<
09 June 2021
زخور: أخطاء جسيمة لقاضي التحقيق وللهيئة الاتهامية في قراءة النصوص الفرنسية واللبنانية أدّت لمنع المحامي مزاولة مهنته‎
علّق المحامي أديب زخور على القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية موضحاً الاخطاء القانونية التي أدّت الى اتخاذ قرارات خاطئة بمنع المحامي من مزاولة مهنته على الشكل التالي:
 
اولاً: قرار قاضي التحقيق بيرم بمنع محام مزاولة مهنته واضراب نقابة المحامين في بيروت والاصرار على صلاحيتها
 
بتاريخ 31/5/2021 صدر عن قاضي التحقيق في بيروت القاضي أسعد بيرم     قراراً قضى بمنع المحامي رامي عليق عن ممارسة مهنة المحاماة ومنعه من دخول قصور العدل فأعلنت نقابة المحامين في بيروت وفي ذات التاريخ 31/5/2021 الاستمرار بالاضراب طيلة الاسبوع حتى يوم الجمعة 4/6/2021، مع التمسك بصلاحية النقابة بأنها المرجع الحصري الصالح لاتخاذ اي اجراء او تدبير بشأن مزاولة مهنة المحاماة، وكان مجلس النقابة اعلن الاضراب ليومين في 27/5/2021 وذلك يومي 28و30 ايار وهو في حالة انعقاد دائم لمواكبة التطورات في قضية التجاوزات التي تطال مهنة المحاماة ودور المحامي ودور لنقابة في رعاية شؤون المهنة كما جاء في بيان النقابة تاريخ 31/5/2021،
 
ثانياً: قرار سابق لبيرم ونقابة طرابلس تقاطع الجلسات وتصر على صلاحية نقابة المحامين
 
وكان قاضي التحقيق ذاته أصدر بتاريخ 13/11/2020 قراراً قضى بمنع المحامي والنائب هادي حبيش عن ممارسة مهنة المحاماة ثلاثة اشهر استناداً الى المادة 111أ.م.ج فقرة هاء ومنعه من دخول قصور العدل والمحاكم طوال هذه الفترة وقرر تركه لقاء كفالة مالية قدرها 50 مليون ليرة، وعلى اثرها صدر بيان عن مجلس نقابة المحامين في طرابلس لانتماء المحامي اليها شدد ان المجلس التأديبي في نقابة المحامين هو الجهة الوحيدة المخوّلة منع المحامي من ممارسة مهنته، وقضى بمقاطعة جميع قضاة التحقيق لحين العودة عن القرار لمخالفته القانون لا سيما، ان قانون تنظيم المهنة قانون خاص ويتقدم على القانون العام، ويعطل حق دستوري في اعطاء الرأي وحرمان قسم من المواطنين من حقهم في استشارة محام يثقون به، وان نص المادة لا ينصرف الى المهن المنظمة بقانون، ولا يمكنه الحلول مكان النقابة والمجلس التأديبي ومحكمة الاستئناف، وخشي المجلس من تدابير مماثلة بحق المحامين وكخطوة اولى اعلن منع المحامين من المثول امام جميع قضاة التحقيق، وهذا موقف للدفاع عن المحاماة كمهنة ورسالة المحامين، لحين حلّ المشكلة من المراجع المختصة، وسوف نتطرق لهذه الاشكالية من الوجهة القانونية في ضوء القانون والفقه والاجتهاد.
 
ثالثاً: الهيئة الاتهامية تصدق قرار بيرم وقراراها مستند الى استنتاج خاطئ مشوب بتشويه وتفسير النصوص الفرنسية والمبادئ القانونية
 
وقد صدر بعدها عن الهيئة الاتهامية في بيروت قرارا بتاريخ 31/12/2020 قضى بفسخ القرار جزئيا وتصديق قرار قاضي التحقيق لجهة منع المحامي والنائب هادي حبيش من ممارسة مهنته ودخول قصور العدل لمدة 3 اشهر،
 
استعرضت الهيئة الاتهامية تطور النص الفرنسي للمادة 138 فقرة 2-12 أصول محاكمات فرنسي التي اتت اولا بمنع ممارسة بعض الانشطة المهنية، ولم تذكر بتاتا مهنة المحاماة، وفي فترة لاحقة في العام 1993 اعطيت الصلاحية الى قاضي التحقيق في تقرير المنع المتعلق بممارسة مهنة المحاماة مع ذكرها بالتحديد، بالرغم من الاشكالية في التطبيق والاجتهاد الفرنسي، وفي مرحلة ثالثة من التعديل الفرنسي في العام 2000 تم التوصل الى النص النهائي في احالة الملف من قاضي التحقيق الى نقابة المحامين التي تقرر وحدها ضمن صلاحيتها منع المحامي من ممارسة مهنته، والتي لم يأخذها ويتبناها المشرع اللبناني في المادة 111 فقرة ه أ.م.ج، ونذكر بأنه أخذ عبارة مجتزأة جداً وغير مطابقة بتاتاً للنص الفرنسي، بإيراده المنع فقط لبعض المهن دون الاشارة بتاتاً للمنع الذي يطال المحامي،
 
بالرغم من النص الواضح في التعديل الاخير للعام 2000 الذي نصّ بوضوح باستثناء المحامي بنص خاص ونزع صلاحية قاضي التحقيق وارجاع الصلاحية لنقابة المحامين في تقرير المنع، استنتجت الهيئة الاتهامية خطأ صفحة 5 من قرارها وخلافاً لنص المادة 138 فقرة 2-12، أن المشرع الفرنسي لم يستثني المحامي بنص خاص وأعطيت الصلاحية لقاضي التحقيق على ان تبلغ فقط نقابة المحامين في تقرير المنع، بعكس التحليل الذي اتبعوه وشرحوه في مضمون قرارهم وبعكس مضمون النص الفرنسي 138فقرة 2-12 للعام 2000 الواضح والمحدّد الذي نزع صلاحية قاضي التحقيق والزمه بابلاغ نقابة المحامين واعلان صلاحيتها الحصرية في منع المحامي من ممارسة مهنته، مما ادى الى أخطاء فادحة في بدء التحليل والاستنتاج، وكرّت الاخطاء من بعدها تباعاً.
 
رابعاً: الاستناد الى الاستنتاج الخاطئ للنص الفرنسي ومقارنته الخاطئة بالمادة 111 فقرة ه أ.م.ج والخطأ في تفسيرها وتطبيقها
 
انطلقت بعدها الهيئة الاتهامية من الاستنتاج الخاطئ للنص الفرنسي في المادة 138 فقرة 2-12، للمقارنة الخاطئة مع النص اللبناني والخطأ في تفسيره،  وصولاً للمادة 111 فقرة ه أ.م.ج وتفسيرها بشكل مخالف لمضمونها، فأكد ان هذا النص اعطى قاضي التحقيق، مهما كان نوع الجرم، بوضع المدعى عليه تحت الرقابة القضائية، للتوصل أنه لم يقيده بأي إجراء ولم يحدد نطاق المنع بحيث شمل كل المهن بعكس مضمون النص الصريح. وان المشرع اللبناني لم يقيد قاضي التحقيق بابلاغ نقابة المحامين، وبعدم استثنائه لمهنة المحاماة من المهن المشمولة بالمنع، يكون قد شاء ابقاء النص على اطلاقه، ولا يجوز تقييده ما لم يرد نص عليه، وعدم الاخذ بما توصل اليه المشرع في هذا المجال، كما أن نص قانون أصول المحاكمات الجزائية لاحق للنص الفرنسي، وان المشرع اللبناني لو اراد الاخذ بالنص الفرنسي لكان اورد استثناء المحامي من المنع، او اورد الزامية ابلاغ نقابة المحامين، او اعطاء النقابة الصلاحية، وطالما لم يأخذ بها يصبح غير جائزاً تقييده بأي شرط لم ينص عليه،
 
وسوف نبيّن المخالفات القانونية وتوضيحها تباعاً:
 
 
 
خامساً: المقارنة بين النص الفرنسي واللبناني
 
1- لجهة عبارة بعض المهن والاحالة الى نقابة المحامين
 
ان المادة 111 فقرة هاء ترجمت عن النص الفرنسي الذي استعمل عبارة عامة وهي منع ممارسة "بعض المهن" والمأخوذة جزئياً من المادة 138 فقرة 2-12 أصول محاكمات جزائية فرنسي، حيث استعمل المشرع عبارة certaines activites professionelles  اي منع بعض الانشطة المهنية، دون ان يتبنى المشرع اللبناني بقية النص التي تلزم قاضي التحقيق الاحالة الى نقابة المحامين صاحبة الصلاحية لاقرار منع مزاولة المهنة،
 
وهذا نص المادة 111 فقرة ه أ.م.ج   " عدم ممارسة بعض المهن التي يحظر عليه قاضي التحقيق ممارستها طيلة مدة المراقبة".   
 
اما نص المادة 138فقرة 2-12 :
 
« Ne pas se livrer a certaines activites de nature professionnelle ou sociale, a l exclusion de l exercice des mendats electifs et des responsabilites syndicales, lorsque l infraction a été commise dans lexercice ou a l occasion de l exercice de ces activites et lorsqu il est a redouter qu une nouvelle infractionsois commise. L orsque l activite concernee est celle d un avocat, le conseil de l ordre, saisi par le juge d instruction a seul le pouvoir de pronocer cette mesure a charge d appel dans les conditions prevues a l article 24 de la loi n 71-1130 du 1 decembre 1971 portant reforme de certaines professions judiciaires et juridiques, le conseil de l ordre statut dans les quinze jours ».
 
 
 
وبالتالي بالرغم من وضوح النص اللبناني الذي اورد عبارة "بعض المهن"، أخطأ قرار الهيئة الاتهامية بالمقارنة مع النص الفرنسي وبالاستنتاج والتفسير الخاطئ لنص المادة 111 فقرة هاء بأنها "شملت كل المهن"،
 
2- يرتكز النص الفرنسي المعدّل الحديث على استثناء المحامي من تدبير المنع
 
ارتكز النص الفرنسي الاصلي في المادة 138فقرة 2-12 المعدّلة عام 2000" على استثناء المحامي من تدبير المنع المعطى لقاضي التحقيق وكرّس الصلاحية لنقابة المحامين في تقدير منع المزاولة، ونزعها بالتالي من قاضي التحقيق وارجعها لنقابة المحامين في النص الفرنسي، والذي تبنى منه المشترع اللبناني المادة  111فقرة ه جزئياً، وتبعاً لذلك، لم يتبنى المشرّع اللبناني ولم يورد في النص اللبناني اية صلاحيات لقاضي التحقيق بالمنع او بإحالة الملف الى نقابة المحامين،
 
حيث ورد في المقطع الاخير من المادة 138فقرة 2-12 المعدّلة عام 2000"
 
« L orsque l activite concernee est celle d un avocat, le conseil de l ordre, saisi par le juge d instruction a seul le pouvoir de pronocer cette mesure a charge d appel dans les conditions prevues a l article 24 de la loi n 71-1130 du 1 decembre 1971 portant reforme de certaines professions judiciaires et juridiques, le conseil de l ordre statut dans les quinze jours ».
 
 
 
وبالتالي، عندما استبعد المشرع اللبناني النص الفرنسي، يكون منع قاضي التحقيق من الاحالة الى نقابة المحامين وليس إعطائه الصلاحية بمنع المحامي مزاولة مهنته بعد الغاء صلاحيته،
 
بالرغم من وضوح النص اللبناني الذي لم يتطرق لحالة وجود محام او لممارسة مهنة المحاماة كما جاء صراحة في نص المادة 138 فقرة 2-12 اصول فرنسية معدّلة للعام 2000، يكون المشرع اللبناني استبعد النص الفرنسي لناحية اعطاء الصلاحية لقاضي التحقيق بابلاغ النقابة واستبعد كلياً اعطائه الصلاحية باقرار المنع، كونها لم ترد اطلاقاً في النص الفرنسي المعدل ولا يمكن استنتاجها لعدم النص عليها، وبالتالي، ان الاستنتاج الوارد في القرارات الصادرة جاءت تشويها للنص الفرنسي واللبناني على السواء والخطأ في تطبيقهما،
 
مخالفين في قراراتهم مبدأ إعمال قاعدة لا عقوبة بدون نص، ولا اجتهاد في معرض النص الصريح، وعدم جواز التوسع بتفسير او تعطيل القوانين الخاصة لا سيما قانون تنظيم مهنة المحاماة في المواد 96و99و102 و108 وما يليها، واذا اراد القاضي الاخذ بنية المشرّع الفرنسي للنص الاساسي، اقلّه عليه الرجوع للنص الاصلي الكامل بإعطاء الصلاحية الحصرية لنقابة المحامين وتطوير وتحصين النصوص، والذي منه تمّ اخذ نص المادة 111 فقرة هاء الاساسي المجتزأ وغيرها من المبادئ.
 
3- ما تبقى من النص الفرنسي المنقول الى المادة 111فقرة ه أ.م.ج: وما هي القواعد التي ترعى تفسيرها
 
ان القانون الفرنسي عندما اورد في المادة 138فقرة2-12 أ.ج عبارة certaines activites de nature professionnel ، اي بعض النشاطات ذات الطبيعة المهنية وقابلها نص المادة 111 فقرة ه أ.م.ج "بعض المهن"، هو للتأكيد ان المقصود هو "بعض المهن وليس كلها" كون هناك استثناء للمحامي في النص الفرنسي، والا لتمت صياغة النص الفرنسي بعبارة "جميع النشاطات ذات الطبيعة المهنية"،
 
وفي النص اللبناني قابله الترجمة هي "بعض المهن" للتأكيد ان ليس جميع المهن مشمولة بنص المادة 111 فقرة ه أ.م.ج، لا سيما منها مهنة المحاماة المنظمة بقانون ويرعاها قانون خاص قانون تنظيم مهنة المحاماة، وينظم بوضوح حالة منع مزاولة المهنة، في المادة 99 منه وما يليها،
 
وان كل ما تبقى من النص الفرنسي في المادة 111فقرة ه هو ما يلي:
 
" عدم ممارسة بعض المهن التي يحظر عليه قاضي التحقيق ممارستها طيلة مدة المراقبة"
 
وبالتالي، مهنة المحاماة لا تدخل ضمن عبارة "بعض المهن" المذكورة في المادة 111 فقرة هاء أ.م.ج و والتي تقابلها العبارة الفرنسية certaines activites de nature professioonnel في المادة 138فقرة 2-12 أصول فرنسية
 
وان قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية كانت لديهما القناعة ان نص المادة 111 فقرة ه أ.م.ج لا تكفي لوحدها لمنع المحامي من مزاولة مهنته، فاستندا في قراراتهم الى الاستنتاج والى المقارنة مع المادة 138فقرة 2-12 فرنسي بشكل خاطئ، ودون الالتزام بالقواعد والمبادئ العامة والمواد الملزمة في قانون تنظيم مهنة المحاماة، والى تفسير وتشويه المواد والنصوص القانونية، والتي سنستعرضها تباعاً:
 
4- مخالفة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والتدابير(لا جريمة ولا عقوبة بدون نص)
 
ومن هنا، لا يمكن لقاضي التحقيق فرض اي عقوبة او تدبير احترازي بمنع محام من ممارسة مهنته دون وجود نص واضح في القانون اللبناني، ولوضوح النص الفرنسي المعدّل الاخير، وبالتالي يكون قاضي التحقيق ومن بعده الهيئة الاتهامية قد خالفا مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والتدابير التي تلزمهما التقيد بمبدأ لا جريمة ولا عقوبة بدون نص، وبصراحة المادة 111فقرة ه أ.م.ج والمواد 96و99و102 و108 وما يليها من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
 
5-لا اجتهاد في معرض النص الواضح في المادة 111فقرة ه أ.م.ج والمادة 99 وما يليها من قانون تنظيم مهنة المحاماة، ومبدأ النص الخاص يقدم على النص العام والقانون الخاص يفسّر بالمعنى الضيق
 
لا يجوز الاجتهاد في معرض النص الصريح، واذا افترضنا وجود نقص في المادة 111  فقرة ه أ.م.ج ويتوجب شرحها على ضوء المواد 96و99و102 و108 وما يليها من قانون تنظيم مهنة المحاماة ، وعند عدم وجود نص في قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني يعطي الحق بوضوح لقاضي التحقيق بفرض المنع او الاحالة الى نقابة المحامين، عندها على قاضي التحقيق ان يعود الى النصوص النافذة والالتزام بها، بخاصة قانون تنظيم مهنة المحاماة التي اعطت الصلاحية الحصرية والمباشرة للمجلس التأديبي في نقابة المحامين، واستئئنافا لمحكمة الاستئناف النقابية، بتقرير المنع من دونه، ولا يحق له مخالفتها، واستنتاج او استنباط تدابير او عقوبات غير منصوص عليها في القانون، بخاصة احتراما لمبدأ لا عقوبة او تدبير بدون نص قانوني، ومن هنا لا يستطيع القاضي ان يختلق او يبتكر تدابير او عقوبات لا ينص عليها القانون، بخاصة عند النص الواضح والمحدد الذي لا يمكن تجاوزه،
 
ويكون التعليل قد خالف النص الواضح حيث لا اجتهاد في معرض النص الواضح والخاص والنافذ من قانون تنظيم مهنة المحاماة، بخاصة ان المادة 111 فقرة ه أ.م.ج لم تأتي على ذكر مهنة المحاماة، واكتفت بعبارة عامة وهي بعض المهن، ويتوجب اعمال مبدأ النص الخاص يقدم على النص العام وهو مبدأ معمول به في كافة فروع القانون وبشكل اولى في قانون الاصول الجزائية
 
يراجع: " ومما لا شك فيه ان القانون الخاص يفسّر، بل يجب ان يفسّر بشكل ضيّق. والعبرة في ذلك تكمن في ان احكامه وضعت لاسباب واهداف خاصة بجمهرة المحامين. لذلك فمن الواجب تفسيرها "ضمن الاطار"الذي كان سبب استحداثها.وهذه القاعدة تجد مبررها في المبدأ الكلي.
 
 Exceptio est strictissimae interpretatiois (les excéptions sont d interprétations stricte)
 
والفقه صريح بهذا المعنى. كذلك الاجتهاد الذي قرر ويقرر بأن النصوص الخاصة تفسّر بشكل ضيّق، ولا يجوز اضافة حالات على تلك النصوص عليها في هذه التشريعات (محكمة التمييز المدنية، قرار رقم 97، تاريخ 7 أيار 1968. مجلة العدل لعام 1968 ص 705.
 
Jean carbonnier :Droit civil tome 1.collection Thémis. 1967 p83-“la loi special étant exceptionnelle sera interprétée strictement.. »
 
الياس ابو عيد، المحامي، الجزء الاول، 2007، صفحة 36
 
 
 
سادساً: النص العام اللاحق في المادة 111أ.م.ج الفقرة هاء، لا يلغي النصوص الخاصة السابقة في قانون تنظيم مهنة المحاماة 8/70 ، مقارنة مع النص الفرنسي:
 
من مراجعة المادة 111أ.م.ج الفقرة هاء تحديداً، نجد انها جاءت في نص عام هو قانون اصول المحاكمات الجزائية، وفي فقرة عامة ومبهمة، وتحدثت عن منع ممارسة بعض المهن وليس كل المهن، ان لهيئة الاتهامية أخطأت عند القول ان نص المادة 111أ.م.ج الفقرة هاء، قد تم تعديله في العام 2001 وجاء بعد نص وقانون تنظيم مهنة المحاماة في العام 1970 ويعدل بذلك قانون تنظيم مهنة المحاماة 8/70، فهذا القول لا يستقيم مع مبدأ تقدم النص الخاص على النص العام، كمالا يستقيم كونه لتعديل نص خاص يجب ذكره بالنص العام بوضوح وتحديده كما حصل في النص الفرنسي في المادة 138 فقرة 2-12 للعام 1993 و200 واحالت في التعديلين الى قانون تنظيم المحاماة الفرنسي والى مواده بشكل محدد،
 
وبالتالي، عدم ذكر قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 8/70 وتعديلاته وموادها بشكل صريح التي لديها الصلاحية الخاصة والحصرية بمنع المحامين من ممارسة مهنتهم، وترعاها اصول محددة، يؤكد بشكل قاطع عدم شمول مهنة المحاماة وقانونها ونصوصها في هذا النص العام والمبهم.
 
سابعاً: ميّز القانون اللبناني بين المهن المنظمة بقانون وبين باقي المهن
 
فعلى سبيل المثال ميّز قانون الايجارات الجديد رقم 2/2017 في المادة 39 منه بين الاماكن المؤجرة لغايات تجارية وبين الاماكن المؤجرة لممارسة مهنة حرّة منظمة بقانون وبين الاماكن او المهن الاخرى، وأفرد لكل مجموعة اصول خاصة بها نظراً لاختلاف طبيعتها ونوعية القواعد التي ترعاها،
 
فلو كان المشرع الفرنسي حصر منع المزاولة ببعض النشاطات المهنية والاجتماعية، واذا كان المشرع اللبناني على دراية كافية بتنوع المهن، وحصرت المادة 111 فقرة ه أ.م.ج بمنع مزاولة بعض المهن دون التعميمً، فلا يمكن الاستنتاج بأنها تشمل مهنة المحاماة المنظمة بقانون.
 
ثامناً التمييز بين نقابات المهن وبين نقابة المحامين:
 
إن عبارة بعض المهن الواردة في تعريف المادة 111 أ.م.ج فقرة هاء، تنطبق على مهنة المحاماة ونقابة المحامين، فهذا لا يستقيم قانوناً كما بينا، اذ قد تكون اي مهنة او حرفة، كالصيرفي او القابلات القانونيات او النجار والحداد،او اي عمل مهني بشكل عام وواسع، بعكس المحاماة التي تساهم في الخدمة العامة، وفقاً للمادة الثانية محاماة، وان نقابة المحامين ليست كباقي المهن، بخاصة انها اكثر من مهنة تهدف الى تحقيق رسالة العدالة كما أوضحنا، ولها قانون خاص يرعاها هو تنظيم مهنة المحاماة. ويتضمن قانونها 8/70 مواداً محددة واصولاً واضحة للمحاكمات توصلاً لفرض العقوبات في الاساس ومن بينها منع مزاولة المهنة من المجلس التأديبي وقرارتها قابلة للاستئناف امام محكمة الاستئناف النقابية ، ويجب تفسير نصوصه بالمعنى الضيق.
 
 ويعود لنقابة المحامين أن تقيّم المنتسبين اليها وفتح الدورات للانتساب اليها، وتمنح إذن مزاولة المهنة وتعليق انتسابهم او شطبهم او منعهم من مزاولتها المادة 96 محاماة وما يليها، وليس من قبل اي وزارة او مرجعية اخرى كوزارة العدل، وعلى عكس الطبيب الذي يخضع لفحص الكولوكيوم في وزارة الصحة وتمنحه العلامات والاذن وكذلك بالنسبة للمهندسين الذين يتقدمون من وزارة الأشغال ويمنحون الاذن.
 
 تاسعاً: نقابة المحامين ordre des avocat  وليست نقابة مهنة  syndicatبالمعنى الوارد في المادة 111فقرة هاءأ.م.ج
 
اضافة للفرق الشاسع بين نقابات المهنsyndicat وبين وال ordre des avocat أي نقابة المحامين، في الانشاء والتأسيس والادارة والخضوع، فالاولى قد تنشأ بقرار من وزير العمل او من قبل باقي الوزراء كأغلبية النقابات،  بينما نقابة المحامين انشئت في العام 1919 قبل انشاء لبنان الكبير في العام 1920 وتعتبر المدماك الأول لتي ساهمت بإنشائه واستقلاله لاحقاً في العام 1943، وكان لها اول قانون في العام 1945، ومن ثم كان لها قانون خاص شامل بها في العام 1970 تحت رقم 8/70 المعدّل بموجب القانون 42/ 91الغى القانون القديم الصادر في العام 1945، ويرعى شؤونها ويعطي للمحامي ذات الحصانات المعطاة للقاضي، وان اي تعد على محام يعاقب عليه القانون كالاعتداء على قاض اثناء ممارسته لمهنته استنادا الى المادة 76 محاماة ، ويخضع المحامي للملاحقة امام المجلس التأديبي والعقوبة استناداً الى المادة 35 من قاتون تنظيم مهنة المحاماة القديمة التي تقابلها المادة 99 من قانون 8/70 ،
 
 وان نص المادة 111 أ.م.ج فقرة هاء بذكرها عبارة "منع ممارسة بعض المهن" بشكل عام يكون المشرع اللبناني قيّد قاضي التحقيق ببعض المهن، ولم يعممها على كافة المهن ومن ضمنها مهنة المحاماة المنظمة بقانون، وذكّره ضمنا المشرّع مراجعة قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 8/70وتعديلاته، بخاصة المواد 96و99و102و108 وما يليها من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
 
عاشراً: في تشويه المقارنة بين النص اللبناني المختصر والمجتزأ والمترجم بطريقة متمايزة عن النص الفرنسي الكامل والمختلف عنه في الشكل والاساس
 
في الشكل: ان تعليل القرارات مخالف لصراحة النص الفرنسي 138 فقرة 2-12 ولتشويه مقارنته في الشكل مع النص اللبناني 111 فقرة ه أ.م.ج التي اتت ترجمته مختلفة ومجتزأة ومختصرة ببعض العبارات عن النص الفرنسي 138 فقرة 2- 12، بحيث اتى النص اللبناني مقتصراً على عبارة منع ممارسة بعض المهن بشكل جزئي، دون التطرق لصلاحية قاضي التحقيق،
 
 وفي الاساس: نزع النص الفرنسي صراحة صلاحية قاضي التحقيق بفرض تدبير المنع بحق المحامي، وأعادها الى مصدرها الاساسي وهو مجلس نقابة المحامين، فإذا اراد قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية الرجوع الى نيّة المشترع الفرنسي او الاستنتاج، فيكون بنزع صلاحية قاضي التحقيق وحصرية الصلاحية بنقابة المحامين كما جاء في التعديل الاخير للنص الفرنسي، لا الاستنتاج والمقارنة الجزئية والمشوهة لمضمون المواد،
 
وعند عدم تبني المشرع اللبناني لنص المادة 138 فقرة 2-12 فرنسي للعام 2000، مما يؤكد ان لا صلاحية لقاضي التحقيق لعدم النص عليها بالمطلق ونزع صلاحيته كاملة لناحية منع المحامي من مزاولة مهنته نصاً وتطبيقاً، ولا يستطيع التعليل القفز فوق المادة الاصلية، واختيار النص الفرنسي القديم الملغى للعام 1993، ويتجاوز المشرع اللبناني والنص الواضح، وينسب صلاحية لقاضي التحقيق غير موجودة وملغاة، بل تعود لنقابة المحامين في نص واضح.
 
أحد عشر: التمييز بين العقوبة المسلكية والتدبير الرقابي لا يستقيم لانتفاء النص
 
اما التعليل الوارد عن الهيئة الاتهامية أن الاجراء المتخذ من قاضي التحقيق هو تدبير لازم لانفاذ الرقابة القضائية والتدبير المتخذ من النقابة هو عقوبة مسلكية، لا يستقيم بعد الغاء الصلاحية المعطاة لقاضي التحقيق الفرنسي في المادة 138فقرة 2-12 للعام 2000، واعادة الصلاحية لنقابة المحامين، ولعدم النص على اية صلاحيات في المادة 111أ.م.ج التي لم تتبنى لا النص الفرنسي للعام 1993 الملغى او النص المعدّل للعام 2000، بحيث ابقتها لنقابة المحامين ولقانون تنظيم مهنة المحاماة.
 
إثنا عشر: المادة 111أ.م.ج اوردت عبارة "مهما كان نوع الجرم" لشمول جميع الجرائم بينما اوردت عبارة "بعض المهن" لعدم شمولية جميع المهن
 
 
أخطأت الهيئة الاتهامية في تطبيق وتفسير المادة111 فقرة ه أ.م.ج عندما اعتبرت اعطاء قاضي التحقيق صلاحية المنع والوضع تحت الرقابة القضائية تشمل جميع الجرائم  والتي وردت في مقدمة المادة 111أ.م.ج بعبارة "مهما كان نوع الجرم" ، وربطتها بشكل خاطئ بالفقرة هاء، للقول أن المشرع لم يقيده بأي إجراء ولم يحدد نطاق المنع "بحيث شمل كل المهن"، بحيث شوّهت نص المادة 111 أ.م.ج التي اوردت بوضوح عبارة "بعض المهن" وأخطأ في تفسيرها وتطبيقها.
 
 ولو اراد المشرع، ان يشمل المنع "كل المهن" لأوردها صراحة بعبارة مماثلة " لعبارة "مهما كان نوع الجرم"فتصبح "مهما كان نوع المهنة" او تشمل "كافة المهن" وليس عبارة "بعض المهن" كما وردت بوضوح في المادة 111 فقرة هاء أ.م.ج،
 
ثلاثة عشر:عدم جواز المقارنة عامة لعدم تبني النص اللبناني للنص الفرنسي كاملاً، واذا صحّ الاستناج فيكون بالرجوع الى النص الفرنسي الاصلي المادة 138فقرة 2-12 والى النصوص اللبنانية
 
إن القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق وبعده عن الهيئة الاتهامية، مخالف للنص اللبناني في المادة 111 فقرة ه أ.م.ج الذي لم يتبنى مطلقا كامل النص الوارد في المادة 138فقرة 2-12 ولم يذكر هذه الصلاحية لقاضي التحقيق لا لجهة منع المحامي من ممارسة مهنته كما هو في التعديل الفرنسي للعام 1993، وبخاصة لم يتبنى المشترع نص المادة 138 فقرة 2-12 المعدلة في العام 2000 التي طلبت من قاضي التحقيق الاحالة الى نقابة المحامين لاتخاذ وتقدير اتخاذ اي تدبير بحق المحامين، وبانتفاء النص الصريح يكون المشرع اللبناني منع على قاضي التحقيق اساساً التدخل والاحالة الى نقابة المحامين في الشكل، وفي الاساس كرس صلاحية نقابة المحامين في المواد 96و99و102و108 وما يليها من قانون تنظيم مهنة المحاماة  والمكرسة في المادة 138 فقرة 2-12 اصول جزائية فرنسي،
 
يكون استبعد المشرع اللبناني تطبيقها كلياً ، بخاصة التدخل في ممارسة مهنة المحاماة ومنع مزاولتها من اية مرجعية قضائية، او حتى الاحالة الى نقابة المحامين من قاضي التحقيق، بحيث يعود الى المجلس التأديبي الصلاحية الحصرية بتقرير منع مزاولة المهنة، واستئنافاً امام محكمة الاستئناف النقابية،
 
واذا صح الاستنتاح يكون في الرجوع الى النص الفرنسي الاصلي والذي استوحى منه المشرع اللبناني لا سيما المادة 138فقرة 2-12 المعدّل للعام 2000 ، الذي الزم قاضي التحقيق الاحالة الى مجلس نقابة المحامين التي تعود اليها حصراً تقرير منع المزاولة استناداً الى قانون تنظيم مهنتهم الفرنسي، وبالتالي منع النص الفرنسي قاضي التحقيق من اتخاذ اي تدبير بمنع المحامي من مزاولة مهنته، وبالطبع عند الاستنتاج على القاضي ايضا أن يراجع النص اللبناني المطابق للنص الفرنسي والمبادئ العامة الملزمة، وبخاصة قانون تنظيم مهنة المحاماة، التي تعطي الصلاحية الحصرية للمجلس التأديبي في نقابة المحامين بمنع المحامي من مزاولة مهنته قابلة للاستئناف، كما القانون الفرنسي،
 
أربعة عشر: في عدم جواز فرض صلاحية لقاضي التحقيق دون نص مكتوب وواضح كما جاء في القانون الفرنسي سواء في التعديل العام 1993 او العام 2000 للمادة 138فقرة 2-12 وهذا ما خالفه قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية في استنتاجها وقراراتها
 
أكد قرار الهيئة الاتهامية على التعديل الحاصل في القانون الفرنسي في المادة 138 فقرة 2-12 بحيث كانت تشمل بعض المهن قبل العام 1993 ، وفي التعديل الذي طالها في 4/1/1993 حدّد المشرع الفرنسي انه في حالة  كان النشاط متعلّق بمحام تعود الصلاحية لقاضي التحقيق ان يفرض تدبير منع من مزاولة المهنة، وابلاغ نقابة المحامين لاتخاذ التدبير المناسب بحسب قانونها، وفي تعديل المادة 138فقرة 2-12 الاخير اصبحت الصلاحية محصورة بنقابة المحامين بمنع المزاولة من المهنة،
 
ولكن الهيئة الاتهامية أخطأت عندما لم توضح ان المشرّع الفرنسي لم يعط قاضي التحقيق هذه الصلاحية الا بنص واضح ومكتوب بعد ذكر حالة وجود محام بنص واضح، ونظّم الاصول الواجب ان يتبعها قاضي التحقيق سواء في التعديل عام 1993 بإعطائه الصلاحية بمنع محام من مزاولة مهنته وابلاغ نقابة المحامين التي تطبق بعدها المادة 23 من قانون رقم 71-1130 تاريخ 31 كانون الاول 1971،  وسواء في التعديل عام 2000 عندما نزع الصلاحية من قاضي التحقيق واعادها لمجلس النقابة واشار المشرع بوضوح تطبيق المادة 24 من قانون رقم 71-1130 تاريخ 31 كانون الاول 1971، ونص على الاجراءات التي على قاضي التحقيق اتباعها،
 
وبالتالي، ان المشرع الفرنسي اعطى الصلاحية بنص مكتوب وواضح عندما يتعلق بمحام، ونزعها ونظمها بنص مكتوب وواضح، ولا يمكن الاستنتاج عندما يكون هناك قانون خاص يرعى ويحدد مهنة المحاماة كما هي الحالة في النص الفرنسي واللبناني في قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 8/70 وتعديلاته،  ولا يمكن استنتاج صلاحية وانتقاء اجراءات غير منصوص عليها ونسبها لقاضي التحقيق، وهذه من الاخطاء التي وقع فيها قاضي التحقيق وبعده الهيئة الاتهامية،
 
 
 
خمسة عشر: تجاوز اذن الادعاء والملاحقة والحصانة وصلاحية المنع تحوّل نقابة المحامين الى نقابة موظفين
 
 ان عدم احترام القوانين النافذة والاصول واجراءات قانون تنظيم مهنة المحاماة وقانون اصول  المحاكمات الجزائية، يمكن ان يحوّل نقابة المحامين والمحامين من نقابة الحريات الى نقابة موظفين تابعين، وتنزع عنهم الحصانات وتتم ملاحقتهم بطريقة مخالفة للقانون ودون الرجوع لنقابتهم، بحيث رأينا مؤخراً ادعاء النيابة العامة على محام بعد ان اعتبرت ان الجرم مشهود، واحالته الى قاضي التحقيق بالرغم من ان النص يفرض ابلاغ نقابة المحامين بالرغم من الجرم المشهود، حيث يتوجب الحصول في مطلق الاحوال على اذن الادعاء والملاحقة الامر الذي لم يحصل، والمخالفة الثانية اعطاء صلاحيات لقاضي التحقيق تعود حصراً لنقيب المحامين وللمجلس التأديبي والمنصوص عليها بوضوح في قانون تنظيم مهنة المحاماة،
 
وبذلك، نكون الغينا ضمنا قانون تنظيم مهنة المحاماة ومواده والحصانة التي يتمتع بها المحامي، والقضاء على آخر معقل للدفاع عن الحريات والحقوق، بخاصة وسط التجاذبات السياسية التي تتداخل مع بعض الملفات التي تستهدف نقابة المحامين والمحامين، لنزع الحصانات عنهم ومنعهم من مزاولة مهنتهم  تحت أطر ومناكفات سياسية، وتتحول الى وسيلة ضغط. مما يلحق الضرر مباشرة بالمحامين وبنقابة المحامين لردعها عن القيام بالمسؤوليات الوطنية بالدفاع عن الحريات وحماية المواطنين والمحامين المنتسبين اليها، والاهم في نضالها الوطني وفي تعديل القوانين التي تساهم في استقلالية القضاء وفي تحصين الدفاع عن المواطنين، وتأمين حق الدفاع المقدس لهم، ومعها القضاء على امل الاجيال القادمة في بناء مجتمع العدالة وبناء دولة القانون.