الأخبار: رلى ابراهيم-
حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه لن يدعو إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخابات، رغم الحاجة إلى تعليق مواد من غير الممكن تطبيقها في الوقت المُتبقي، ما يعني تعريض الاستحقاق برمّته للطعن
لا تعني دعوة وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار الهيئات الناخبة في لبنان والخارج لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقبل، وإصداره تعميماً بفتح باب الترشيح من 10 شباط الجاري إلى 10 آذار المقبل، أن الأمور على السكة الصحيحة، إذ تشوب العملية الانتخابية مخالفات قانونية بالجملة.
فما لم يدعُ رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخاب وتعليق بعض مواده كما حصل سابقاً، ستكون الانتخابات في حال حصولها موضع طعون عدة أمام القضاء. وحتى الساعة، يبدو أن بري ليس في وارد فتح المجلس أمام «الذين باتوا يعارضون القانون وكانوا وراءه قبلاً»، أي حزب «القوات اللبنانية» بشكل أساسي.
والسبب رفض معراب وحلفائها عرض بري «إلغاء المقاعد الستّة في الخارج مقابل اقتراع الاغتراب في الداخل بالتزامن مع تمديد تقني محدود لتسهيل عملية اقتراع المغتربين في الداخل»، على حدّ قول بري في تصريحات صحافية. وبعد إشارته إلى تراجعه عن العرض، أعلن بري أن الانتخابات ستجري في موعدها بالقانون النافذ، مع التشديد على أنه لن يدعو إلى أي جلسة لتعديله.
عملياً، وفي حال لم تُنجز تسوية سياسية قبل أيار المقبل، يتمّ بموجبها تعديل القانون، فإن إجراء الانتخابات سيصبح مستحيلاً بالوضع الراهن. والسبب عدم إمكانية تطبيق القانون لناحية اقتراع المغتربين والبطاقة الممغنطة، ولا سيما مع ضيق المهل وانتظار السلطة حتى اللحظات الأخيرة لمعالجة الخلل، لرغبة كل طرف بالضغط على الطرف الآخر. كما أن تعديل القانون غير متاح نتيجة انقسام مجلس النواب على نفسه، حول آلية إجراء الانتخابات.
تعميم باطل
خلاف كبير يعصف القوى السياسية حول القانون الانتخابي ومواده وآلية إجرائه الحاصل اليوم، وبينها من يرغب في تطويع النصوص لمصلحته، لكنه خلاف يصيب بالدرجة الأولى وزير الداخلية، كونه المسؤول عن الجزء الأكبر من العملية الانتخابية. وتقع عليه مسؤولية دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشح، ما يدفعه إلى السير بين الألغام. لذا، ارتأى إصدار تعميم دعا فيه الراغبين بالترشح إلى تقديم مستنداتهم ضمن مهلة معينة، مع إيراد فقرة يشير فيها إلى «تعذّر فتح باب تقديم تصاريح الترشيح تطبيقاً لأحكام الفصل 11 من القانون 44/2017 نظراً لعدم صدور النصوص القانونية والتطبيقية اللازمة له». وقراره هذا أدّى إلى منع الراغبين بالترشح عن المقاعد الستة في الاغتراب من تقديم طلبات ترشيحهم، نتيجةً إعلانه عدم إمكانية الوزارة تطبيق بعض مواد القانون.
تعميم الحجار مخالف لتسلسل القانون ومبدأ هرمية النصوص
الواقع أنه منذ صدور القانون في العام 2017، تعذّر على الحكومة في كل مرة تطبيقه كاملاً، ولا سيما المواد المتعلقة بالاغتراب. والمفارقة أن تعليق المواد كان يتم وفق قانون صادر عن مجلس النواب، وليس بقرار من وزير الداخلية بالشكل الذي قام به الحجار أخيراً. إذ يُعدّ هذا التعميم، بحسب خبراء الدستور، «مخالفة لتسلسل القانون ومبدأ هرمية النصوص عبر اتخاذ الوزير عملاً من غير اختصاصه وتجاوزاً لحدّ السلطة لأن التعميم لا يمكن أن يخالف نصاً أعلى منه أو أي قوانين أو مراسيم، ويصبح بالإمكان الطعن فيه أمام مجلس شورى الدولة».
وقبل إعلان وزير الداخلية تعذّر تطبيق إحدى مواد قانون الانتخاب، حدّد في مرسوم دعوة الهيئات الناخبة يومي 1 و3 أيار المقبلين موعداً لاقتراع اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية في الدول التي يوجدون فيها. ما يعني فعلياً، أنه أوعز إلى المغتربين الاقتراع كما في السنوات السابقة من دون الاستناد إلى أي تعديل صادر عن مجلس النواب كما حصل قبيل انتخابات 2022 النيابية (القانون 8 الصادر في 3 تشرين الثاني 2021)، ويومها عُدّل القانون وجرى تعليق المواد المتعلقة بالبطاقة الممغنطة ومقاعد المغتربين الستة استثنائياً ولمرة واحدة. علماً أن مخالفة الوزير ليست جديدة، ففي العام 2018، أقر مجلس النواب القانون 67 الصادر في 13 نيسان 2018 الذي عُدّل فيه قانون الانتخاب 44/2017، بتعليق العمل بالمادة 84 منه المتعلقة بالبطاقة الممغنطة فقط. ورغم عدم التطرق إلى المادة الخاصة بانتخابات المغتربين، قام اللبنانيون غير المقيمين بالاقتراع في الخارج لـ128 مقعداً، من دون أي نص قانوني واضح يشير إلى ذلك، بل بالاعتماد على «التوافق السياسي» فقط.
عملياً، تحتاج السلطة السياسيية إلى «شرعية قانونية» لإجراء الانتخابات. وهذا يتطلب إنتاج توافق سياسي كي تبيح الحكومة لنفسها تجاوز القانون والقفز فوق مواده من دون اللجوء إلى تعديل القانون. وسيكون الاتكال هنا على «الإرادة الشعبية» بإجراء الانتخابات، لإضفاء شرعية كاملة على نتائج الاستحقاق.
في المحصلة، فإن عدم دعوة بري إلى جلسة تشريعية لتعديل قانون الانتخاب، من شأنه أن يحقق هدفه بالضغط على المعارضين والحكومة لجرّهما إلى اتفاق سياسي حول العملية الانتخابية المقبلة. وكذلك يضع الحكومة أمام مهمة صعبة في حال قررت الالتزام بالمواعيد الدستورية لإجراء الانتخابات في أيار المقبل. فإما تصدر مراسيم تطبيقية للمادة 122 في قانون الانتخاب المتعلقة باستحداث ستة مقاعد للمغتربين في الخارج، وهو ما بات متعذّراً لأنه يستدعي حكماً تأجيل موعد الانتخابات لفتح الباب أمام الراغبين بالترشح لتحضير مستنداتهم والقيام بحملات انتخابية.
وإما ترتكب مخالفة قانونية تعرّض نتائج الانتخابات كلّها للإبطال بسبب تجاوز الحكومة حدّ السلطة: فاتخاذ قرار بعدم اعتماد البطاقة الممغنطة وإبطال مادة المقاعد الستة بموجب تعاميم يسمح لمجلس النواب بمحاسبة الحكومة وسحب الثقة منها، ويسمح لكل خاسر أو متضرر من الانتخابات لاحقاً بالطعن في النتائج وبالاستحقاق أمام المجلس الدستوري.
