<
25 December 2017
المسيح وُلد، حقاً وُلد


شربل الجميّل-

 

في قانون الإيمان المسيحي، ترد عبارة مسكونية "...وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب". في أسفار العهد القديم، كتب الأنبياء عن مجيء كلمة الله المتجسدة إنساناً إلى الأرض، وولادة إبنه الوحيد مغفرة ورحمة وخلاصا.

بميلاد المسيح المخلّص تحقق وعد الله لبنيه، وكان وصاله الثاني المباشر معهم بعد الخلق، فتجسّد ابنه الكلمة من عذراء طاهرة على صورته ونما برعاية نجّار فقير، تقدّس شفيعاً للتربية والعائلة.

لم يلد بأبّهة ولم يُلفّ بحرير مطرّز، بل بقماطة بيضاء كوجهه الطفوليّ المنير. تأنسن في مذود تبن لا بمهد مزخرف، أدفأته مخلوقات الله البهيمة لا نيران أحفورية. قصده رسل ملوك الشرق وفلكيّوه، ليزاوج بميلاده العلم والإيمان. رنّم لولادته الرعيان لا جوق بلاط، فكان أعظم ميلاد في هدوئه.

إنه عيد التواضع؛ فأن يتجسّد ابن الإنسان في حظيرة إنما هو جوهر الرسالة. التواضع ابن المحبة، وأعظمهنَّ المحبة. المسيح هو التواضع، هو الهدية وهو النعمة، ولو قُدِّر للبشر بملكاتهم أن يفقهوا سرّ التجسّد الإلهي، لكانوا حلّلوه من ظروف ليلة الميلاد وحدها، ولكانوا وفّروا الآلام والصلب والموت. لئن سيقوم في اليوم الثالث ليمنحنا بولادته الجديدة، ولادة روحية لنا.

عجيب كيف تشيد الحضارات بتطوّر الإنسان وتفوّقه الفكري، فيما هو يقبع في الآفات المفتعلة من حروب وفقر وتلوّث ومرض وتخمة، وهي عوارض التكبّر والعجرفة والشوفينية.

الزينة جميلة، إن نبعت من نور القلب لا طمع النفس. المحبة تدوم، إن نهضت من ضياء البصيرة لا شهوة البصر. من وضع نفسه رفعها ومن رفع نفسه وضعها؛ كل سنة في الخامس والعشرين من الشهر الأخير نتذكّر عيد التواضع، لنذكره من جديد في عيد القيامة، عيد التوبة عن الخطايا، وباعثها التواضع.

في الفصح ظهَّر الله السماوي البشرية في اللصين المصلوبين معه، في الميلاد ظهّرنا الآب بمريم ويوسف لنكون متواضعين على مثاله. عسى أن تفهم البشرية كلّما تذكّرت سنوياً، وعند هذه اللحظة، وفقط عندها، تتحوّل الولادة يومية، فنمهّد لمجيء الرب الثاني....كما جاء في الكتب.