الأخبار: رلى ابراهيم-
غالباً ما تستبق القوى السياسية أيّ قرار أو تغيير داخل صفوفها بحملات «تطبيل وتزمير»، فيما يعمل رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» بهدوء، مُكرِّساً مشهداً جديداً لم تعهده القاعدة القواتية منذ عام 2005… بل لم تتصوّر أنه قد يحصل يوماً.
فهناك كوادر وشخصيات كان القواتيون يحسبونها من الثوابت، كأن تستمر نيابة النائب جورج عقيص لـ20 عاماً مقبلة، وألّا تشمل عملية «إعادة توزيع المهام» النائب فادي كرم في الكورة، وأن موقع النائب ملحم رياشي في المتن الشمالي لا يُمسّ.
غير أنّ جعجع كسر المسلّمات عبر إحداث تغيير جذري في مختلف الدوائر تحت عنوان «ضخّ دم جديد» و«الاستماع إلى مطالب القاعدة القواتية والحسابات الانتخابية». هذا في المُعلن، أمّا الوقائع فتشير إلى عدم مراعاة جعجع لأيّ من المعايير الديمقراطية أو المعادلات الانتخابية التي تحدّث عنها، وبالتالي ركونه، كعادته، إلى قرار فردي مع الحرص على إلباسه حلّة ديمقراطية تراعي الهرمية الحزبية.
معايير وهمية
أولى حلقات التغيير طاولت مقعد عقيص في زحلة عن طائفة الروم الكاثوليك. فقد أعلن الأخير أن عزوفه عن الترشّح يأتي في إطار «إعادة تموضع واعية، فالدفاع عن سيادة القانون والحريات لا يحتاج دائماً إلى مقعد نيابي، بل إلى ضمير حي واستعداد دائم لدفع ثمن الموقف»، وذلك خلافاً لكلامٍ صدر عنه قبل أيام أبدى فيه استعداده لخوض الانتخابات.
لاحقاً علّق زميله الزحلاوي النائب إلياس أسطفان على انسحابه بالقول إن عقيص «تحمّل كلفة مواقفه حين كان الثمن سهلاً على غيره». فهل جرى فعلاً الاستغناء عن القاضي النشيط بسبب تباين بينه وبين القيادة؟
يشير عقيص في مجالسه إلى أن المسألة ترتبط بأوضاعه المادية وعدم قدرته على الموازنة بين ما يجنيه من عمله والمصاريف اليومية المترتّبة عليه جرّاء الخدمات والنشاطات والمناسبات الاجتماعية. وهو بدأ في الفترة الأخيرة يردّد أمام من يلتقيهم أن «النيابة كسرته».
مصادر «القوات»، من جهتها، تتحدّث عن معايير جديدة: أولها تداول السلطة، وثانيها عدم التمسّك بأي مرشح لأكثر من دورتين، وثالثها الرغبة في إيصال مشرّعين لا خدماتيين وكوادر قادرين على قيادة بلداتهم ودوائرهم. وبينما ينطبق المعياران الأولان على عقيص، يصعب إسقاط المعيار الثالث عليه نظراً إلى تميّزه التشريعي داخل مجلس النواب.
في المقابل، يختلف وضع النائب سعيد الأسمر في جزين عن وضع النائب الزحلي؛ فالأسمر لم يترك أثراً يُذكر في البرلمان، ولم يكن خدماتياً أو ناشطاً في منطقته، ما جعل الاستغناء عنه سهلاً حتى لو أعلن أن عدم ترشّحه كان قراراً شخصياً اتّخذه بـ«التشاور» مع جعجع. ورغم أن ما ينطبق على الأسمر يسري على النائبة غادة أيوب التي - باستثناء الاستعراض في مجلس النواب - خسرت في الانتخابات البلدية في بلدتها، وعجزت عن تحقيق إنجاز يُذكر في جزين. غير أن جعجع لم يمسّ بمقعدها، ومن المُرجّح أن يعيد ترشيحها في الدورة المقبلة.
تقليم أظْفار «الصقور»
ومن جزين إلى الشوف، تسقط فرضية استبدال المرشحين وفق معايير محدّدة، ولا سيما تحت عنوان إفساح المجال أمام وجوه جديدة. فالنائب جورج عدوان باقٍ منذ عام 2005 حتى عام 2026، وإذا كان ثمة من تداول للسلطة، فهو يتداولها مع نفسه، رغم كونه من الخاسرين في الانتخابات البلدية في بلدته دير القمر. تمسّك الحزب بعدوان يعود بالدرجة الأولى إلى خبرته في دهاليز المجلس النيابي السياسية، ودوره في اللعب على حبال التوازنات، ولا سيما بحكم علاقته برئيس مجلس النواب نبيه بري، فضلاً عن قدرته على صياغة تفاهمات متناقضة حول ملفات غير شعبية خدمةً لمصالح فئوية، ثم تسويقها كانتصارات تصبّ في مصلحة المواطنين.
تقليم لأظْفار «الصقور» وكل من بات يعتبر أنه لا يمكن الاستغناء عنه
أمّا في عاليه، فلم يُحسم بعد مصير مقعد النائب نزيه متّى، إذ تتحدّث دوائر «القوات» عن رغبة في تغييره نظراً إلى أن هذا التبديل لن يترك أثراً لا في القاعدة ولا في أي مكان آخر، فيما يؤكد الأخير لمن يلتقيهم أنه لم يتبلّغ بأي قرار من معراب في هذا الشأن. في المقابل، يجزم أحد المسؤولين القواتيين بعزم جعجع على استبدال النائب بيار بو عاصي الذي تولّى وزارة الشؤون الاجتماعية ثم فاز بالمقعد الماروني في بعبدا لدورتين متتاليتين.
وثمة من يتحدّث عن معيار مختلف يطاول بعض النواب، خصوصاً من يمسكون ملفات سياسية داخل الحزب ويتمتعون بعصب حزبي كبير نتيجة تاريخهم وتولّيهم مناصب عدة، قبل أن يتحولوا إلى صلة وصل بين معراب والدوائر الخارجية. ويتركّز هذا المعيار على تقليم أظْفار «الصقور» وكل من بات يعتبر أنه لا يمكن الاستغناء عنه.
ويندرج ضمن هذا السياق أيضاً النائب ملحم رياشي في المتن الشمالي، الذي خاض نيابة عن «القوات» معركة كسر عظم في مواجهة «التيار» وتمكّن من حصد نحو 15 ألف صوت، من بينها أصوات غير قواتية كالمستقلين و«المخيبريين» وغيرهم. واللافت أن رياشي هو الوحيد بين زملائه الذي قال بوضوح إن قيادة الحزب هي من أبلغته برغبتها في التغيير.
العائلية أولاً
يختلف وضع بيروت الأولى عن سائر الدوائر. فنجاح النائب جهاد بقرادوني، سواء عبر الجمعية التي أسّسها والخدمات التي يقدّمها، أو من خلال نادي الحكمة، أزعج النائب غسان حاصباني، ما دفع الأخير إلى مواجهته وتحميله منفرداً الأعباء المالية للحزب، فضلاً عن تحويل معظم الملفات إلى مكتبه، الأمر الذي انتهى بابتعاد بقرادوني تدريجاً وصولاً إلى إعلانه عدم رغبته في الترشح، بالتوازي مع تداول بعض «القواتيين» في الدائرة اسمَ الوزير السابق ريشار قيومجيان بديلاً له.
علماً أنّ قيومجيان يترشح عن مقعد الأرمن الكاثوليك الذي يشغله حالياً النائب جان طالوزيان المحسوب على المصرفي أنطون صحناوي، فيما يشغل بقرادوني أحد مقاعد الأرمن الأرثوذكس.
وبالتالي لا حظوظ لقيومجيان إلا في حال تخلّي صحناوي عن هذا المقعد، وسط حديث عن احتمال ترشيحه الفنان غي مانوكيان (أرمن أرثوذكس).
ومن بيروت إلى كسروان، تسقط المعايير أيضاً، حيث استُبعد النائب شوقي الدكاش وأحد «مناضلي القوات» شادي فياض لمصلحة مغترب غير معروف هو غوستاف قرداحي، الذي غادر لبنان منذ سنوات للعمل في واشنطن ولا يملك رصيداً في البيئة الكسروانية. حتى إن فياض نفسه صرّح في إحدى المقابلات أنه لا يعرف قرداحي ولم يسمع به من قبل. وقد أثار ترشيح الأخير بلبلة واسعة في صفوف «القواتيين» في المنطقة، الذين بدأوا يلمّحون علناً إلى أن عامل المال هو المعيار الحاسم في اختياره.
أمّا في جبيل، فيحافظ النائب زياد حواط على مقعده من دون أن يخضع لاختبار معراب، وفي البترون يبقى النائب غياث يزبك ثابتاً في موقعه، خلافاً لنائب الكورة فادي كرم الذي ستستبدله معراب بزياد حبيب، نجل نائب «القوات» الراحل فريد حبيب. وفي طرابلس تتحدّث دوائر «القوات» عن الاستغناء عن النائب إيلي خوري بعد إخفاقه، لمصلحة معاون الأمين العام لشؤون الانتخابات جاد دميان، وهو ناشط تولّى مهمات حزبية عدة ويتمتّع بقبول لدى القاعدة الشعبية.
أمّا في بشري، فيعيد جعجع ترشيح النائب السابق جوزيف إسحق إلى جانب زوجته النائبة ستريدا جعجع، التي تبدو ضمن دائرة الاستثناءات، إذ لا تخضع للمعايير التي يعلنها رئيس الحزب حول «ضخّ دم جديد» وتداول السلطة، بل يتقدّم معيار «العائلية» على ما عداه، بحيث يحقّ لستريدا ما لا يحقّ لسواها.
