في الوقت الذي تترنح فيه المعنويات تجاه الدولار الأميركي تحت وطأة الضغوط السياسية والقرارات المتقلبة في واشنطن، خطف اليورو الأضواء بتسجيل مستويات تاريخية لم يشهدها منذ سنوات. ولم يعد صعود العملة الأوروبية الموحدة مجرد حركة تقنية في سوق الصرف؛ بل أصبح يعكس تحولاً في موازين الثقة الاستثمارية عالمياً، ورغبة متزايدة في تنويع الاقتصادات بعيداً عن الارتهان لتقلبات السياسة الأميركية. وبينما يحتفي المتداولون بكسر حاجز 1.20 دولار، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة أوروبا على حماية صادراتها من «فخ» العُملة القوية، ومدى جاهزية اليورو لمنافسة الدولار على عرش الاحتياطيات العالمية.
تجاوز «العتبة النفسية»
سجّل اليورو مستوى جديداً مقابل الدولار، مما يُبرز صعود العملة الموحدة مجدداً مع تراجع المعنويات تجاه الدولار. ولكن ما هي أسباب ارتفاع اليورو إلى أعلى مستوياته منذ عام 2021، وتجاوزه 1.20 دولار بقليل؟
يُفضّل المتداولون الأرقام الكبيرة، ويُمثّل مستوى 1.20 دولار أحدث إنجاز لعملة ارتفعت بنحو 13 في المائة العام الماضي، وهو أفضل أداء لها مقابل الدولار الأميركي منذ عام 2017. كما أنه يحظى باهتمام كبير بعد أن أشار نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، لويس دي غيندوس، إلى أنه يُمثّل عتبة للتراجع العام الماضي.
طريق مليء بالتحديات
لم يكن الطريق إلى 1.20 دولار سهلاً، فقد اقترب اليورو من هذا المستوى في سبتمبر (أيلول) قبل أن يتراجع مع تعافي الدولار. ومع ذلك، ومنذ انخفاضه إلى مستويات قريبة من دولار واحد فقط قبل عام، تعزز اليورو مدعوماً أيضاً بالحوافز المالية الأوروبية بقيادة ألمانيا.
وتاريخياً، يقع مستوى 1.20 دولار فوق متوسط سعر صرف العملة الموحدة منذ إنشائها عام 1999 بقليل، ولكنه أقل بكثير من مستوى 1.60 دولار الذي بلغه عام 2008.
لماذا هو قويٌّ إلى هذا الحد؟
الأسباب الرئيسية معروفة: مواجهات الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الحلفاء بشأن التجارة وغرينلاند، وهجماته المتكررة على «الاحتياطي الفيدرالي»، أدت إلى إضعاف الدولار. وجاءت مكاسب اليورو الأخيرة في ظل تكهنات حول تدخل أميركي ياباني مشترك لكبح ضعف الين، مما دفع الدولار إلى الانخفاض بشكل عام، رغم تصريح ترمب بأن قيمة الدولار «ممتازة». كما ساهمت الجهود المبذولة لتعزيز أمن منطقة اليورو، والرغبة في تنويع الاقتصاد بعيداً عن الدولار، في هذا الصعود.
هل تعاني الشركات؟ بالتأكيد؛ قد يبدأ تأثير قوة العملة التي تجعل الصادرات أكثر تكلفة، بالظهور في الأرباح القادمة. وتستمد الشركات المدرجة في مؤشر «ستوكس 600» نحو 60 في المائة من إيراداتها من الخارج. وتستحوذ الولايات المتحدة على نصفها تقريباً. وتشير تقديرات «باركليز» إلى أن ارتفاع اليورو العام الماضي يفسر نحو نصف حالات خفض توقعات ربحية السهم في الشركات الأوروبية.
قلق البنك المركزي وتحدي العملة الاحتياطية
يهتم مسؤولو البنك المركزي الأوروبي بسرعة وحجم التحركات أكثر من مستواها؛ خصوصاً مع ارتفاع اليورو بنحو 2 في المائة الأسبوع الماضي، وهو أكبر ارتفاع أسبوعي منذ رسوم «يوم التحرير» التي فرضها ترمب.
صحيح أن الارتفاع الكبير لليورو يعكس ازدياد التفاؤل، ولكن هذا لا يعني أن اليورو سيحل محل الدولار قريباً؛ إذ يمثل الدولار نحو 60 في المائة من احتياطيات العملات العالمية، مقابل حصة اليورو البالغة 20 في المائة تقريباً. وهيمنة الولايات المتحدة على التجارة العالمية وأسواقها الرأسمالية المتطورة تعني أن هذا الوضع لن يتغير على الأرجح في المستقبل القريب.
وترى رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن السياسة الاقتصادية الأميركية المتقلبة قد تتيح لليورو دوراً عالمياً أكبر، ولكن ذلك يتطلب من الاتحاد الأوروبي استئناف عملية متوقفة منذ فترة طويلة لاستكمال هيكله المالي.
الشرق الأوسط