<
26 January 2026
مكاسب ذهبية جديدة: 5.65 مليارات في شهرين ونصف الشهر


في هذه المرحلة بالذات، بات هناك أهميّة استثنائيّة لتتبّع آخر التحوّلات التي طرأت على أرقام مصرف لبنان، بموازاة النقاش الدائر حول مشروع قانون الفجوة الماليّة. فكل زيادة في حجم احتياطات العملات الأجنبيّة لدى المصرف، أو في قيمة احتياطات الذهب، ستعني انخفاضًا موازيًا في حجم الفجوة موضوع النقاش، والتي تتمثّل في الفارق ما بين موجودات والتزامات المصرف السائلة أو القابلة -محاسبيًا- للتسييل. وبالمثل، يمكن القول أنّ انخفاض حجم ودائع المصارف التجاريّة لدى مصرف لبنان سيحقّق النتيجة نفسها، وللسبب نفسه.

منذ أن اشتدّ السجال حول مشروع قانون الفجوة، طرأت على ميزانيّة مصرف لبنان مجموعة من التحوّلات الإيجابيّة، إن لجهة المكاسب المُحقّقة جرّاء ارتفاع أسعار الذهب، أو بفعل الارتفاع في قيمة احتياطات العملات الأجنبيّة، فيما كانت التزامات المصرف المركزي للمصارف التجاريّة تُسجّل انخفاضات موازية ومعتبرة. وجميع هذه التغيّرات ستعني عملياً تقلّصًا كبيرًا في حجم الفجوة التي يفترض أن يتعامل معها المشروع عند تطبيقه.
 

مكاسب الذهب والعملات الأجنبيّة

بحلول منتصف شهر كانون الثاني الحالي، كانت قيمة احتياطات الذهب الموجودة لدى مصرف لبنان قد ارتفعت إلى مستوى 42.59 مليار دولار أميركي، بعدما اقتصرت قيمتها على حدود الـ 40.37 مليار دولار أميركي فقط في بداية الشهر. وبهذا الشكل، تكون احتياطات الذهب لدى مصرف لبنان قد سجّلت مكاسب بقيمة 2.22 مليار دولار أميركي خلال فترة لا تتجاوز نصف شهر.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مصرف لبنان يعيد تقييم احتياطات الذهب الموجودة لديه كل نصف شهر، في ضوء أسعار الذهب الرائجة عالميًا. ومن المعلوم أنّ أسعار الذهب العالميّة سجّلت خلال النصف الأوّل من كانون الثاني زيادة بنسبة بلغت 6.1 بالمئة، وهو ما انعكس بشكلٍ تلقائي على قيمة احتياطات الذهب الموجودة في ميزانيّة مصرف لبنان، في خانة الموجودات.

على أي حال، من المهم الإشارة أيضاً إلى أنّ قيمة احتياطات الذهب في ميزانيّة مصرف لبنان كانت توازي نحو 36.94 مليار دولار أميركي، في أواخر شهر تشرين الأوّل الماضي، أي قبل نحو شهرين ونصف الشهر. وبذلك، يمكن القول أنّ مصرف لبنان تمكّن من تسجيل مكاسب ضخمة، قاربت قيمتها الـ 5.65 مليار دولار أميركي، خلال الفترة الممتدة بين أواخر تشرين الأوّل ومنتصف كانون الثاني. وهذه المكاسب ستساهم بطبيعة الحال في تخفيض حجم الفجوة الموجودة في ميزانيّة مصرف لبنان.

على مستوى احتياطات العملات الأجنبيّة، سجّلت الميزانيّة تحوّلات إيجابيّة أيضاً. فقيمة هذه الاحتياطات ارتفعت من قرابة الـ 11.89 مليار دولار أميركي في بداية شهر كانون الثاني، إلى نحو 12.04 مليار دولار أميركي في منتصف الشهر، ما دلّت على زيادة قدرها 146.82 مليون دولار أميركي خلال فترة نصف شهر، في احتياطات العملة الصعبة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مصرف لبنان تمكّن، منذ صيف العام 2023، من الانتقال إلى نمط جديد في السياسة النقديّة، وهو ما سمح منذ ذلك الوقت بتحقيق زيادات تراكميّة في احتياطات العملات الأجنبيّة. وقام هذا النمط على اعتماد سياسة تقشفيّة حادّة على مستوى الميزانيّة العامّة للدولة، ومراكمة جزء من الإيرادات الضريبيّة في مصرف لبنان، بهدف امتصاص السيولة بالليرة اللبنانيّة من السوق الموازية. وبهذا الشكل، نجح المصرف المركزي في شراء الدولارات من السوق، من دون زيادة الكتلة النقديّة المتداولة بالعملة المحليّة، ومن دون ضرب سعر صرف الليرة اللبنانيّة.

وفي هذا السياق، يمكن التذكير بأنّ حجم احتياطات العملات الأجنبيّة كان قد بلغ قرابة الـ 11.87 مليار دولار أميركي في أواخر شهر تشرين الأوّل الماضي. وهذا ما يعني أنّ حجم الزيادة في احتياطات العملات الأجنبيّة بلغ حدود الـ 172.63 مليون دولار أميركي، خلال فترة شهرين ونصف الشهر.

 

التغيّر في بنود المطلوبات

من جهة التزامات المصرف المركزي، كان لافتًا تراجع ودائع المصارف التجاريّة لدى مصرف لبنان، من نحو 83.9 مليار دولار أميركي في أواخر تشرين الأوّل، إلى 82.9 مليار دولار أميركي في منتصف الشهر الحالي، ما عنى انخفاضًا قيمته مليار دولار أميركي. ومن المعروف أنّ مصرف لبنان يساهم بتمويل السحوبات الشهريّة الممنوحة للمودعين، بحسب التعاميم، مقابل تخفيض التزاماته للمصارف التجاريّة، وهو ما يفسّر هذه التراجعات المعتبرة.

من ناحية أخرى، بيّنت ميزانيّة مصرف لبنان أن حجم ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان ارتفع خلال الفترة نفسها، من 8.47 مليار دولار أميركي في أواخر تشرين الأوّل، إلى 8.86 مليار دولار أميركي في منتصف الشهر الحالي، ما يعني أنّ قرابة الـ 393.5 مليون دولار أميركي من الأموال العامّة تكدّست في مصرف لبنان خلال هذه الفترة. وهذه الأرقام تعكس استمرار السياسة التقشّفية التي أشرنا إليها، والتي مكّنت مصرف لبنان من مراكمة احتياطات العملات الأجنبيّة لديه.

أمّا على مستوى الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة، فلم تشهد السوق أي تحوّلات تُذكر. إذ ظلّت قيمة هذه الكتلة، عند احتسابها بالدولار الأميركي، تتراوح بين 814 مليون دولار أميركي (في أواخر تشرين الأوّل) و789.78 مليون دولار أميركي (في منتصف الشهر الحالي). وبهذا الشكل، من غير المرتقب أن تشهد سوق القطع أي تقلّبات تُذكر على المدى المنظور، لناحية سعر الصرف أو توازنات العرض والطلب.

أخيراً، من الواضح أنّ مصرف لبنان يسير باتجاه تعزيز ملاءة ميزانيّته، بفعل التحوّلات التي طرأت على قيمة احتياطات الذهب، لكنّ هذه التحوّلات لن تنعكس على شكل تحسّن مباشر في سيولة المصرف المركزي، بالنظر إلى القيود القانونيّة التي تمنع استخدام الذهب من دون موافقة المجلس النيابي. مع الإشارة إلى أنّ مشروع قانون الفجوة الماليّة أعاد تأكيد هذه القيود، وهو ما ضبط آليّات استعمال الذهب في المستقبل.    
المدن