<
01 September 2018
لن يسمح العهد بأن تطول أزمة التأليف إلى ما لا نهاية (بقلم جورج عبيد)

حقيقة واحدة تجمع اللبنانيين اليوم، وهي كيف يمكن تسديد الاستحقاقات المتوجّبة عليهم من أقساط مدرسيّة وجامعيّة وهم على أبواب افتتاح سنة مدرسية وجامعية جديدة، فيما لبنان يعيش أزمة حكم ونظام تشتدّ حدّتها وتفتك بحياتنا، وعلى الرغم من بعض الإيجابيات الظاهرة لا تزال الحلول المنشودة محجوبة ومخفيّة بانتظار ما سيتمّ حسمه في الخارج وبالتحديد في إدلب وما إليها.

ما لا يدركه المواطنون الكرام، أنّ المسألة الاقتصادية المتراكمة بعناوينها واستحقاقاتها باتت جزءًا من لعبة التأزيم السياسيّة المفتعل والمصاحب للنقاش الصاخب تحت عنوان تأليف الحكومة. الشيء الجوهريّ هنا، الذي يمكن التماسه برحابة، أن عددًا كبيرًا من القيادات السياسيّة تتعاطى مع الواقع السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ بقلّة إحساس بل بعدم إحساس للمخاطر المستنزلة على الأفراد في منازلهم وعلى الشعب كمجموعة تؤلّف هذا الوطن. ويقول أحد القديسين في المسيحيّة بأنّ الخطيئة العظمى تتأتّى من عدم الإحساس، أي ان الإحساس عند الساسة هنا وثمّة يصير خشبيًّا. مشكلة هؤلاء أنّهم وبمعظم تلاوينهم وأطيافهم يتعاطون مع لبنان وكما قال الإمام المغيّب موسى الصدر على انّه شركة عقاريّة يتقاسمونها فيما بينهم وهم لا يفهمون معنى الوطن. "إنه شركة تجارية تنبع كلّ يوم فقرًا"، ماذا يعرف هؤلاء السياسيون، وكما قال عن لبنان الإنسان والحضارة والتاريخ؟ ,ابلغ كلام قاله: "إن لبنان للمسيحيين والمسلمين. وأنتم أيها السياسيون، آفّة لبنان وبلاؤه وانحرافه ومرضه وكلّ مصيبة، إنكم الأزمة. إرحلوا عن لبنان، ليس بين المسلم والمسيحيّ إلاّ التآخي والتكاتف والمساواة حتّى في الحرمان".
في حمأة النقاش الصاخب حول التأليف، تستهلك المسألة الاجتماعية بلقمة المواطنين بهدف ضرب الجوهر الذي قام عليه عهد الرئيس ميشال عون. لقد قام على مبدأين تاق الرئيس إلى السير بهما، وهما: الإصلاح السياسيّ والإداريّ والماليّ، ومكافحة الفساد وإعادة الحقوق للبنانيين. ومن شروط فخامته أن تولد حكومة تجسّد توقه وتحقّق رؤيته ولا تنفصل عن مسار عهده وتطهّر البلد من أدران الفساد ووسخ الفاسدين والمفسدين وتعيد إليه توزانه المطلوب، فيرتاح الشيخ والكهل والشاب إلى المستقبل بما يحقّ من حقوق، وترتاح المرأة إلى حقوقها ودورها الباعث الحياة والطراوة إلى كلّ مفاصل الحياة.


ضرب جوهر العهد هو مبتغى الطبقة السياسيّة المواجهة للعهد ومشتهى إرادتها وهدف حراكها في سبيل تطويقه وتقزيمه. وعلى الرغم من الارتكاز الموضوعيّ على توصيف كهذا، فإنّ القضيّة باتت أبعد مسافة من الأحجام الداخلية ومن الأدوار المحليّة، والخلاف على المفاهيم السياسيّة بجوهرها المتصاعد، بات جزءًا من صراع أخرويّ مستهلك ومتملّك بمعظم تفاصيلنا وعناويننا الداخليّة ويجذبها إلى رؤاه ومقيمها في مصالحه لتكون مجرّد أوراق في حروبه أو تسوياته بنا وعلينا. ما رآه كثيرون في مراقبتهم للاصطفاف الحاليّ المنبسط في قلب الحياة السياسيّة اللبنانيّة، بأنّ عهد الوصايات لم ينته بعد في لبنان. فاتفاق الطائف نما بتسوية وصفقة أميركيّة-سوريّة-سعوديّة، رمت لبنان في تلك اللحظات تحت وصاية ضباط سوريين كانوا يتمكنّون من الحكم، ويتخاطبون مع السياسيين اللبنانيين ومهما علا كعبهم وارتفعوا في مواقعهم بلغة سوقيّة وفوقيّة مقزّزة للأبدان وثمّة ما هو أفظع ويترك هذا للتاريخ حتى يظهره رويدًا رويدًا، ومن ثمّ يتشاركون في أعمال مع هؤلاء ويأكلون من خيرات مرافئنا ومرافقنا على حسابنا.
ومع نهاية الوصاية السوريّة في لبنان وعليه، وبلوغ العلاقة السوريّة-السعوديّة مرحلة الصدام والحروب، معظم الذيبن كانوا يحيون في كنف الوصاية السوريّة أو بعض الذين تمرّدوا عليها في الأصل، اتجهوا نحو وصاية سعوديّة وإن برزت جوفاء في ظروفها الحاليّة-الواقعيّة، وباتوا في مواجهة مع عهد راق يشاء بناء لبنان على القواعد الميثاقيّة والسياديّة، ويريد أن يقيم علاقة متوازنة مع سوريا لا تقوم على أية تبعيّة مطلقة بل على قاعدتين سبق أن ذكرنا بهما في هذا المنبر، وهما: لبنان لا يحكم من سوريا ولبنان ليس ممرًّا للمؤامرات عل سوريا علمًا بأنّ القيادة السورية قامت بمجموعة مراجعات نقديّة وعميقة لمسيرتها في لبنان ووضعت اليد على الثغرات وليس بالوارد إطلاق العنان لما كان سائدًا بل هو بالضبط ممجوج وملفوظ من جوهر رؤيتهم.


من يحاول ضرب العهد أو تطويقه بمفاهيمه الخاصّة وتبعياته المتعدّدة لا يمكن له أن يكون شريكًا في التكوين الحكوميّ وفي الشراكة الوطنيّة، بحسب تعبير مصدر قريب من العهد. ويرى هذا المصدر بأنّ هؤلاء يستنفدون الوسائل كافّة للتهويل والتطبيل وإخافة الناس فيقوم هؤلاء بتصديقهم فيبدأون بالحملات على العهد ورئيسه، متهمين إياه بأنّه أصل البِلى والنوائب محملينه كلّ مسؤولية السوء في لبنان. وينطلقون بحملاتهم بالقول بأن الليرة ستنهار والعقوبات على لبنان ستشتدّ إذا دخل حزب الله شريكًا، وأهل الخليج سيبقون بعيدين سياحيًّا عن البلد، وأقساط المدارس على غلاء مستفحل، والمعيشة باتت في أعلى درجات الغليان، وماذا بعد؟ فليتفضّل العهد ويتحمل مسؤوليّته.


كل هذا الكلام المقال وبحسب المصدر القريب من العهد يتحمّل مسؤوليته بالدرجة الأولى عشراء الوصايات على شتّى أنواعها والمستولودون منها وهم من يعرقلون تأليف الحكومة، ويتحمل مسؤوليته بعض السياسيين وقد تحوّلوا وكما قال الإمام المغيّب موسى الصدر إلى مصاصي دماء ومنتهكي الأموال ومنتجي الفقر للناس، إنهم أوصلوا البلد إلى مديونية كبرى بلغت 130 مليار دولار وليس 83 مليار دولار، نتيجة الهدر والفساد والرقم الأخير يتم استعماله للتخفيف فقط، ولا يتحمّل رئيس الجمهورية مسؤوليته لأنّه الساهر أبدًا على تطبيق الدستور. وبناء عليه وبحسب المصدر عينه، فإنّ فخامة الرئيس العماد ميشال عون، سيحتفظ بحقّه الدستوريّ القائم في المادة 53 من الدستور ومندرجاته وتفاعلاته بحال تأخّر رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري باقتراح تشكيلته. فهو لن يكتفي بحال وجود تشكيلة غير متوازنة برفضها، بل سيدعو المجلس النيابيّ إلى تحمل مسؤوليته الدستورية، فللنائب الذي صوّت للرئيس الحريري حينئذ أن يسحبه منه، فهو خاضع للإرادة الذاتية عند النائب، ولا يستطيع رئيس الحكومة أن يعتبر نفسه مكلّفًا إلى ما لا نهاية.


ويكمل المصدر قائلاً: "إنّ فخامة الرئيس متحسّس للواقع المعيشيّ الصعب، والناس على أبواب المدارس والجامعات والأقساط إلى غلاء فاحش..." (هل يصدّق أحد أن قسط طفل في صف الثالث ابتدائي وفي إحدى المدارس قد بلغ 12 مليون ليرة لبنانيّة، أي تسعة ملايين دولار من دون تفسير وتوضيح لهذا الغلاء ومعناه وأسبابه؟) وهو لن ينتظر إلى ما لا نهاية من أجل تأليف الحكومة. لم يعد فخامته مهتمًّا بالكلام عن الأحجام هنا وهنالك، على الرغم من أنه مهتمّ بعدالة التمثيل كحقّ وضعيّ أنتجته الانتخابات، بل هو مهتمّ بمعيشة الناس وعدم استغلالها كأداة ضاغطة في صراع التأليف على العهد، فهو لن يسمح بالتلاعب بلقمة الناس وحياتهم، ولن يسمح باستبقاء الغلاء الفاحش كوحش مفترس لحياة الناس وكرامتهم فيذلّهم إلى حضيض الأرض إذلالاً شديدًا، ومن اجل كل ذلك سيكون له الموقف الفصل والفيصل خلال أيام معدودات... وإذا فشل رئيس الحكومة في التأليف وتلك ليست رغبته، فلن يسمح للفشل أن يطال العهد، بل سيتحمّل كامل المسؤولية الدستوريّة ضمن الخيارات الشرعية المتاحة أمامه.


لبنان على قاب قوسين من مجموعة تسويات واضحة، ومن غير المسموح أن يظلّ فريسة الفراغ وأسير الفساد وضحية لسياسيين همهم القفز من واد إلى واد ولو على حساب كرامة لبنان. فليفهموا معنى لبنان وجوهره ولتتألف حكومة على مستوى جوهر لبنان النقيّ والبهيّ.