<
13 January 2026
قضية "أبو عمر": عندما تُفرّغ السيادة من معناها! رندا شمعون
لم تعد واقعة «أبو عمر» قابلة للتدوير أو التخفيف أو التبرير، لأنها عَرّت بُنية سياسية كاملة قائمة على الزيف. زيف السيادة، وزيف الجرأة، وزيف الخطاب الذي طالما ادّعى حماية الدولة فيما كان في الواقع يمارس تقويضها بصمت.

الفضيحة ليست في الوهم الذي صُدّق، بل في العقل الذي اعتبر الوهم أداة مشروعة لإدارة الشأن العام. عقل سياسي مأزوم، يرى في الارتهان مرونة، وفي الانبطاح دهاء، وفي التخلّي عن القرار الوطني «حكمة» تقتضيها المرحلة. هذا ليس سوء تقدير، بل انحطاط في المعايير.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يُقابل بأي صدمة داخل بيئته السياسية. لا مراجعة، لا محاسبة، لا حتى خجل. كأن ما كُشف لا يستحق الوقوف عنده. وكأن الدولة تفصيل ثانوي يمكن القفز فوقه طالما أن المصالح مؤمَّنة. هنا يسقط القناع نهائيًا: من لا يرى في إهانة القرار الوطني فضيحة، لا يمكنه الادعاء يومًا الدفاع عن السيادة.

لقد اعتادت هذه القوى رفع الصوت عند كل محاولة جدّية لبناء دولة. يوم طُرحت ملفات الإصلاح الحقيقي، تحوّل الهجوم إلى هستيريا سياسية، واشتغلت ماكينة التخوين والتحريض، لأن الدولة كانت تهدِّد امتيازاتهم. أما اليوم، ومع انكشاف أن القرار يمكن أن يُدار بالهوامش وبالقنوات الملتوية، ساد الصمت. صمت الشريك، لا صمت المتفرّج.

هذا الصمت ليس بريئًا، بل مشاركة كاملة في تعميم ثقافة الانحلال السياسي. ثقافة تُفرّغ السيادة من معناها، وتحولها إلى شعار أجوف يُستعمل ضد الخصوم ويُرمى عند الامتحان. سيادة موسمية، بلا كلفة، بلا التزام، بلا دولة.
في المقابل، لم يكن خيار التيار الوطني الحر يومًا سيادة للاستهلاك الإعلامي. كان خيارًا واضحًا ومكلفًا: قرار وطني حر أو لا دولة. مؤسسات أو فوضى مقنّعة. شرعية أو وهم. ولهذا دَفَع الثمن سياسيًا وإعلاميًا وشعبيًا، لأن هذا الخيار يفضح من اعتادوا اللعب على الحبال ويضعهم أمام عجزهم و تواطئهم.

وفي هذا الزمن السياسي الرديء، يصبح الوضوح فعل
 نضال. لأن من يبرّر الإهانة اليوم، يوقّع غدًا على شهادة وفاة الدولة.

قضية «أبو عمر»  مرآة لثقافة سياسية مأزومة. ثقافة ترى في الدولة عائقًا، وفي السيادة عبئًا، وفي الوضوح خطرًا. ومن يبرّر هذا السقوط اليوم، لا يملك غدًا حق السؤال عن سبب انهيار الدولة.
فالدولة لا تُبنى على طريقة «أبو عمر».
والسيادة، إن لم تكن قرارًا حرًا، ليست سوى كذبة مؤجلة الانكشاف

رندا شمعون