الأخبار: تكشف كارثة مخيمات الشمال هشاشة شعار «صفر مخيمات» وتناقضه مع الواقع؛ إذ بقي عشرات آلاف النازحين بلا حماية أو بدائل سكنية، وسط انشغال الحكومة الانتقالية بالوعود والاستثمارات والدعاية.
عامر علي-
كشفت المأساة التي تعرّض إليها النازحون في مخيمات شمال سوريا، عن فجوة عميقة بين الوعود التي تقدّمها السلطات الانتقالية ومشاريعها المليارية، وبين حقيقة الأوضاع على الأرض.
ويأتي ذلك وسط تساؤلات حول سبب استمرار هذه المخيمات أصلاً، في ظلّ انتفاء ذريعة وجودها (النظام السابق الذي سقط قبل أكثر من عام)، ولا سيما أن السلطات الانتقالية باتت تسيطر فعلياً على معظم الجغرافيا السورية، باستثناء السويداء.
والواقع أن المخيمات التي أُقيمت مطلع عام 2012 مع اشتداد المعارك في سوريا، وتحوّلت مع مرور السنوات إلى «استثمار» بالنسبة إلى عدد كبير من المنظمات، فضلاً عن استثمارها السياسي، تراجع الحديث عنها واختفى بشكل شبه كامل منذ وصول السلطة الجديدة الانتقالية إلى الحكم، خصوصاً مع اعتماد الأخيرة بشكل مبالغ فيه على «البروباغندا» لتسويق مشاريعها المستقبلية، وإطلاقها وعوداً باستثمارات مليارية بعد اعتماد سياسة الاقتصاد الحر. وأضاف اعتماد تلك السياسات طبقات جديدة من الضغوط المعيشية على المواطنين، في بلد تعرّضت قطاعاته الاقتصادية إلى دمار كبير، ولم توفّر فيه البنية الأمنية بعد مساحة آمنة كافية لتدفق الاستثمارات الحقيقية التي من شأنها تحريك عجلة الاقتصاد.
وبالعودة إلى مأساة المخيمات البدائية التي أغرقتها السيول، فقد تسببت الأمطار، وفق تصريحات رسمية، بأضرار جسيمة في 24 مخيماً للنازحين، أدت إلى تشريد 931 عائلة. وبحسب مديرية إعلام إدلب، تمّ تسجيل أضرار متباينة، بينها انهيار كامل في 17 مخيماً، تسبّب في فقدان 494 عائلة مساكنها وممتلكاتها، وتعرّض 7 مخيمات أخرى لأضرار جزئية أثّرت في 437 عائلة. وذكر قائد عمليات إدلب في «مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث»، وليد أصلان، في تصريحات صحافية، أن مخيمات خربة الجوز شهدت، السبت الماضي، فيضانات شديدة وسيولاً جارفة أدت إلى أضرار واسعة في الخيام والبنية التحتية، وألحقت أذىً مباشراً بنحو 300 خيمة في خربة الجوز وحدها.
بدورها، أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن الأمطار الغزيرة تسببت بأضرار بالغة في اللاذقية وحماة، إلى جانب إدلب، حيث غرقت في هذه المحافظات عشرات المنازل، وتضرّر أكثر من 650 مسكناً بشكل كلي، ونحو 1300 مسكن بشكل جزئي. كما أسفرت السيول عن سقوط ضحايا، بينهم طفلان في ريف اللاذقية، بالإضافة إلى وفاة متطوعة من «الهلال الأحمر العربي السوري» وإصابة عدد من المتطوعين، إثر انزلاق الحافلة التي كانت تقلّهم في أثناء توجههم لتنفيذ مهام الاستجابة في ريف اللاذقية.
رغم تسجيل عودة بعض النازحين، لا تتوافر ظروف معيشية كريمة لهؤلاء في مناطقهم
وتأتي هذه الكارثة بعد نحو شهرين على إطلاق السلطات الانتقالية حملة بعنوان «صفر مخيمات»، وإقامة وزارة المالية ورشة عمل خاصة بالحملة حضرها مسؤولون وممثلون عن منظمات عدة، من دون أن ينعكس ذلك إجراءات فعلية على الأرض. إذ تشير البيانات الرسمية إلى وجود 840 مخيماً تضم 124 ألفاً و9 عائلات، بعدد إجمالي يصل إلى 682 ألفاً و50 شخصاً، منتشرة في أريحا وجسر الشغور وأطمة ودير حسان وقاح وسلقين وحارم وسرمدا والدانا ومحيط معبر باب الهوى، إلى جانب مدينة إدلب ومعرة مصرين، وعدد من المخيمات العشوائية في الأراضي الزراعية قرب الحدود التركية.
وبحسب البيانات نفسها، سُجّلت عودة كاملة للنازحين في 191 مخيماً، تضمّ 23 ألفاً و53 عائلة، بإجمالي 126 ألفاً و792 شخصاً، بالإضافة إلى دمج لعدد من المخيمات شمل 8095 عائلة تتكون من 44 ألفاً و523 شخصاً، ونقل مخيمات أخرى إلى مديرية حلب، تضمّ 13 ألفاً و248 عائلة، بإجمالي 72 ألفاً و864 شخصاً.
وبرغم تسجيل عودة بعض النازحين، تكشف الأرقام السابقة عن مشكلة عميقة تتعلّق بهذه الأزمة، في ظلّ عدم توافر ظروف معيشية كريمة للنازحين في مناطقهم الأصلية التي خرجوا منها، وغياب مشاريع بنية تحتية حقيقية تُسرّع وتيرة العودة وتشجّع عليها. ويجيء ذلك فيما يبدو أن ملف مخيمات النازحين بات على هامش القضايا الأخرى التي تصبّ السلطات الانتقالية جلّ اهتمامها عليها، ولا سيما أن هذا الملف لم يعد «بيّاعاً»، على ما يبدو، أو صالحاً للدعاية والاستعراض، أو مشكّلاً لأي ورقة ضغط في بازارات السياسة.
