صلاح سلام -
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع ثلاثة مسارات متسارعة: توسّع حركة الاحتجاجات في إيران، تصاعد لهجة التهديد في واشنطن، واستعدادات إسرائيلية لا تخفي نياتها تجاه البرنامج النووي الإيراني، فيما يبقى لبنان ساحة ارتدادات مفتوحة تحت ضغط الغارات الإسرائيلية المتواصلة على مواقع حزب الله. هذا التزامن لا يبدو عابراً، بل يعكس اقتراب المنطقة من اختبار بالغ الخطورة قد يُطيح بقواعد الإستقرار ويعيد رسم موازين القوة وخرائط النفوذ.
الاحتجاجات الإيرانية، حين تتسع جغرافياً وتتنوع اجتماعياً، تتحول من مجرد حدث أمني، كما تحاول السلطة تصويرها، إلى معضلة سياسية وجودية للنظام. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد المتظاهرين، بل في تصاعد المواجهات الدموية بين الغاضبين في الشوارع ورجال الأمن من الباسيج والحرس الثوري، وما يجر ذلك من احتمال فقدان السيطرة التدريجية على الشارع، وتآكل هيبة الدولة، وتصدّع الإجماع داخل مؤسسات الحكم. وفي حال بلغ هذا المسار نقطة اللاعودة، يصبح النظام أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القمع الشامل بما يسرّع العزلة والعقوبات ويعمّق السخط، أو تقديم تنازلات تُفسَّر داخلياً كضعف يُغري بموجات احتجاج أوسع.
في هذا السياق، تأتي لهجة واشنطن المرتفعة لتضيف ضغطاً مضاعفاً.
حديث دونالد ترامب عن «التدخل لوقف قتل المتظاهرين» لا ينفصل عن مقاربة أوسع تعيد تفعيل أدوات الضغط القصوى، مع فارق أساسي يتمثل في ربط «حقوق الإنسان» بالحسابات الجيوسياسية والطاقة. فبعد التجربة الفنزويلية، حيث شكّل النفط محور الصراع وأداة الخنق، تبدو الإدارة الأميركية – في حال عودتها إلى هذا النهج – مصممة على إحكام السيطرة على مصادر الطاقة شرقاً وغرباً، أو على الأقل منع خصومها، لا سيما الصين وروسيا، من توظيفها سياسياً واقتصادياً.
إيران، بثقلها النفطي وموقعها الجيوسياسي، تقع في قلب هذه الاستراتيجية.
هذا الضغط السياسي والاقتصادي يلتقي مع حسابات إسرائيلية قديمة ولكنها متجددة اليوم. تل أبيب ترى في أي اهتزاز داخلي إيراني «نافذة فرص» لتوجيه ضربة عسكرية جديدة للمنشآت النووية، مستندة إلى غطاء أميركي سياسي وعسكري، وإلى تقدير بأن طهران المنشغلة بداخلها ستكون أقل قدرة على الرد أو توسيع المواجهة. من هنا، تتحول الاحتجاجات من شأن داخلي إلى عامل ميداني في حسابات الحرب، حيث يُعاد خلط الأوراق بين الردع والضربة الاستباقية.
غير أن هذه السيناريوهات لا تتوقف عند حدود إيران. لبنان، الذي يتعرض لغارات مكثفة تحت عنوان منع حزب الله من إعادة تنظيم صفوفه، يقف عند تقاطع العواصف. أي تصعيد ضد إيران سينعكس حكماً على الساحة اللبنانية، سواءٌ عبر تشديد الضغوط العسكرية، أو توسيع بنك الأهداف، أو استخدام لبنان كورقة ضغط إضافية في المواجهة الكبرى. والخطر هنا أن يتحول البلد إلى ساحة تصفية حسابات، وإدخاله في حرب مدمرة لا قدرة لوطن الأرز على تحمل أوزارها، في لحظة هو بأمسّ الحاجة فيها إلى الاستقرار. ولعل مثل هذا الكلام سمعه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال إجتماعاته مع كبار المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته الإسبوع الماضي إلى بيروت.
اللافت أن لبنان بدأ، ولو ببطء، مساراً إصلاحياً وإنقاذياً صعباً، يقوم على إعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية، وإعادة وصل ما انقطع مع المجتمع الدولي. لكن هذا المسار يبقى شديد الهشاشة أمام أي انفجار إقليمي واسع ينزلق لبنان في معارجه المعقدة. فالتصعيد العسكري سيعيد خلط الأولويات، ويؤجل الإصلاحات، ويهدِّد ما تبقّى من فرص التعافي الاقتصادي والمالي.
الواقع أن المنطقة تقف على حافة إشتباك خطير بين الداخل الإيراني والحسابات الأميركية والإسرائيلية، حيث تتحول الاحتجاجات إلى عامل استراتيجي، والطاقة إلى سلاح،
والضربة العسكرية إلى خيار مطروح.
وفي قلب هذا المشهد، يبقى لبنان الحلقة الأضعف، المهدد بدفع أثمان صراعات لا يملك ترف الدخول فيها. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لتحصين الداخل اللبناني، سياسياً واقتصادياً، وتكريس سياسة النأي بالنفس فعلاً لا قولاً، لأن أي اهتزاز إضافي قد يطيح بما تبقّى من فرص الإنقاذ، وبكل ما حققه عهد الرئيس جوزاف عون وحكومته من إنجازات وتقدم في مسار الإستقرار.
اللواء