<
30 August 2018
ليس من تعدٍّ على صلاحيات رئاسة الحكومة بل التعدّي على عهد آمن بالميثاق الوطنيّ (بقلم جورج عبيد)

ثمّة آفّة ممجوجة رسخت في الطائفة السنيّة الكريمة بمختلف أطيافها المتيامين ما بين الرابع عشر من آذار أو الثامن من آذار، تتلخّص بالعنوان التالي: "ممنوع المسّ بصلاحيات رئيس الوزراء". هذا العنوان جذب أوساطًا عديدة، لم تتجمّد في الطائفيات السياسية، ولم تتجلّد في حروفياتها النافرة والباردة والمتصحّرة، ولم يستهوها الخوض في غمارها، فطرحت السؤال التالي: "من يمسّ بصلاحيات رئيس الحكومة لكي يعلو الصراخ والاحتجاج بهذه الكثافة وتلك الدسامة ومن دون وسامة أو رشاقة في التعبير، سواء في الشكل والمضمون؟ وتعطف الأوساط السؤال على لحظات تاريخيّة تراصفت أفقيًّا وتراكمت عموديًّا فاحتشدت وتجمعت بطبقاتها ومستوياتها ضمن رؤية وجدت عند زعماء الطائفة السنيّة الكريمة خلال الحرب اللبنانيّة، همّها القضاء على المارونيّة السياسيّة بكافة الوسائل الممكنة وغير الممكنة أيضًا.

تلك الأوساط ربطت بين الصراخ الحاليّ والصراخ الطالع من وادي الأحداث وركامها ودماء ضحاياها النازفة، وقد غدا ماضويًّا، لتخلص إلى أنّ الساسة السنّة في لبنان يخشون دومًا من إطلالة المارونيّة السياسيّة من جديد وانطلاقتها بخفر في البدء، فتمتّن حضورها النوعيّ في السياسة لا سيّما في العنوان المثار حاليًا وبصخب كبير، وهو تأليف الحكومة. وتوقفت الأوساط نفسها عند اتفاق الطائف لتؤكّد بأنّه سلب من المسيحيين وبتسليم مطلق من البطريرك المارونيّ آنذاك مار نصرالله بطرس صفير ورئيس حزب الكتائب اللبنانيّ الدكتور جورج سعادة وقائد القوات اللبنانيّة الدكتور سمير جعجع وعدد من القادة المسيحيين الآخرين والنواب الذين توافدوا إلى مدينة الطائف حقوقهم ودورهم ووجودهم، وعرّوهم من مقوّمات الوجود النوعيّ الحرّ ورموهم في بحر هائج ومائج من المتغيّرات والرهانات السياسيّ والجيو-سياسيّة الخطيرة من لبنان إلى المنطقة، فجعلوهم مجرّد كائنات بيولوجيّة "مستولدة في كنف الآخرين"، و"تفليسة سائبة"، كما سلب من رئيس الجمهورية صلاحيات، فأذيبت موجوديته وهمّش حضوره، (هل من أحد يتذكّر العبارة الشهيرة واللازمة الرتيبة التي كررها وزير الإعلام خلال عهد الرئيس الياس الهراوي، "بدعوة من رئيس مجلس الوزراء عقد مجلس الوزراء جلسته، حضر رئيس الجمهورية فترأّس...؟ وقد أبطلت وأزيلت في عهد الرئيس السابق للجمهورية العماد إميل لحود) وهتكت كرامته، وهشّم دوره، فتحوّل الرئيس إلى حكم  Arbitre وإلى راع Sponsor على الرغم من بعض الصلاحيات المتروكة له كما في المادة 49 وفيها "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة البلد. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقًا لأحكام الدستور. يرأس المجلس الأعالى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء". ولكن في موادّ دستوريّة أخرى، يحتلّ رئيس الحكومة موقعًا كبيرًا في القرار ما خلا مرسوم تكليف رئيس الحكومة فهو عائد حصرًا لرئيس الجمهوريّة بحسب منطوق المادة المادة 53 الفقرة 3 "يصدر مرسوم تسمية مجلس الوزراء منفردًا"، والمادة 56 حيث "يصدر المراسيم ويطلب نشرها، وله الحقّ الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة الطلب في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمس عشرة يومًا من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية، وإذا أصرّ مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو أنفضت المهلة دون إصدار المرسوم وإعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذًا حكمًا ووجب نشره". والصراخ من نتاج السنيّة السياسيّة بالاتفاق آنذاك مع الشيعية السياسيّة والدرزيّة السياسيّة، لقد قضى الطائف على المارونية السياسية، وأنتج بالمقابل طائفيات سياسيّة أخرى همّشت مكوّنًا ساهم بالتكوين اللبنانيّ والمشرقيّ.

تستشهد الأوساط بتلك المواد الدستورية لتشير إلى أنّ صلاحيات رئيس الحكومة قائمة ولا تمسّ وتظهرها المادة 64 من الدستور بكلّ فقراتها. وعلى الرغم من أنّ المادة التي تليها وهي المادة 65 من الدستور قالت "تناط السلطة الإجرائيّة بمجلس الوزراء وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلّحة، و(هذا تجويف آخر للمادة 49 حيث القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء ليبدو رئيس الجمهورية خاضعًا لهذه السلطة)، فإنّ الواقع المنظور والمعيش يجافي النصّ بتكوينه ورؤيته، إذ بالممارسة تصير السلطة الإجرائية بيد رئيس الحكومة وليس تحت سلطة مجلس الوزراء مجتمعًا، ولنا أمثلة كثيرة خلال تولّي الرئيس رفيق الحريري رئاسة الحكومة وبعده الرئيس فؤاد السنيورة.

أمام ذلك لا معنى حقيقيًّا للإدّعاء والزعم بأنّ ثمّة مسًّا بصلاحيات رئيس الحكومة بقدر ما أنّ المسّ على مر عهود ما بعد الطائف كان بصلاحيات رئيس الجمهورية أكثر مما هو المسّ سائد بصلاحيات رئيس الحكومة. فما هي القضيّة الحالية التي تستدعي هذا الصراخ المتصاعد وتلك الضجّة المفتعلة، ولم نظهر وتتفاعل بقوّة يوم استدعي الرئيس سعد الحريري إلى السعوديّة في تاريخ الرابع من تشرين الثاني من سنة 2017، طالما أنّ المدّعين قد رأوا ويرون بأنّ المسّ بصلاحيات رئيس الحكومة خطّ أحمر، الم يرَ هؤلاء بأن المساس تمّ على يد السعوديّة بكيان رئيس الحكومة واستقلال دولته وسيادتها، ألم يكتشف هؤلاء بأنّ المسّ به كان مسًّا بالطائفة السنيّة الكريمة وبالفلسفة الميثاقية التي أنتجت العهد والتسوية معها؟

كلّ القضيّة بتشعباتها وتفاعلاتها وتداعياتها، بأن الشخصيات السنيّة المنضوية في المعسكرين المتناقضين والمتصارعين سياسيًّا وجيو-سياسيًّا، متفقة بالإيحاء المباشر وغير المباشر على أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، هو من يمسّ بصلاحيات رئيس الحكومة، ووزير الخارجية جبران باسيل يهمّشه، وإلاّ فما معنى بيان الشخصيات السنيّة في فريق الثامن من آذار وقد احتسب بهذا الخطّ والخيار؟ وإذا ساغ القول، لماذا لا يحقّ لفئة مسيحيّة أساسيّة ومكوّنة للبنان وهي الطائفة الأرثوذكسيّة الكريمة، أن تثير موضوع صلاحيّة نائب رئيس الحكومة، وفي معظم الأنظمة الحكوميّة ثمّة آلية تلحظ هذا الموقع عينًا كما هو قائم في دول عديدة بحال ولسبب قاهر كان رئيس الحكومة غائبًا أو مغيّبًا كما في حكومة بشامون سنة 1943، فترأس حبيب أبو شهلا رئاسة الحكومة، وفي سنة 1972 ترأس ألبير مخيبر رئاسة الحكومة بدلاً من صائب سلام في ظروف قاهرة؟ وبالتالي، وكما قال أمين عام اللقاء الأرثوذكسيّ الصديق مروان أبو فاضل في بيانه ردًّا على رئيس الحزب التقدميّ الاشتراكي وليد جنبلاط، فإنّ نيابة الرئاسة الثانية والثالثة أعطيت للأرثوذكس كتعويض عن عدم وجود رئاسة رابعة، ويفترض هنا على المجلس النيابيّ إيجاد صيغة قانونية ودستورية لهذا الموقع من دون المساس بموقع رئيس الحكومة وصلاحياته أو السماح بهذا الزعم.

وبنتيجة ذلك، فإنّ هذه الضجّة بدورها تملك هدفًا وحيدًا، وهو عرقلة مسعى التأليف ورمي المسؤولية على رئيس الجمهورية على أنه هو من يعتدي على صلاحيات رئيس الحكومة لكونه طالب ويطالب بأن يكون موقع نائب رئيس الحكومة من حصّته، أو تكون له كتلة وازنة في مجلس الوزراء. من حقّ بعضهم أن يروا بأن موقع الرئيس فوق الحصص والمكاسب فهو رمز وحدة الوطن كما جاء من المادة 49 من الدستور، ولكن من حقّ كثيرين أن يقرأوا بأنّ التهميش الذي مورس بحقّ المسيحيين، أوجب على هذا الفريق أن يرفع من مستوى التمثيل مع التأكيد على رسوخ الفلسفة الميثاقية، ودور الرئيس القويّ الذي يمثّله الرئيس ميشال عون ويجسّده في المحافظة على توزان الفلسفة الميثاقية مع ديمومة تحرير المسيحيين من أي استيلاد مقيت لهم، مثلما هو ضنين بعدم استيلاد المسلمين في كنف المسيحيين.

يلفظ فخامة الرئيس من قاموسه هذه الرؤى لأنه الساهر على وحدة البلد، وتوازن العلاقة بين مكوناته واستقرارها. لكن لا يمنع هذا الواقع من التوصيف بأنّ ما نعيشه هو أزمة نظام وحكم، فهل يقدر اتفاق تسووي بين الأميركيين والسعوديين والسوريين، حصل في مدينة الطائف بموافقة لبنانيّة، وقد وئد حين ولد أن يحيا وأن تبعث الروح إليه بفعل الحرب الحالية بين سوريا والسعودية وأميركا لتنتهي تلك الأزمة؟ تبدو إمكانية ذلك ضعيفة. الجميع ينتظرون ما سيحدث في إدلب ليبنى على الشيء المقتضى، ولن ينقذ النظام السياسي ويحرّره من مأزوميته سوى مؤتمر تأسيسيّ يبدو أنه قد أمسى قناعة مشتركة عند عدد كبير من اللبنانيين، وفيه يستعيد رئيس الجمهورية دوره وصلاحيته كرئيس يحكم ولا يرعى .

ختامًا ليس التعدّي قائم على صلاحيات رئيس الحكومة بل هو على عهد ولد من رحم الميثاقية ومؤمن بتجسدها الآن الآن وفي كلّ آن.