<
07 February 2026
نهاية غضّ الطرف الدولي: هل يدخل لبنان مرحلة أشد خطورة؟
أنطوان الأسمر - 

يعود لبنان، في لحظة إقليمية شديدة السيولة، ليجد نفسه مجدداً في قلب تفاعلات تتجاوز حدوده وقدرته على التأثير فيها، فيما التوتّر الأميركي – الإيراني يشكّل الإطار الضاغط الذي يُخشى من خلاله توظيف المساحة اللبنانية، إما كمنصة رسائل سياسية وأمنية، أو كمساحة اختبار لحدود الاشتباك الإقليمي وحدود الصبر الدولي.
يتحدث ديبلوماسي غربي عن نظام إيراني يشعر بأنه مُحاصر ويميل إلى تفعيل أدوات الضغط. ولا يقدّم الديبلوماسي مجرد سلوك ظرفي، بل يرسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة، تتّسم بتراجع منسوب الصبر الدولي، وارتفاع كلفة إدارة الأزمات بالوكالة. وفي هذه المعادلة، يبدو لبنان أحد أكثر المساحات هشاشة وقابلية للتأثر، وربما للاستخدام.
يشير الديبلوماسي بوضوح إلى أن طهران، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والعقوبات السياسية والعزلة المتزايدة، "تميل إلى استثمار ما تبقى لديها من أوراق قوة. هذه الأوراق ليست ديبلوماسية ولا اقتصادية، بل أمنية–عسكرية، تتمثل في شبكة الأذرع المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى أدوات التخريب غير المباشر كاستهداف البنى التحتية للطاقة وخطوط الملاحة. هذا السلوك يعكس قناعة إيرانية راسخة مفادها أن كلفة التصعيد، مهما بلغت، تبقى أقل من كلفة الانكفاء أو تقديم التنازلات".
غير أن ما تغيّر، وفق الديبلوماسي إياه، هو مزاج الغرب نفسه. فالدول الغربية، التي اعتادت إدارة الأزمات عبر سياسة غض الطرف أو شراء الوقت، باتت ترى أن استمرار هذا النهج لعقد إضافي لم يعد خياراً قابلاً للتحمّل. فالتقاعس لم يُنتج استقراراً، بل راكم فوضى: انعدام أمن إقليمي، انتشار غير مسبوق للسلاح، وتآكل تدريجي في صدقية الردع الغربي. هذه المقاربة الجديدة تضع مساحات النفوذ الإيراني أمام مرحلة أكثر خطورة.
يقف لبنان، تحديداً، عند تقاطع حساس بين هذه التحولات. فمن جهة، هو الحلقة الأضعف اقتصادياً ومؤسساتياً، مما يجعله مساحة مثالية للضغط غير المباشر. ومن جهة أخرى، هو البلد الأكثر التصاقاً بالمواجهة مع إسرائيل، مما يمنحه وزناً خاصاً في أي حسابات تصعيدية أو تفاوضية. وفي ظل غياب الدولة القادرة، يصبح لبنان عملياً مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو على الأقل لرفع منسوب الرسائل المتبادلة.
لا يمرّ تفعيل أدوات الضغط إقليمياً من دون ارتدادات لبنانية مباشرة. فأي تصعيد في الخطاب أو في الميدان، سواء انطلق من الجنوب أو فُرض عليه، ينعكس فوراً على الداخل اللبناني: على الاستقرار الهش، على الاقتصاد المنهك، وعلى ما تبقى من ثقة دولية بقدرة لبنان على تحييد نفسه. ومع انتقال الغرب من سياسة الاحتواء إلى سياسة تقليص المخاطر، قد يجد لبنان نفسه تحت مجهر أشدّ صرامة، ليس فقط بسبب دوره، بل بسبب عجزه عن ضبط هذا الدور.
الأخطر في هذه المرحلة هو أن لبنان لم يعد يُنظر إليه كقضية بحد ذاتها، بل كجزء من ملف إقليمي أوسع. ففي الحسابات الدولية، لا يُقاس الوضع اللبناني بمعايير الإصلاح أو السيادة فقط، بل بمدى ارتباطه بشبكة الأزمات الممتدة من طهران إلى المتوسط. وهذا ما يفسر تشدد بعض العواصم في ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي للبنان بشروط تتجاوز الشأن الداخلي، لتلامس موقعه في معادلة الصراع الإقليمي.
في المقابل، يراهن النظام الإيراني على أن تعدد الجبهات سيُربك خصومه ويمنعهم من الذهاب بعيداً في المواجهة. لكن هذا الرهان يحمل في طياته مخاطرة مضاعفة للبنان. فكلما اشتد الإحساس الإيراني بالحصار، ارتفع منسوب استخدام الساحات الهشة كأدوات ضغط. وكلما تقلص هامش التساهل الغربي، ازدادت احتمالات تحويل هذه الساحات إلى مسرح رسائل قاسية، لا تراعي خصوصيات الدول ولا كلفة الانهيار الاجتماعي.
من هنا، يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً: كيف يمكن لبلد مأزوم، بلا استراتيجية دفاعية ولا سياسة خارجية فاعلة، أن يحدّ من ارتدادات صراع يتجاوز قدرته؟ الجواب، حتى الآن، غير مطمئن. فغياب القرار الوطني الجامع، واستمرار ربط الساحة اللبنانية بحسابات إقليمية، يعنيان أن لبنان سيبقى متلقياً للتداعيات، لا صانعاً للمسار.
تأسيساً على هذه القراءة، يتبيّن أن المنطقة ذاهبة إلى مرحلة أقل تسامحاً مع الفوضى المُدارة. وفي هذا الانتقال، يقف لبنان أمام اختبار قاسٍ: إما أن يبقى ساحة مفتوحة لتفعيل الضغوط، أو أن يحاول، لو متأخراً، إعادة تعريف موقعه قبل أن يدفع مجدداً ثمن صراعات الآخرين.