مارلين خليفة -
تتزامن الزيارة المرتقبة إلى بيروت لوزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي المكلّف بمتابعة عدد من الملفات الإقليمية الحسّاسة ومن بينها الملف اللبناني، مع تسريبات تتحدث عن نيّة قطر الشروع في إعادة إعمار قرى وبلدات حدودية مدمّرة في جنوب لبنان، وتحديداً بحسب معلومات موقع «مصدر دبلوماسي»: كفركلا، عيتا الشعب، يارين، الجبين، طير حرفا، وعلما الشعب.
وتشير المعلومات إلى أن هذه الزيارة تأتي في سياق تحرّك دبلوماسي قطري أوسع وسط حديث عن إبلاغ السفير القطري في بيروت الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، السفير الأميركي ميشال عيسى خلال زيارة أخيرة بأن المبادرة المقترحة حظيت بما وُصف بـ«الضوء الأخضر»، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية وأمنية حول توقيتها وخلفياتها وإمكانات تنفيذها.
غير أن مقاربة هذا الطرح، بمعزل عن السياقين الأمني - العسكري والجيوسياسي الأوسع، تبدو قاصرة، بل وتستدعي تشكيكاً جدّياً في مدى واقعيته وفي خلفياته السياسية وفي موقعه من التلاقي أو التعارض مع المشاريع الأميركية - الإسرائيلية المتداولة للمنطقة الحدودية الجنوبية.
التشكيك الأول، والأكثر بداهة، يرتبط بالواقع الأمني القائم. فالحديث عن إعادة إعمار في جنوب لبنان يأتي في وقت لا يزال فيه العدوان الإسرائيلي مستمراً بوتيرة يومية جنوب نهر الليطاني وشماله وفي البقاع من دون أي التزام فعلي بوقف إطلاق النار، ومن دون انسحاب إسرائيلي من النقاط التي لا تزال محتلة أو موضع نزاع.
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن إطلاق ورش إعمار موضع تشكيك جوهري، إذ إن استمرار القصف شبه اليومي يفرغ أي مشروع من مقوماته العملية ويطرح علامات استفهام حول قدرة الجهات المعنية على توفير الحد الأدنى من الأمان للسكان العائدين وللعاملين في قطاع البناء، فضلاً عن التساؤل عن الجدوى الفعلية لإعادة تشييد بنى تحتية ومنازل تبقى عرضة للتدمير مجدّداً في أي لحظة ما يحوّل الإعمار إلى حلقة مفرغة لا أفق لها.
إن أي مشروع إعادة إعمار لا يسبقه أو يواكبه تثبيت فعلي لوقف الأعمال العدائية، وضمانات دولية واضحة، يتحوّل عملياً إلى خطوة إعلامية أو سياسية أكثر منه مشروعاً تنموياً قابلاً للحياة.
التشكيك الثاني، والأكثر عمقاً، يتصل بالموقع الجغرافي –-السياسي للقرى الست المذكورة. فهذه القرى تقع جميعها ضمن ما كان يُعرف بـ«الشريط الحدودي» الذي احتلته إسرائيل لسنوات طويلة قبل انسحابها عام 2000 وهي مناطق شديدة الحساسية أمنياً وشكّلت تاريخياً خط تماس مباشر مع العدو الإسرائيلي.
اللافت أن هذه القرى نفسها تقع «للصدفة» ضمن النطاق الذي يجري تسويقه أميركيا ولا سيما في أدبيات دونالد ترامب وفريقه كجزء من مقاربة أوسع للمنطقة الاقتصادية الحدودية، سواء على البر أو في امتدادها البحري غير المباشر. وعليه، يصبح من المشروع طرح الأسئلة الآتية: هل تنفصل المبادرة القطرية المزعومة عن التصورات الأميركية - الإسرائيلية لمستقبل الشريط الحدودي الجنوبي؟ أم أنها تأتي بشكل مباشر أو غير مباشر في سياق تهيئة الأرضية لمشاريع إعادة رسم الواقع الديموغرافي والعمراني لهذه المناطق؟
إن إعادة إعمار قرى حدودية مدمرة من دون معالجة مسألة الاحتلال والاعتداءات ومن دون وضوح في الأهداف النهائية قد تفتح الباب أمام ربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية تتجاوز المصلحة اللبنانية الصرفة.
الحديث عن «ضوء أخضر» أُعطي للمبادرة يثير بدوره التباساً خطراً. فإذا كان المقصود ضوءاً أخضر أميركياً فإن السؤال البديهي هو: هل هذا الضوء مشروط بموافقة إسرائيلية صريحة أو ضمنية؟ وهل يمكن أصلاً تنفيذ أي مشروع إعمار في هذه المنطقة من دون قبول إسرائيلي؟ في ظل موازين القوى الحالية؟
أما إذا لم يكن هناك ضوء أخضر إسرائيلي فإن المبادرة، إن صحّت، تبدو أقرب إلى إعلان نوايا غير قابل للتنفيذ أو إلى محاولة تسجيل موقف سياسي وإعلامي يظهر قطر في موقع «الداعم» للبنان، من دون تحمّل كلفة الاشتباك الحقيقي مع العوائق الميدانية والسياسية.
من هنا، يبرز السؤال المركزي: هل نحن أمام مبادرة قطرية جدّية تتضمن التزاماً طويل الأمد، وضمانات أمنية وسياسية واضحة؟ أم أمام محاولة لبيع اللبنانيين «سمكاً في البحر»؟ أي الاكتفاء بالتلويح بإعادة الإعمار لإثبات أن الدوحة أدّت واجبها المعنوي تجاه لبنان؟ من دون الدخول في جوهر المشكلة المتمثل بالعدوان المستمر وغياب الحل السياسي الشامل؟
إن التجارب السابقة في الجنوب اللبناني تؤكد أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مجتزأة، ولا منفصلة عن مسار سياسي - أمني متكامل يضمن السيادة اللبنانية ويمنع تحويل القرى المعاد بناؤها إلى أوراق ضغط في مشاريع إقليمية أو دولية.
يبدو أن المبادرة القطرية العتيدة لإعادة إعمار قرى جنوبية حدودية تثير من علامات الاستفهام أكثر مما تقدّم من أجوبة. فغياب وقف إطلاق النار، واستمرار الاحتلال والاعتداءات، وحساسية الموقع الجغرافي للقرى المستهدفة وتداخل المبادرة المحتمل مع مشاريع أميركية - إسرائيلية أوسع كلها عوامل تفرض التعامل مع هذه الوعود بحذر شديد.
وعليه، فإن أي مقاربة لبنانية رسمية أو إعلامية مسؤولة لهذا الملف ينبغي أن تنطلق من سؤال واحد واضح: هل تخدم هذه المبادرة، إن وُجدت، مصلحة لبنان وسيادته أولاً، أم أنها تندرج في إطار تسويات إقليمية تُرسم خرائطها بعيداً عن الجنوب وأهله؟
اللواء