يبدو السباق محموماً في أمتاره الأخيرة بين حصان ترامب الجامح والجانح نحو الحرب على إيران، وبين أرنب التسوية السياسية التي يسعى اليها الوسطاء الإقليميون، فأيهما سيصل إلى خط النهاية؟
تفيد المعلومات، أنّ بعض العواصم الإقليمية كثفت مساعيها في الأيام الاخيرة لسحب فتيل الانفجار قبل فوات الأوان، خصوصاً أنّ الدول الخليجية التي توجد فيها قواعد أميركية قد تكون في عين العاصفة النارية، إذا هبّت على الجمهورية الإسلامية التي أوصلت إلى من يعنيه الأمر رسائل واضحة، بأنّها ستستهدف تلك القواعد في حال اندلاع الحرب، وبالتالي فإنّ الدول التي تستضيفها ستدفع فاتورة أي هجوم أميركي محتمل، كونها تقع على الخط الأمامي للمواجهة، ولذا هي صاحبة المصلحة الأكبر في منع حصوله.
ولكن محاولة ردم الهوة الواسعة التي تفصل بين طهران وواشنطن تواجه مشكلة مستعصية، تتمثل في أنّ لكل منهما منطقاً لا يمكن أن يلتقي مع الآخر، إذ إنّ ترامب يعرض على الإيرانيين ما يشبه صك استسلام في مقابل التراجع عن الضربة، بينما طهران تريد مفاوضات ندّية، تفضي إلى اتفاق مشّرف ومتوازن، يضمن مصالح الطرفين معاً.
بهذا المعنى، فإنّ الرئيس الأميركي يتصرّف مع إيران وكأنّها خاضت الحرب وخسرتها سلفاً، وهو يريد مسبقاً أن يفرض عليها شروط الرابح، بدءاً من استئصال برنامجها النووي وصولاً إلى تقزيم قدراتها الصاروخية البالستية، مروراً بقطع «حبل الصرّة» الذي يربطها بحلفائها.
أي أنّ ترامب يُخيّر طهران بين أن تنتحر سياسياً، عبر إطلاق النار على نفسها وفلسفة وجودها كقوة إقليمية، وبين أن يتولّى هو توجيه ضربة قاسية اليها لإسقاط نظامها أو تغيبر سلوكه، الامر الذي يُصعّب فرص التوصل إلى تسوية عادلة.
وإذا كان هناك في الإدارة الأميركية مَن يفترض انّه يمكن استنساخ نموذج فنزويلا في إيران مع بعض التعديلات، الّا انّ الخبراء في الشأن الإيراني يلفتون إلى انّ هناك فوارق جوهرية لا تسمح بتكرار السيناريو نفسه، وأولها، انّ النظام الإيراني أكثر تعقيدًا وأشدّ رسوخاً بالنظر إلى طبيعته المركّبة والمتشعبة التي تمنحه قدرة على احتواء الصدمات.
وبمقدار ما يواجه الحل السلمي عقبات كأداء، يبدو الخيار العسكري بدوره غير مضمون النتائج، خصوصاً انّه من المعروف أنّ حسم أي حرب يتطلّب عملية برية ليست واردة في الحسابات الأميركية، بسبب عدم توافر متطلباتها وشروطها، ما يعني أنّ الضربة الأميركية، إذا حصلت، ستعتمد على القصف الجوي الذي لا يستطيع لوحده إنهاء أي معركة في وقت سريع وبنصر قاطع، خصوصاً انّ طهران أعدّت العدّة لهذا الإحتمال، مستفيدة من تجربتها خلال حرب الـ 12 يوماً، وما تلاها من إعادة تطوير للقدرات العسكرية.
أمام كل هذه الحقائق، يؤكّد العارفون بالواقع الإيراني، أنّ اي هجوم أميركي لن يكون نزهة ولا يمكن التحكّم بتداعياته التي ستتدحرج في اتجاهات عدة، مرجحين أن يكون الغرض من الحشود الأميركية في المنطقة رفع مستوى الضغط على طهران إلى الحدود القصوى، واللعب فوق آخر سنتيمتر من حافة الهاوية، أكثر منه لتمهيد المسرح وتجهيز الأدوات لشن عدوان عسكري.
في المقابل، هناك من يدعو إلى التعاطي مع تهديدات ترامب بجدّية كاملة، مشيرين إلى انّه لا يجب الركون إلى الحيل الديبلوماسية التي يستخدمها للتمويه، كما حصل في المرّة السابقة، حين أعطى الكيان الإسرائيلي الضوء الأخضر لمهاجمة إيران عشية إحدى جولات التفاوض التي كانت مقرّرة في عُمان، قبل أن تنضمّ واشنطن بدورها إلى المواجهة عبر قصف المواقع النووية.
ويشير هؤلاء، إلى انّ واشنطن وتل أبيب تفترضان أنّهما أمام فرصة مثالية لتجيير دينامية التبدّل الذي استجد على موازين القوى من أجل الانقضاض على النظام الإيراني، وينصحون بتفادي الوقوع مجدداً في خطأ التقديرات، والذي أدّى بعد 7 أُكتوبر إلى تعرّض محور المقاومة الممانعة لانتكاسات عدة.