عاد الحديث عن التدقيق الجنائي إلى التداول السياسي والإعلامي في لبنان، لا كجزء من مسار إصلاحي متكامل، بل كعنوان اشتباكي يُستحضر عند الحاجة ويُهمَل عند تعارضه مع المصالح السياسية. فبدل أن يكون أداة لكشف الحقيقة كاملة، بات يُستخدم في كثير من الأحيان كوسيلة ضغط وانتقاء، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول الغاية الحقيقية من إعادة فتح هذا الملف اليوم.
في هذا السياق، تبرز النقطة التي غالبًا ما يُراد تجاوزها عمدًا: من خاض فعليًا معركة التدقيق الجنائي عندما كان ثمنها سياسيًا مرتفعًا، ومن اكتشف هذا العنوان فقط عندما تغيّرت الظروف وأصبح الاستثمار فيه ممكنًا؟
الوقائع تُظهر أنّ التيار الوطني الحر لم يتعامل مع التدقيق الجنائي كشعار ظرفي أو مادة سجالية، بل كخيار سياسي واضح منذ سنوات، في زمنٍ كان فيه هذا الطرح يُواجَه بالعرقلة والرفض، لا سيما عندما لامس مصرف لبنان ووزارات أساسية. يومها، لم يكن التدقيق مطلبًا إجماعيًا، بل كان يُقدَّم على أنّه تهديد للاستقرار المالي أو استهداف سياسي، ومع ذلك استمر التيار بالمطالبة به، وتقدّم بإخبارات إلى القضاء، ورفع السرية المصرفية عن حساباته، وساهم في إقرار أطر تشريعية تتيح هذا المسار.
الأهم أنّ وزراء ونواب التيار خضعوا للتحقيق أمام القضاء، في سابقة نادرة في الحياة السياسية اللبنانية، وتبيّن لاحقًا أنّ كثيرًا من الاتهامات التي سُوّقت إعلاميًا لم تصمد أمام الوقائع، وسقطت في خانة الافتراءات أو التهويل. ومع ذلك، لم يُقفل التيار هذا الملف، ولم يحوّله إلى مادة انتقام سياسي، بل واصل المطالبة بتدقيق فعلي وشامل.
أما اليوم، فالمفارقة أنّ بعض القوى التي عارضت التدقيق أو ساهمت في تعطيله، تعود لتطالب به، ولكن بنسخة مجتزأة، محدّدة الهدف، وكأن المطلوب ليس كشف الحقيقة كاملة، بل فتح الملفات عند أسماء معيّنة وإقفالها عند أخرى. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن التدقيق الجنائي يفقد قيمته الإصلاحية حين يُفصَل عن معايير الشمولية والاستمرارية، وحين يُستخدم كأداة تصفية لا كمسار قضائي مستقل.
وفي ملف وزارة الطاقة تحديدًا، يجري استحضار التدقيق الجنائي كشمّاعة سياسية، في محاولة لتزوير السياق التاريخي لأزمة الكهرباء، وتجاهل أنّ هذا القطاع كان رهينة قرارات حكومية متعاقبة، وعرقلات سياسية ممنهجة، وشروط خارجية، لا مسؤولية فريق واحد. من يريد المحاسبة الجدية، لا يختزلها بوزارة واحدة، ولا يقاربها بعقلية الكباش السياسي.
لم يعد التدقيق الجنائي ساحة بحث عن الحقيقة، بل اختبارًا للنيات. فإما محاسبة شاملة تطال الجميع بلا استثناء، أو مسرحية سياسية هدفها إعادة تدوير الاتهامات وصرف الأنظار عن المسؤوليات الحقيقية. من عطّل التدقيق بالأمس لا يحق له اليوم الادّعاء بحمايته، ومن يطالب به انتقائيًا إنما يعترف ضمنًا بخوفه من نتائجه. الحقيقة لا تُدار بالقطعة، ولا تُفصَّل على قياس الخصومات، وكل محاولة لتحويل التدقيق الجنائي إلى أداة استهداف سياسي لن تحمي أحدًا، بل
ستفضح من يستخدمها، وتسقط آخر أوراق التوت عن خطاب إصلاحي لم يعد يقنع أحدًا.