A
+A
-شكّلت مشاركة سعد الحريري في ذكرى 14 شباط محطة سياسية مفصلية أعادت تسليط الضوء على موقعه ودوره في الحياة العامة في لبنان، بعد فترة من الغياب والابتعاد النسبي عن المشهد الداخلي. هذه المشاركة، التي جاءت في إطار رمزي ووجداني، لم تكن مجرد حضور بروتوكولي، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واضحة، عكست مقاربة واقعية وحذرة للمرحلة المقبلة، قائمة على التريث وإعادة قراءة التوازنات الداخلية والإقليمية.
وخلال زيارته الأخيرة، أطلق الحريري سلسلة مواقف، والتقى عدداً من السياسيين ورؤساء الأحزاب والدبلوماسيين، وكان من المفترض أن يزور الرؤساء الثلاثة قبل عودته إلى الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تؤكد حرصه على عدم الانقطاع الكامل عن المؤسسات الدستورية، وعلى إبقاء حضوره قائماً في المعادلة الوطنية، ولو بصورة غير مباشرة.
ولا يخفي الحريري أمام زواره قراءته الواقعية للمشهد الانتخابي، إذ يكرر أن “ما في جو انتخابات”، في إشارة إلى غياب الظروف السياسية الملائمة لإجراء الاستحقاق النيابي في موعده. وينسحب هذا التقدير أيضاً على موقفه من العودة الدائمة إلى البلاد، إذ لا يرى جدوى من انخراط سياسي واسع في ظل ضبابية المرحلة وغياب الاستحقاقات الحاسمة.
ورغم ذلك، يبقى المؤكد أن تيار المستقبل يتجه للمشاركة في الانتخابات النيابية في حال جرت في موعدها، من دون أن يعني ذلك ترشح الحريري شخصياً. ويعكس هذا الخيار توجهاً استراتيجياً يقوم على الحفاظ على الحضور السياسي والتنظيمي للتيار، واستعادة دوره في الساحة السنية. وفي هذا السياق، يلفت غياب الحديث الجدي عن تحالفات انتخابية، ولا سيما مع أطراف كان التيار يتحالف معها سابقاً، وفي مقدمتها حزب القوات اللبنانية، ما يدل على مرحلة إعادة تموضع سياسي لم تتبلور ملامحها النهائية بعد، لا سيما أن الحريري نفسه يقول ساخراً: “ليه عنا حلفاء؟”.
ولا يبدو أن الحريري في وارد العودة الدائمة إلى لبنان في المدى المنظور، إذ تندرج إقامته في الخارج ضمن سياسة مدروسة تهدف إلى تجنّب فتح خلافات كبيرة، ولا سيما مع السعودية، بانتظار نضوج الظروف الإقليمية والداخلية. فهو يفضّل إدارة حضوره السياسي من مسافة، والمحافظة على شبكة علاقاته العربية والدولية، بانتظار تبلور الظرف المناسب والاستحقاقات المنتظرة. وفي هذا الإطار، شكّلت زيارات عدد من السفراء، ولا سيما السفير الأميركي، إلى بيت الوسط مؤشراً سياسياً مهماً، يحمل دلالات على استمرار الاهتمام الدولي بالدور الذي يمثله الحريري وتياره، وعلى موقعه في المعادلة اللبنانية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية.
كما تعكس هذه الزيارات رغبة خارجية واضحة في بقاء هذا الخط السياسي حاضراً وفاعلاً، في ظل التوازنات الدقيقة التي تحكم الساحة الداخلية. وفي الوقت نفسه، أظهرت المشاركة الشعبية الواسعة في ذكرى 14 شباط أن الحريري، رغم غيابه عن المشهد اليومي، لم يفقد حضوره ولا حضور تياره في الشارع السني. فقد بدت القاعدة الشعبية متماسكة وقادرة على التعبير عن ولائها السياسي، ما يؤكد أن رصيد “المستقبل” لم يتآكل، بل لا يزال يشكل عنصراً أساسياً في المعادلة الوطنية. وقد عبّر أكثر من سفير ومسؤول دولي عن قناعته بأن عودة الحريري إلى العمل السياسي باتت ضرورة، نظراً للفراغ الذي تعيشه الساحة السنية في غيابه.
وفي إطار تثبيت الاستمرارية التنظيمية والسياسية، يأتي تعيين السيدة بهية الحريري نائبة لرئيس تيار المستقبل ليؤكد أن المرحلة الحالية هي مرحلة إدارة وحفاظ على البنية الداخلية للتيار، لا مرحلة انسحاب أو تراجع. كما أن استمرار فتح بيت الوسط** أمام الزوار والوفود يعكس قراراً واضحاً بعدم إقفال هذا البيت السياسي، والعودة تدريجياً إلى ما كانت عليه الأمور قبل سنوات، بما يحفظ رمزيته ودوره في الحياة العامة في بيروت.
في المحصلة، يمكن القول إن الحريري يعتمد اليوم سياسة العودة المتدرجة، القائمة على الحضور المدروس والتدخل المحسوب، من دون اندفاع نحو صدامات. فهو حاضر من خلال تياره، ومن خلال زيارات دورية إلى بيروت، ومن خلال شبكة علاقاته الداخلية والخارجية. وبين الواقعية السياسية والحفاظ على الشعبية، يحاول الحريري إعادة رسم موقعه في المشهد اللبناني خطوة خطوة، من دون استعجال، ومن دون انسحاب، وبما ينسجم مع معادلات الداخل وتحولات الإقليم.
