في جلسة مناقشة الموازنة الأخيرة في مجلس النواب، بدا المشهد مألوفًا: خطابات مرتفعة النبرة، مزايدات سيادية، وشعارات وطنية مستهلكة، أطلقها نواب من مختلف الكتل، بمن فيهم أولئك المشاركون في الحكومة، وكأنّهم خارج المسؤولية لا في صلبها. وسط هذا الضجيج، جاءت كلمة النائب جبران باسيل مختلفة في الشكل والمضمون، لتقدّم نموذجًا مغايرًا للخطاب السياسي والمعارضة البرلمانية.
لم يسعَ باسيل إلى استثمار اللحظة شعبويًا، ولا إلى التلهّي بخطاب سيادي فضفاض يخاطب الغرائز السياسية، بل اختار مقاربة لبنانية صِرفة، تنطلق من مصلحة الدولة ومؤسّساتها، لا من حسابات المحاور ولا من بازار الادّعاء بالسيادة. ناقش الموازنة بهدوء، بلغة الأرقام والوقائع، واضعًا الإصبع على جوهر الأزمة : غياب الرؤية الاقتصادية، انعدام الخطّة الإصلاحية، وتحويل الموازنة إلى أداة لإدارة الانهيار بدل الخروج منه.
في كلمته، ظهر بوضوح الفارق بين مَن يُتقن رفع الشعارات الوطنية، ومن يمارس الوطنية فعلًا. فبينما انشغل نواب أحزاب تدّعي السيادة بإطلاق خطابات عالية السقف من دون أيّ التزام عملي بالإصلاح، قدّم باسيل نقدًا مباشرًا لمسار مالي واقتصادي مستمرّ منذ سنوات، محمّلًا النهج نفسه مسؤولية الانهيار، لا طرفًا وهميًا أو خصمًا سياسيًا عابرًا.
الأهمّ أن ّخطاب باسيل عكس لبننة حقيقية للنقاش، بعيدًا عن الاصطفافات والانفعالات. تحدّث عن استعادة الودائع، عن إعادة هيكلة القطاع العام، عن الاستثمار والإنتاج، وعن المناطق المتروكة لمصير القروض الخارجية، في وقت اكتفى فيه آخرون بترداد معزوفة السيادة من دون أيّ مضمون اقتصادي أو اجتماعي، وكأنّ السيادة تُختصَر بالكلام لا ببناء دولة قادرة.
بهذا المعنى، قدّم التيار الوطني الحرّ من خلال هذه الكلمة نموذجًا للمعارضة البنّاءة: معارضة لا تتهرّب من المسؤولية، ولا تمارس الإنكار، ولا تستثمر في الانهيار، بل تواجه بالأرقام، وتنتقد بالوقائع، وتقترح مسارًا مختلفًا. وهو نموذج يزداد أهمّية في ظلّ مشهد سياسي باتت فيه السيادة عنوانًا للاستهلاك الداخلي، لا مشروعًا وطنيًا متكاملًا.
في زمن الانهيار، لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الصراخ ولا إلى سباق في رفع السقوف الكلامية، بل إلى خطاب وطني مُلبنَن، يُعيد الاعتبار للنقاش البرلماني الجدّي. من هنا، بدت كلمة جبران باسيل محاولة لإعادة السياسة إلى معناها الطبيعي: خدمة الدولة، لا المتاجرة بها، ومعارضة تبني، لا تهدم، وتُحاسِب، لا تزايد.