<
13 January 2026
من وعد الستة أشهر إلى "تحسّن" ال١٥٪؜ .... جان بو شعيا
في لبنان، لا تحتاج أزمة الكهرباء إلى مهندسين بقدر ما تحتاج إلى ذاكرة قوية، لأنّ التصريحات تتبدّل أسرع من ساعات التغذية. آخر الإبداعات في هذا المجال جاء على لسان سمير جعجع، الذي كان قد وعد اللبنانيين سابقًا بأنّه في حال تسلّم وزارة الطاقة، فإنّ كهرباء 24/24 ستتحقّق خلال ستة أشهر فقط. ستة أشهر، لا أكثر، وكأنّ المشكلة كانت تنتظر “النيّة الحسنة” لتُحلّ. لكنّ المفاجأة أتت بالأمس، لا كهرباء 24/24 ولا حتى 12/12، بل تقييم جديد يقول إنّ الوضع “تحسّن” بنسبة 15%.

تحسّن؟ هنا تبدأ الكوميديا السوداء. ففي عزّ الأزمة، حين كان البلد ينهار على كلّ المستويات، كانت الكهرباء تؤمّن نحو عشر ساعات يوميًا. أمّا اليوم، وبعد كلّ هذا “التحسّن”، فالمواطن المحظوظ يحصل على أربع ساعات في أحسن الأحوال. أي أنّ التحسّن الوحيد هو في الخطاب، لا في الأسلاك ولا في المعامل. يبدو أنّ النسبة المئوية تُحسب على الورق فقط، أو ربّما على ضوء الشموع.

الأطرف في المشهد هو الإصرار على بيع اللبنانيين رواية جاهزة: الهدر وسوء الإدارة، حصرًا من قبل وزراء التيار الوطني الحرّ. وهي رواية تُساق سياسيًا بامتياز، فيما يعرف القاصي والداني أنّ ملفّ الكهرباء كان وما زال ساحة نكد سياسي مفتوحة، تشارك فيها جميع الأطراف من دون استثناء، بمن فيهم القوات اللبنانية نفسها. لكن في الخطاب، هناك دائمًا “مذنب واحد” يصلح لكلّ المواسم، فيما الشركاء في التعطيل يختفون فجأة من الصورة.

الوزارة، خلال أحد عشر شهرًا، لم تنجح في تحقيق أيّ إنجاز يُذكر. لا زيادة إنتاج، لا خطّة طوارئ فعّالة، ولا حتى إدارة شفافة للأزمة. الإنجاز الوحيد الملموس هو الانتقال من تقنين قاسٍ إلى عتمة أقسى، مع تحميل المواطن مسؤولية “التفهّم” و”الصبر”.

وكأنّ الكهرباء خدمة ترفيهية، لا شريان حياة لمستشفيات ومؤسّسات وبيوت. وفي كلّ مرّة يُطرح السؤال البسيط: أين الوعود؟ يأتي الجواب على شكل أرقام مطاطية، ونِسَب لا يشعر بها أحد، وتصريحات تُقنع المناصرين وتُطفئ غضبهم، لا أكثر. أمّا وعد الستة أشهر وكهرباء 24/24، فيُركن بهدوء في أرشيف الوعود غير القابلة للتنفيذ، من دون أي اعتذار أو مراجعة.

في النهاية، المشكلة ليست في أن السياسيين يخطئون، بل في أنّهم يصرّون على معاملة اللبنانيين كأنّهم بلا ذاكرة. كهرباء 24/24 تحوّلت إلى شعار، والتحسّن إلى وهم، والعتمة إلى واقع يومي. وبين وعد الأمس وتقييم اليوم، يبقى الثابت الوحيد أنّ النور ما زال بعيدًا، وأنّ السياسة في لبنان قادرة دائمًا على إطفاء أيّ أمل… حتى قبل أن يولد.