<
31 January 2026
وقائع عن مداولات أمنية – سياسية بشأن أهداف الحرب ونتائجها: إيران والحلفاء يستعدّون لحرب كأنّها حاصلة فوراً
ابراهيم الأمين-

قليلة هي المرات التي تواجه فيها الدول استحقاقات، تتوازن فيها النوايا بالأفعال. هكذا هي الحال مع دونالد ترامب في ملف إيران الآن. وإذا كان الخائفون منه، يفضّلون التأويل بقصد الحصول على نتائج تُرضيهم، فإن الذين يشعرون بأنه يعمل على قتلهم جميعاً، قرّروا مغادرة مربّع الحسابات القائمة على أساس الرسائل. ذلك أن فكرة الحرب، لم تعد مسألة نظرية. وفي حالة إيران، كما بقية حلفائها في المنطقة، فإن النقاش يجري عن تجارب قاسية تعيشها المنطقة منذ أكثر من عامين، وحيث لجأ العدوّان الأميركي والإسرائيلي إلى الخداع والتضليل، بما وفّر لهما عناصر مفاجئة في كثير من العمليات العسكرية، أو الأمنية – العسكرية.

وفقاً لهذه القاعدة، فإن إيران مثلاً، تتصرّف على أساس أن أميركا تستعدّ لحرب قاسية ضدّها. وهي لذلك، لم تحرّك بابها، وتركته على ما هو عليه، فإن أراد أحد القدوم من أجل التفاوض، فالفرصة مُتاحة، وإذا كان يريد مخرجاً في اللحظة الأخيرة، فالباب غير موصد. لكنّها غرفة خالية الآن. والغرف الأخرى التي تعجّ بالناس، هي غرف الحرب، حيث الاستنفار قائم على أساس أن الحرب واقعة في أي لحظة.

بحسب ما يرد من العاصمة الإيرانية، فإن ما يعزّز فرضية الحرب، هو فشل محاولتين كبيرتين لإحداث تغيير جدّي في إيران. واحدة جرت خلال حرب الـ12 يوماً، عندما اعتبرت إسرائيل أن ما قامت به في الساعات الـ48 الأولى، كان يفترض أن يكون كافياً لأن تذهب إيران إلى طاولة ترامب مستسلمة، والثانية حصلت من خلال موجة الاحتجاجات التي باتت الوقائع كثيرة وكثيرة جداً، حول ما قامت به مجموعات مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية وبعض الأجهزة الغربية، حيث كانت جرائم القتل والحرق والتخريب أكبر مما توقّع أحد، ما دفع السلطات إلى مستوى مختلف من الحزم، أدّى في نهاية الأمر إلى إخماد ما بدا أنه تمرّد مسلّح، قامت به مجموعات مُنظّمة في بعض الأطراف، وواكبتها مجموعات من العملاء الذين نفّذوا أعمالاً إجرامية في المدن، خصوصاً في طهران.

بالنسبة إلى إيران، فإن ما حصل في حزيران أو في كانون الأول، والتحشيد العسكري الأميركي القائم حالياً، يكفي كلّ ذلك لأن تتصرّف بطريقة مختلفة. ولذلك، فإن العمل وفق منطق النوايا، يقول لنا إن الجميع في حالة توثّب لمواجهة لا يعلم أحد كيف ستنتهي.

الجديد في الأمر، أن الاستنفار الإيراني، هو أيضاً حالة فعلية قائمة عند حلفاء إيران في كل المنطقة. وعند كل من يعتقد أن العمل على إسقاط النظام في إيران، يعني توجيه ضربة قاسية إلى كل محور المقاومة في المنطقة. ولذلك، فإن التحذيرات التي تُطلق من هذه الجهة أو تلك، محذّرة لبنان أو العراق أو اليمن من التدخّل في الحرب، لا تنفع في تغيير الوجهة المُقرّرة عند القوى الحليفة لإيران. وهو ما فرض على الأميركيين وحلفائهم في المنطقة، اتخاذ مستوى جديد من الحذر والاستنفار. ذلك أن فكرة الفوضى الشاملة، باتت مطروحة بشكل جدّي على الطاولة.

وبينما يفكّر بعض أهل المنطقة، من الذين لا يكنّون الودّ لإيران، ولن يزعلوا إن سقط نظامها، بأن حرباً غير واضحة المعالم، مع عدم اليقين حول نتائجها، تفرض عليهم التعامل بحذر شديد مع مسارها.

والخلاصة الجدّية التي قالها رؤساء تركيا والسعودية ومصر إن حرباً كهذه، قد تؤدّي إلى كوارث كبيرة، وقد تشهد المنطقة حالة جديدة من «الفوضى الأمنية المنظّمة» التي تتوسّع دائرة أهدافها، خصوصاً أن الحافزية عند حلفاء إيران، للردّ على الأميركيين أولاً، ومن خلفهم إسرائيل وحتى عواصم في الإقليم، تبدو عالية جداً، إلى حدّ أنه يُنقل عن مسؤول خليجي قوله: «إن أنصار إيران، سوف يتعاملون معنا على أننا شركاء في دمائهم، وهذا يعني أنه قد نكون أمام تهديد جدّي وطويل الأمد».

ومع ذلك، تتواصل الاتصالات والاجتماعات السياسية المهنية والتقنية التي تديرها الولايات المتحدة الأميركية مباشرة.

وبينها الاجتماع الأمني الكبير الذي عُقد أخيراً في العاصمة واشنطن، وجمع على مدى يومين وفي أكثر من اجتماع، رؤساء ومسؤولين في أجهزة الاستخبارات في دول عدة، بينها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسرائيل والسعودية وآخرون من العاملين في حلف الناتو. وجرى الحديث عن مشاركة أردنية أيضاً، نظراً إلى قناعة الجميع بأن الحشد الهائل لمقاتلات الأسطول الأميركي في قاعدة السلطي في الأردن، له دوره الكبير في الحرب، وأن الأجواء الأردنية والسورية سوف تُستخدم حتى من دون سؤال حكام البلدين، كما هو الحال في العراق ودول أخرى.

وبحسب معنيين، فإن المداولات تركّز على آلية العمل ضد إيران، حيث تجمع الولايات المتحدة كميات كبيرة من الأهداف الأمنية والعسكرية والاقتصادية والمدنية، وقد حمل ممثّلو استخبارات العالم ما لديهم من معطيات وسلّموها إلى الجانب الأميركي.

لكنّ الأهم، بحسب المصادر نفسها، هو النقاش العملي حول ما يمكن أن تحقّقه هذه الحرب، وهو ما يُعرف بـ«التقييم» العملي لكل جوانب المعركة، لأن إدارة البيت الأبيض، التي تتلقّى إحاطة أمنية متواصلة، تستهدف وضع صاحب القرار في الأجواء الخاصة بالعدو، إلا أنها تريد الحصول على أجوبة واضحة بشأن الخطوة التالية.

وبحسب المعنيين أنفسهم، فقد أمكن لجهة إقليمية أن تجمع ما تعتقد أنه خلاصات أولية عن اجتماعات واشنطن، وفيها أسئلة أكثر مما فيها أجوبة، ومن بينها الآتي:

أولاً: كيفية التعامل مع ظروف سياسية وعسكرية قائمة اليوم، وهي مختلفة كثيراً عما كانت عليه في حزيران الماضي، وأن القرارات السياسية ليست واضحة كفاية، كما أنه لم تصدر بعد عن البيت الأبيض إشارة دقيقة إلى نوع الأهداف العسكرية المُراد ضربها.

ثانياً: إن عملية نقل الأصول العسكرية الكبيرة إلى المنطقة، والمستمرة من جانب الولايات المتحدة، لا تكفي للقول إن هناك حالة تطابق مع ما كان عليه الأمر في حزيران الماضي، عندما كانت واشنطن تنشر فعلياً مجموعة مختلفة من حاملات الطائرات، إلى جانب أنظمة دفاع جوي متعدّدة الطبقات. وإن عمليات التحسين في الانتشار، تبقى قاصرة عما تحتاج إليه أميركا في حال كان القرار السياسي بشنّ عملية عكسرية واسعة النطاق، وقد تتطلّب وقتاً طويلاً من المواجهة. وهو ما يفرض توفير تعزيزات أكبر من الموجودة حالياً.

ثالثاً: يوجد اختلاف جدّي بين ما يجري بحثه اليوم، وما كان عليه الهدف في حزيران الماضي. لأن الهدف يومها، تمّ حصره في تقويض قدرات إيران النووية، إلى جانب تدمير منظوماتها للدفاع الجوي. ولم يكن هناك على الطاولة بند اسمه تغيير النظام. لكنّ اليوم، تبدو الأمور مختلفة تماماً، حيث لا يوجد وضوح تام حول الهدف من الحملة، وبالتالي، سيكون من الصعب تقدير النتائج بشكل مُسبق، كما لا يوجد تصوّر عملاني عمّا سيكون عليه الوضع في حال نجاح العملية، وما هو دور القوات العسكرية، أو كيفية التصرّف والسيطرة على الوضع في حال قامت فوضى غير محسوبة.

رابعاً: يجب النظر إلى أن الإيرانيين، يتصرّفون بوضوح تام، لجهة أن الردّ من قبلهم سيكون كبيراً وكبيراً جداً، والقوى المعنية تعلم أن إيران تملك ترسانة صاروخية كبيرة جداً، ولديها القدرة على التحرّك من خلال القوى الحليفة لها والمنتشرة في كل المناطق التي يتحرّك فيها الجيش الأميركي، وهي قوى قادرة على توجيه ضربات قاسية إلى القوات الأميركية الموجودة في الشرق الأوسط، وحتى إلى البنية التحتية الحيوية، مثل منابع ومصافي النفط، ما يقود إلى تداعيات إقليمية أوسع.

وربّما هذا الأمر، هو الذي يدفع القوى الإقليمية الحليفة لأميركا إلى التحرك وطلب العمل بحذر، وأن الجميع سمع من دول الخليج على وجه الخصوص، أنها في غاية القلق من حصول انفجار عسكري واسع يقود إلى اضطرابات تؤثّر على الدورة الاقتصادية.

بالنسبة إلى المعنيين أنفسهم، أن هذه التحذيرات، ليست كافية لمنع قرار شنّ الحرب، وأنه يجب الأخذ في الاعتبار أن الجهات التي تشارك الرئيس الأميركي في اتخاذ القرار اليوم، ليست على المستوى الذي تعرفه أميركا عادة.

ويشيرون مثلاً، إلى أن خطة خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كانت مُقترحة من جانب الاستخبارات العسكرية الأميركية قبل أربع سنوات، وأن الفريق المحيط بالرئيس السابق جو بايدن حال دون تنفيذها، وعندما أعيد عرضها على الرئيس الحالي ربطاً بمجريات الحدث الفنزويلي، سارع إلى تبنّيها، مع تكرار ما يقوله عن تردّد وضياع الإدارة السابقة.

ويُعطى هذا المثل، للقول إنه لا يوجد الآن إلى جانب ترامب، من يمسك به، وإن كل ما يفعله المقرّبون جداً، هو إقناعه بتأجيل قراره إلى حين استنفاد فرصة الحصول على المطلوب دون حرب واسعة.

عملياً، يعيش الجميع أياماً وساعات شديدة التوتر، وفكرة أن تحصل الحرب، قائمة عملياً في الأذهان والعقول والتدابير، أمّا احتمال عدم حصولها، فهو أمر سيبقى رهن متغيّر يظهر في حسابات الأميركيين فقط، حيث لا يوجد في العالم اليوم، من بمقدوره رفع الإشارة الحمراء في وجه مجنون العالم.
الأخبار