في ظل تسارع التحولات الاقتصادية العالمية وتزايد حالة عدم اليقين، تعود المعادن الثمينة إلى واجهة المشهد الاستثماري بوصفها ملاذًا يعكس اختلالات أعمق في النظام الاقتصادي العالمي. القفزات القياسية في أسعار الذهب والفضة لم تعد مجرد حركات سعرية عابرة، بل مؤشرات على تراجع الثقة بالنموذج الاقتصادي التقليدي، وتحوّل تدريجي في سلوك البنوك المركزية والمستثمرين.
من هذا المنطلق، قدّم رئيس قسم أبحاث السوق في MH Markets، مازن سلهب، قراءة تحليلية معمّقة خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، تناول فيها أسباب الارتفاعات القياسية، وتداعياتها، والآفاق المستقبلية للذهب والفضة، إضافة إلى انعكاساتها على العملات، السندات، وحتى الأصول الرقمية.
تراجع الثقة… المحرّك الجوهري لارتفاع الذهب
ينطلق رئيس قسم أبحاث السوق في MH Markets مازن سلهب، الذي قدّم خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية من فرضية مركزية مفادها أن صعود الذهب لا تحكمه مجموعة عوامل متشابكة بقدر ما يقوده سبب رئيسي واحد، يتمثل في تراجع الثقة بالنظام الاقتصادي العالمي التقليدي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. هذا التراجع لا يطال الدولار الأميركي وحده، بل يمتد إلى قدرة الولايات المتحدة نفسها على ضبط اقتصادها وإدارة دينها العام المتضخم.
الفضة تتفوق على الجميع .. وسعر الأونصة يتجاوز 110 دولارات
ويشير سلهب إلى أن الدين الأميركي بلغ مستويات قياسية، في وقت تدفع فيه الولايات المتحدة نحو تريليوني دولار سنوياً من عوائد الضرائب فقط لخدمة هذا الدين، في ظل مستويات فائدة مرتفعة. ووفق هذا الواقع، تتآكل القيمة الشرائية للأدوات النقدية التقليدية، ما يدفع المستثمرين، أفراداً ومؤسسات، إلى البحث عن ملاذ يحفظ القيمة، ولا يجدون أمامهم سوى الذهب.
البنوك المركزية والصين… شراء بنيوي وتحول تدريجي
ضمن هذا السياق، يلفت سلهب إلى دور البنوك المركزية في دعم الطلب على الذهب، لكنه يضع ثقلاً خاصاً على العامل الصيني. فالصين، بحسب توصيفه، تقوم بعملية تحويل بنيوية ومدروسة، إذ باعت أكثر من 700 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية، ورفعت في المقابل موجوداتها من الذهب.
ورغم أن احتياطيات الصين من الذهب، المقدّرة بنحو 2200 طن، لا تزال أدنى من احتياطيات الولايات المتحدة أو حتى ألمانيا وإيطاليا، إلا أن المسار الذي تسلكه بكين يعكس تحولاً بطيئاً لكنه واضح في بنية النظام المالي العالمي. هذا التحول، كما يؤكد سلهب، لا يعني انهيار الدولار، بل يشير إلى إعادة تموضع تدريجية، تتجه فيها الدول إلى إعادة الذهب إلى "أرضها" كضمانة استراتيجية طويلة الأجل.
أفق الأسعار: من 6000 إلى ما بعده
انطلاقاً من الحركة السعرية التي شهدها الذهب خلال الأسابيع الأخيرة، يقدّم سلهب رؤية واضحة لمسار الأسعار. فبعد أن كان الحديث في نهاية العام الماضي عن مستويات قريبة من 4300 دولار للأونصة، تراجع السعر حينها بنحو 200 إلى 300 دولار، قبل أن يعاود الصعود إلى حدود 5000 دولار.
هذا المسار، بحسب سلهب، يفتح الباب للوصول إلى 6000 دولار في عام 2026 "دفعة واحدة"، إذا ما بقيت العوامل الحالية على حالها، بما في ذلك السياسات الجدلية للرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن الأهم، في نظره، ليس فقط الوصول إلى هذا المستوى، بل ما بعده. فالأسواق اليوم عند مستويات تاريخية غير مسبوقة، تجعل من الصعب التنبؤ بسقف واضح للأسعار، سواء عند 6000 أو 7000 دولار.
الرابحون والخاسرون في دورة الذهب
في خضم هذا المشهد، يحدّد سلهب بوضوح الجهات المستفيدة من ارتفاع أسعار الذهب. على رأس هذه الجهات شركات تعدين الذهب، التي تبيع إنتاجها بأسعار أعلى وهوامش أفضل، إضافة إلى أسهم شركات التعدين المدرجة في البورصات، والتي تملك فرصة كبيرة لتحقيق أرباح متزايدة.
كما يشير إلى العملات المرتبطة بالسلع، وعلى رأسها الدولار الأسترالي والدولار الكندي، اللذين سجلا أداءً قوياً، متفوقين حتى على اليورو والجنيه الإسترليني، مع تسجيل الدولار الأسترالي ارتفاعات قاربت 30 بالمئة أو أكثر.
في المقابل، يضع سلهب الدولار الأميركي في خانة المتضررين، ليس فقط من حيث سعر الصرف، بل من حيث تآكل القدرة الشرائية. كما تتضرر السندات الحكومية، التي تواجه ارتفاعاً في العوائد وتراجعاً في الأسعار، ما يقلّص جاذبيتها بوصفها أدوات استثمارية آمنة، ويدفع المزيد من رؤوس الأموال نحو الذهب.
التصحيحات المحتملة واستراتيجية المستثمر
رغم التفاؤل السعري، لا يغفل سلهب البعد الفني، مشيراً إلى أن المؤشرات الحالية تظهر حالة تشبّع بالشراء (Overbought)، ما يجعل التصحيحات المحتملة قاسية. لذلك، لا يتوقع وصول الذهب إلى 6000 دولار بسلاسة، بل عبر مسار يتخلله تراجع وتصحيح.
وفي هذا الإطار، يميّز بين المستثمر طويل الأجل والمضارب، داعياً الأول إلى اعتماد الشراء التدريجي وعدم ضخ رأس المال دفعة واحدة عند مستويات مرتفعة، مع استغلال أي تصحيح بنسبة 5 بالمئة إلى 10 بالمئة للدخول مجدداً. أما المضاربة قصيرة الأجل، فيراها عالية المخاطر وقد تحوّل الذهب إلى مجرد أداة رقمية فاقدة لوظيفته الأساسية كحافظ للقيمة.
هل الذهب في فقاعة؟
يرفض سلهب توصيف ما يحدث في سوق الذهب على أنه فقاعة. فالفقاعات، وفق طرحه، تتشكّل في الأسعار لا في الأصول الحقيقية ذاتها. ومع استمرار النمو العالمي، وغياب الركود الشامل، واستمرار طباعة النقد، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، يرى أن الذهب لا يزال يتحمل هذه المستويات.
لكن في المقابل، يحذّر من بُعد نفسي مهم يتمثل في الارتفاع القياسي الذي يجعل الذهب بعيد المنال عن شريحة واسعة من المستثمرين، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية، وهو ما قد يحمل تبعات غير إيجابية على المدى الاجتماعي والاقتصادي.
الفضة… علاقة تاريخية مع الذهب ومخاطر أعلى
ينتقل سلهب إلى الفضة، موضحاً أن ارتفاعها منطقي إذا ما أُخذ الترابط التاريخي بينها وبين الذهب بعين الاعتبار. فبعد أن كان هذا الترابط عند مستوى 100 نقطة قبل أشهر، تراجع اليوم إلى نحو 45 نقطة، وهو ما يزال ضمن النطاق التاريخي بين 40 و80.
وبحسب هذا القياس، لم تصل الفضة بعد إلى مرحلة الغلاء المفرط مقارنة بالذهب. ومع ذلك، يحذّر سلهب من أن كسر حاجز الأربعين قد يغيّر هذا التوصيف. كما يلفت إلى أن ارتفاع أسعار الفضة ينعكس مباشرة على كلفة الصناعات، ما قد يعيد إنتاج دورة تضخم عنيد، ويضع ضغوطاً إضافية على المستهلكين.
آفاق أسعار الفضة واستدامة الصعود
يرى سلهب أن مستويات قريبة من 150 دولاراً للأونصة قد تكون منطقية في المرحلة المقبلة، في ظل الزخم الحالي وارتفاع الطلب مقابل محدودية المعروض. غير أن هذا الواقع يطرح تساؤلات حول قدرة السوق على تحمّل نقص الإمدادات لفترة طويلة، ما قد يدفع إلى عمليات بيع قسرية وتصحيحات حادة، خصوصاً أن تقلبات الفضة عادة ما تكون أقسى من الذهب، بسبب بنيتها التداولية الأكثر خطورة.
الفضة كأداة تحوط… بشروط
تاريخياً، لم تُستخدم الفضة كأداة تحوط أساسية، لكن سلهب لا يستبعد هذا الدور إذا استمرت الارتفاعات القياسية ونجحت الفضة في تحقيق شرطين: ارتفاع السعر، والحفاظ على القيمة. ورغم أنها ليست معدناً ثميناً بالمعنى التقليدي كالذهب، إلا أن هذا المسار قد يعيد تصنيفها ضمن أدوات التحوط.
أدوات الاستثمار في الفضة ومخاطرها
يفصّل سلهب في وسائل الاستثمار بالفضة، من الشراء الفيزيائي عبر السبائك والأونصات، إلى المؤشرات الاستثمارية قصيرة الأجل عالية المخاطر، وصولاً إلى أسهم شركات تعدين الفضة. لكنه يحذّر من تعقيدات البيع وهوامش التكلفة التصنيعية التي قد تتراوح بين 3 بالمئة و10 بالمئة ، ما يجعل الاستثمار طويل الأجل في الفضة أكثر تعقيداً مقارنة بالذهب.
البيتكوين… بين الطموح والواقع
في ختام رؤيته، يتناول سلهب البيتكوين، مؤكداً أنه ما زال يتوقع وصوله إلى 120 ألف دولار على المدى الطويل. غير أن الفوضى في الأسواق العالمية، وارتفاع مستويات المخاطر، واضطراب سوق السندات، تجعل من الصعب النظر إلى البيتكوين حالياً كأداة تحوط.
ويرى أن العامل الحاسم يكمن في التبني العالمي، الذي يتطلب تشريعات ذكية وتنفيذاً للوعود الأميركية، وهو مسار يحتاج إلى سنوات. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى البيتكوين أداة استثمارية عالية المخاطر، في مقابل الذهب والفضة اللذين يستقطبان اليوم الجزء الأكبر من رؤوس الأموال الباحثة عن الأمان.
Skynews