لبنان معهم.

نجاحهم ليس في الإنكفاء، بَلْ في الريادة. قدَرهم صناعة دور متجدِّد لهم وللبنان، كما حصل في القرن الماضي. واجبهم قيادة بناء الدولة المدنية العصرية والعادلة التي وحدها، تحمي حرّية المُعتَقد وتدير التنوّع، تحت سقف المساواة أمام القانون. المعركة اليوم هي إخراج الدولة من خنادق الطائفية والمذهبيات، وتجديد معنى الشراكة الوطنية المتوازنة وابتكار اقتصادٍ منتج وواضح المَعالِم. لبنان يحتاج إلى الموارنة كما يحتاجون هم إليه. من دونه يصبحون جماعة بلا أفق، ومن دونهم يفقد مبرِّر وجوده كوطن مستقل. مسؤولية أصحاب الوعي والقرار بين الموارنة أن يطردوا شياطين الإنغلاق والتقسيم، وأنْ يواجِهوا بجرأةٍ الأغبياء والمتاجرين بالتخويف.

قدَر الموارنة أن يبقوا حرّاساً للحرّية، متطرّفين في تقديسها، مؤمنين بأنّ السلام يولد من الانفتاح والحق، لا من التَزمُّت والظلم، وأنّ الإيمان يذبل من دون الحرّية، وأنّ عظمة الماضي هي في أن يكون دافعاً لصناعة المستقبل لا في أن يجتَرّ ذاته. بهذا الوعي فقط، يبقى لبنان وطناً يملك دوراً وتاريخاً. أمّا إذا سقط الدور، فيضمحلّ الوجود ويصبح لبنان مجرّد ذكرى في التاريخ. هذا هو التحدّي الحقيقي، وعلى الموارنة بدءاً من متنَوّريهم أن يختاروا ويبادروا، لأنّ إحجامُهم يُقصيهم حتماً، فيتحكّم بهم جُهّالهم وينهزم العَقل أمام الغريزة.
الجمهورية