<
30 August 2025
إنهاء اليونيفيل تمكين للبنان أم فخّ أمني يحوِّل الجنوب ساحة اختبار إقليمي؟

لا يمكن قراءة قرار مجلس الأمن بتمديد ولاية قوات الطوارئ الدولية في الجنوب (اليونيفيل) حتى نهاية سنة 2026، وللمرة الأخيرة وفق ما جاء في النص، كخطوة تقنية عادية، بل هو تطور نوعي في مقاربة المجتمع الدولي للملف اللبناني، يفتح الباب أمام إعادة صوغ المعادلة الأمنية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، ويطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على ملء الفراغ المرتقب، وسط مشهد داخلي وإقليمي بالغ التعقيد.
شكّلت اليونيفيل منذ سنة ١٩٧٨ إحدى الركائز الأساسية في منظومة الاستقرار جنوب الليطاني. ومع صدور القرار ١٧٠١ بعد حرب تموز ٢٠٠٦، تعزّز هذا الدور ليصبح مظلة دولية لاحتواء أي مواجهة واسعة. اليوم، حين يضع مجلس الأمن إطاراً زمنياً لإنهاء مهمة هذه القوة وسحبها خلال عام واحد بعد ٣١ كانون الأول ٢٠٢٦، فهذا يعني أن فلسفة الوجود الأممي لم تعد قائمة على إدارة الأزمة المفتوحة، بل على تسليم المسؤولية للدولة اللبنانية، مع الاكتفاء بآليات مراقبة ودعم تقني بدلاً من الانتشار العسكري المباشر.

تعبّر هذه النقلة عن رغبة المجتمع الدولي في إنهاء ما يشبه «الوصاية الأمنية الخفيفة» التي فُرضت على الجنوب منذ 2006، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على رهانات محفوفة بالمخاطر، نظراً إلى هشاشة الواقع اللبناني وعدم جاهزية مؤسساته، خصوصاً الجيش، لتولي عبء ضبط منطقة تُعدّ الأكثر حساسية على الخريطة اللبنانية.
أشاد القرار الجديد بخطة الحكومة نشر ٦٠٠٠ جندي إضافي في الجنوب، في خطوة ترمز إلى محاولة بسط السيادة. لكن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن لجيش يواجه أزمة تمويلية غير مسبوقة، ويعتمد على المساعدات الخارجية لتأمين رواتب عسكريِّيه وصيانة معداته، أن يتحمّل عبء السيطرة على الحدود ومواجهة احتمالات التصعيد؟

يجعل هذا الواقع من أي انسحاب أممي غير مدعوم ببرنامج مالي ولوجستي لمصلحة الجيش، مغامرة قد تؤدي إلى فراغ أمني أو إلى تعزيز حضور قوى غير نظامية، مما يكرّس ازدواجية القرار الأمني بدلاً من إنهائها. لذلك، ستشهد المرحلة المقبلة مفاوضات موازية بين لبنان وشركائه الدوليين، لتأمين حزمة مساعدات تجعل من تسلّم الجيش للمسؤولية أمراً قابلاً للتحقق.
لا يمكن فصل هذا القرار عن المناخ الإقليمي. صحيح أن مجلس الأمن رحّب باتفاقية وقف الأعمال العدائية الموقّعة في تشرين الثاني ٢٠٢٤ بين لبنان وإسرائيل، لكنه في المقابل عبّر عن «قلق بالغ» حيال استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، بما فيها الغارات الجوية التي تخترق السيادة اللبنانية. وهذا القلق ليس تقنياً، بل يعكس إدراكاً بأن اتفاقات التهدئة القائمة هشة، وأن أي انهيار فيها قد يقود إلى مواجهة أوسع في غياب قوة دولية ضابطة.
أبعد من ذلك، يبقى الجنوب جزءاً من معادلة ردع إقليمية تتجاوز حدوده. ملف حزب الله وسلاحه مرتبط مباشرة بالتوازن الإيراني – الإسرائيلي، وبالتفاهمات أو الصدامات التي قد تفرزها التطورات في ملف النووي الإيراني والحرب الدائرة في غزة. في هذا السياق، سيجعل انسحاب اليونيفيل من دون بدائل فعّالة لبنان أكثر عرضة للاستخدام كورقة تفاوضية في لعبة المحاور، ما يزيد احتمالات التصعيد المحدود أو حتى الانفجار الشامل.
النقطة اللافتة في القرار هي تكليف الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تصور جديد لما بعد اليونيفيل منتصف ٢٠٢٦. هذا يعني أن المجتمع الدولي يفكّر في استبدال الانتشار العسكري بآليات مراقبة تقنية أو دعم استشاري، ربما عبر لجان مشتركة أو فرق مراقبين على الحدود، وهو ما يقلّص عنصر الردع الميداني الذي شكّلته اليونيفيل طوال العقود الماضية.
لكن هذه الصيغة، إن أُقرت، ستطرح إشكالية أساسية: من يضمن منع الانتهاكات إذا غابت القوة الرادعة على الأرض؟ ومن يردع أي طرف قد يسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في ظل التغيرات الإقليمية؟
بالتأسيس على كل ذلك، لا يمثّل قرار مجلس الأمن مجرد تمديد أخير لولاية اليونيفيل، بل إعلاناً عن مرحلة انتقالية عنوانها إعادة رسم المعادلة الأمنية في الجنوب. النجاح في هذا الانتقال مرتبط بثلاثة شروط مترابطة:
١- دعم الجيش اللبناني على نحو غير مسبوق لضمان قدرته على ملء الفراغ.
٢- ضبط سلاح حزب الله ضمن تفاهمات داخلية وخارجية تجنّب لبنان الانزلاق إلى مواجهة مع إسرائيل.
٣- تأمين آلية مراقبة فاعلة تمنع التصعيد وتضمن الالتزام بالخط الأزرق.
من دون هذه الشروط، قد يتحوّل الانسحاب الأممي من خطوة نحو السيادة إلى بداية مرحلة فراغ أمني خطير، في لحظة إقليمية مضطربة تجعل الجنوب أكثر من مجرد حدود، بل ساحة اختبار لموازين القوى في الشرق الأوسط.

اللواء