<
27 January 2026
كيف تصمد المباني القديمة؟
زيزي إسطفان -

لم يكن انهيار المبنى في منطقة القبة في طرابلس حادثًا عابرًا، بل فاجعة إنسانية حَبَك الفقر والإهمال خيوطها، أودت بحياة ضحايا وخلّفت جرحًا عميقًا في وجدان المدينة. انهيار أعاد إلى الواجهة واقع عشرات بل مئات المنازل المعرّضة للسقوط في الأحياء الشعبية، حيث يعيش السكان تحت تهديد دائم لا يميّز بين عوامل الطبيعة وآثار الزمن أو تعديات البشر... تقع الكارثة، تُستنفر الطاقات ويهرع الجميع إلى حيث حلت الفاجعة، يستنكرون يطالبون ويوعَدون كما في كل مرة، لكن تبقى المعالجة الجذرية والرقابة الفعلية على السلامة الإنشائية أمرًا مؤجلًا في ظل ضعف الإمكانات وغياب التخطيط... جيولوجيًا، يقع لبنان في منطقة معرّضة للزلالزل والهزات الأرضية، ففي أراضيه يتمركز فالق اليمونة الذي يمتد على طول سهل البقاع، وفالق روم في الجنوب وفالق سرغايا على الحدود الشرقية.

أما جغرافيًا فهو في قلب منطقة مشتعلة عرضة للاهتزازات العسكرية وما يستتبعها من قصف وغارات وتفجير فوق الأرض وتحتها. وإداريًا يعاني من إهمال مستشرٍ أدى إلى ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم. فكيف لمبانٍ قديمة تعاني من ضعف في السلامة الإنشائية أن تصمد أمام ما يمكن أن يطرأ في لحظة؟ هندسيًا، يمكن تصنيف المباني في لبنان ثلاث فئات: المباني القديمة التي ساءت حالتها الإنشائية بسبب الزمن وعدم الصيانة والحروب المتتالية، المباني التي أنشئت منذ خمسينات القرن الماضي حتى بدايات الألفين والتي لم يخضع بناؤها للمعايير الإنشائية المقاومة للزلازل، وأخيرًا المباني الحديثة المهيّأة لتحمل الزلازل، علمًا أن تصنيف لبنان كمنطقة زلزالية هو 2B ما يعني أنه يقع في نطاق خطرٍ زلزالي متوسط يستوجب التزامًا صارمًا بالمعايير الإنشائية المقاومة للزلازل، وأن أي تقصير في البناء، قد يحوّل الهزات المحدودة إلى كوارث إنشائية.

وما حصل إثر زلزال عام 1956 يشهد أن خطر حدوث زلزال كبير خطر قائم ولا بد من أخذ هذا الاحتمال بشكل جدي وإن كان لبنان منذ ذلك الوقت لم يشهد إلا هزات خفيفة استطاعت مبانيه أن تصمد أمامها. يؤكد المهندس حسّان صفا الخبير المحلَّف لدى المحاكم في المجالين الهندسي والبيئي وعضو لجنة البيئة في نقابة المهندسين أن ليست كلّ المباني القديمة عُرضة للانهيار عند وقوع هزات أرضية أو زلازل، إذ تختلف درجة الخطر من مبنى إلى آخر تبعًا لعدّة عوامل، أبرزها: نوع البناء، وجودة المواد المستخدمة، وعمر المبنى، وحالته الإنشائية، ومدى خضوعه للصيانة الدورية. فبعض المباني القديمة المبنيّة بالحجر أو التي شُيّدت من دون مراعاة معايير السلامة الزلزالية تكون أكثر عرضة للخطر، في حين أن مباني قديمة أخرى ما زالت متماسكة بفضل متانة بنائها وجودة صيانتها. في المقابل، قد تُشكّل بعض المباني الحديثة خطرًا أيضًا، ولا سيّما إذا كانت مهملة أو متضرّرة سابقًا. لذلك، يتطلّب تقييم خطر الانهيار إجراء كشف هندسي دقيق لكل مبنى على حدة. تظهر على المباني التي تعاني من تدهور إنشائي مجموعة من العلامات التحذيرية التي تشير إلى ضعف حالتها وخطر الاستمرار في استخدامها، وفق ما يؤكد د. صفا. ومن أبرز هذه العلامات التشققات في الجدران والأسقف، خصوصًا إذا كانت عميقة أو مائلة أو تزداد مع مرور الوقت، إذ قد تدل على هبوط في التربة أو ضعف في الأساسات.

كما يُعدّ تفتت الخرسانة وظهور حديد التسليح أو صدئه مؤشراً خطيرًا على تراجع مقاومة العناصر الإنشائية، إضافة إلى تسرّب المياه والرطوبة التي تؤدي إلى إضعاف المواد وتسريع تلفها. ويُلاحظ أحياناً ميلان في الجدران أو الأعمدة، أو عدم انتظام الفتحات كالأبواب والنوافذ، ما يعكس خللاً في توازن المبنى. وتشمل العلامات الأخرى تقشر الطلاء، وانفصال البلاط، وتشوه الأسقف، وصدور أصوات غير طبيعية، خاصة عند زيادة الأحمال أو عند حدوث اهتزازات. ويساهم ضعف العزل الحراري والمائي وغياب الصيانة الدورية في تفاقم الحالة الإنشائية للمبنى. خطر العشوائيات والمنحدرات من جهته، يقول المهندس علي نصر الله وهو استشاري هندسة مدنية أن الخطورة تزداد عند وجود عوامل خارجية كالحفريات المجاورة، وانزلاقات التربة، والأحمال الزائدة، أو التأثيرات الديناميكية الناتجة عن انفجارات قريبة أو زلازل، والتي قد لا تُحدث ضررًا فوريًا لكن آثارها التراكمية تظهر مع الزمن. ويؤكد أن ظهور مؤشرات فشل إنشائي في المبنى يستدعي متابعة فورية وجدية، إذ قد يكون مهددًا بالانهيار. وعلى السلطات المختصة، كالبلدية، إجراء كشف سريع، وتنبيه السكان إذا كان الخطر شديدًا.أما إذا كان بالإمكان تدعيم البناء، فيجب تدعيم المبنى وعدم تجاهل المؤشرات التي قد تتفاقم مع الوقت. كما يجب تقييم المباني المجاورة، لا سيما الملاصقة أو ذات الأساسات المتقاربة، لأن انهيار المبنى الأساسي قد يؤثر مباشرة على ثباتها، خاصة في حال وجود جدران مشتركة أو طوابق سفلية غير موجودة في المباني المجاورة. كما يجب منع أي أعمال حفر قريبة قبل معالجة المبنى المعرض للسقوط لضمان استقرار المباني المجاورة، وتنفيذ التدعيم أو الترميم بشكل مدروس منعًا لوقوع الكارثة.

ويزداد الوضع خطورة حين يتعلق بالمباني العشوائية أو غير المرخصة، المبنية على أملاك عامة أو بطريقة فوضوية، من دون دراسة للأساسات أو طبيعة التربة، وغالبًا ما تُضاف إليها طوابق، ما يجعلها قنابل موقوتة معرضة للسقوط مع أي اهتزاز أو عامل ضغط خارجي. في جردة المباني المهددة بالسقوط، تحتل المنشآت القائمة على المنحدرات مركزًا متقدمًا، لا سيما عندما يُنفذ البناء دون دراسة دقيقة لخصائص التربة وإمكانية انجرافها أو تعرضها للانزلاق. ولا يقتصر الخطر على مبنى واحد مهدد، بل يمتد إلى المباني المجاورة. إذ إن أي أعمال إنشاء أو حفر أو تعديل أو حتى هدم للمباني المتضررة في الجوار من دون مراعاة ثبات المباني القائمة قد تؤثر بشكل مباشر على استقرار هذه المباني وتجعلها آيلة للسقوط. وتزداد مخاطر سقوط المباني الواقعة على المنحدرات عند حدوث السيول، التي تسرع انجراف التربة. لذلك، من الضروري التأكيد على أن البناء على المنحدرات يتطلب دراسات جيولوجية وهندسية معمقة ومعالجة التربة قبل التنفيذ، كما يؤكد المهندس نصرالله إذ إن أي انجراف للتربة قد يمتد تأثيره لمسافة كبيرة، مهددًا استقرار المباني والمنشآت المجاورة مثل الطرقات وحيطان الدعم. كذلك لا بد من الإشارة إلى أنه كلما كان المبنى أعلى، زاد تأثير انهياره على المباني المجاورة وامتدت دائرة الضرر، إذ يمكن لسقوط أطنان من الحديد والخرسانة أن يؤثر بشكل كبير على المباني المجاورة، لا سيما المباني القديمة ذات الأساسات الضعيفة، خصوصًا إذا كانت تلك المباني قريبة من بعضها البعض. بين الإخلاء والتدعيم في ظل وجود هذه المخاطر بات التحرك لتجنب انهيار المزيد من المباني أمرًا ملحًا لكن إخلاء المباني المتهالكة ليس بالأمر السهل لعدم وجود مساكن بديلة لإيواء العائلات التي تركت مساكنها وعدم قدرة هذه العائلات على تحمل كلفة إيجاد مأوى بديل كما أن تدعيم المباني يحتاج إلى خطة واضحة وإمكانات مادية وهندسية لا بد من توافرها على الصعيد الرسمي. من الناحية الهندسية، يشرح نصرالله أن التدعيم الفعّال للمباني القديمة الآيلة للسقوط يعتمد على فهم طبيعة الأحمال المؤثرة عليها.

فهناك أولًا تدعيم لمقاومة الأحمال العمودية أي الأوزان التي تضغط على المبنى من الأعلى إلى الأسفل، وهذا يتطلب دراسة دقيقة للأساسات والأعمدة، مع تقوية العناصر الإنشائية لضمان قدرة المبنى على مقاومة الأحمال. أما ثانيًا،فهناك تدعيم خاص لمقاومة الأحمال الأفقية وهي الأحمال الناتجة بشكل رئيسي عن الزلازل. ويشمل التدعيم تصميم وإضافة حيطان قص (shear Walls) أو عناصر حديدية (steel structure) متصلة بالعناصر الإنشائية الأساسية لتوزيع الأحمال الأفقية وتأمين ثبات المبنى بالكامل. أما في وجود مبانٍ ملاصقة فيجب اعتماد نظام متكامل يأخذ في الاعتبار تأثير المبنى الآيل للسقوط على المبنى الملاصق مع الحفاظ على استقراره، وضمان عدم انتقال الأحمال أو التصدعات بين المبنيين. لبنان يهتز اليوم ومع تكرار حصول الهزات الأرضية في لبنان والدول المجاورة لا بد من السؤال: كيف نحمي مباني لبنان؟ وماذا عن المباني القديمة أو تلك التي تعرضت للقصف؟ منذ أكثر من عشر سنوات، فُرضت عبر نقابة المهندسين، واستنادًا إلى قوانين أقرّها المجلس النيابي تتعلّق بالسلامة العامة وسلامة البناء، معايير إنشائية تُلزم إقامة أعمدة خاصة لمقاومة الهزات والزلازل مهما كان حجمها، سواء من حيث السطح الأفقي أو الارتفاع العمودي. وتُصمَّم هذه الأعمدة بشكل متعامد في ما بينها، بحيث تكون قادرة على التصدّي لأي تحرّك أو انزلاق في التربة ومن مختلف الاتجاهات. لكن المباني التي تعرّضت للقصف ثم جرى ترميمها يقول د.صفا تعدّ من الأكثر عرضة للانهيار، إذ إن القصف يؤثر بشكل مباشر على قدرة تحمّل الأساسات، وقد يؤدي إلى انزلاقها أو تعرّضها لاهتزازات عنيفة تُخرجها من موضعها الطبيعي. كما يتسبّب بخلل في تماسك الكتلة الخرسانية وتماسك عناصرها الداخلية. إضافة إلى ذلك، تؤدي آثار القصف إلى ظهور تشققات دقيقة في الأعمدة والعناصر الحاملة للأسقف، ما يضعف الترابط بين الباطون وحديد التسليح. ومع مرور الوقت، تتكوّن فراغات بين هذين العنصرين تسمح بدخول الهواء أو المياه، الأمر الذي يسرّع في تآكل الحديد ويُضعف قدرته على التحمّل.

وينتج عن ذلك انسلاخ ويجعل الباطون هشًا وغير فعّال. وبالتالي، تشكّل هذه المباني خطرًا إنشائيًا واضحًا، وتكون أكثر عرضة للانهيار عند حدوث أي هزّات أرضية أو اهتزازات مفاجئة، نظرًا لضعف قدرتها على امتصاص قوى الصدمات والتفاعل معها بشكل آمن. بين الهزة والزلزال الهزّة الأرضية وفق ما يشرحه عضو لجنة البيئة في نقابة المهندسين د. صفا هي تحرّك محدود في القشرة الأرضية، وقد يكون طبيعيًا ناتجًا عن زلزال بعيد يؤدي علميًا إلى تفريغ طاقة صغيرة في القشرة الأرضية، أو ناتجًا عن تفجيرات من تجارب حربية في أعماق بحرية أو برّية، أو عن انهيارات جزئية. وتكون الهزة الأرضية قصيرة المدة، إذ لا تتجاوز بضع ثوانٍ، ويكون تأثيرها محدودًا ولا تؤدي إلى دمار شامل. وغالبًا ما تشكل الهزّات اختبارًا للمباني الحديثة المشيّدة بطريقة متينة ومدروسة وفق أسس هندسية وعلمية، فلا تشكّل خطرًا عليها، لكنها قد تُشكّل خطرًا حقيقيًا على الأبنية الضعيفة أو تلك التي تعرّضت لإجهادات سابقة. أما الزلزال فهو نشاط جيولوجي كبير يمتد لعدة ثوانٍ أو دقائق، وينتج عن تحرّك الصفائح الصخرية في جوف الأرض أفقيًا وعموديًا، ويترافق أحيانًا مع سلسلة من الهزات المتتالية. ويُعدّ الزلزال من أخطر الظواهر الطبيعية التي تهدّد سلامة المباني والبنى التحتية والمدن.

ويختلف تأثير الزلازل على المباني تبعًا لعدة عوامل، أبرزها طبيعة التربة، ونوعية المواد المستخدمة، وجودة التنفيذ، ومدى الالتزام بالمعايير الهندسية المقاومة للزلازل. فالمباني المشيّدة على تربة ضعيفة أو من دون دراسات جيولوجية مسبقة تكون أكثر عرضة للتشققات والانهيار، خاصة الأبنية القديمة أو تلك التي خضعت لتعديلات إنشائية غير مدروسة. كما تلعب جودة التفاصيل الإنشائية، مثل تسليح العناصر وربطها وانتظام الكتل، دورًا أساسيًا في مقاومة الزلازل دون نسيان تأثير العوامل البيئية التي تُضعف المواد مع مرور الزمن. لذلك، يُعدّ الالتزام بكودات البناء، وإجراء الفحوصات الهندسية اللازمة، وتقييم وتعزيز المباني القائمة، أمورًا ضرورية للحدّ من المخاطر والخسائر المحتملة.
نداء الوطن