الديار: جهاد نافع-
ثمة تساؤلات تطرح في الاوساط السياسية الشمالية، تدور حول التيارات السياسية الوازنة، القادرة على الامساك بالشارع السني في الشمال من طرابلس الى عكار، والمؤثرة في مجريات العملية الانتخابية في الانتخابات النيابية المقبلة.
لم تعد الساحة الشمالية حكرا على تيار سياسي واحد، او مرجعية سياسية واحدة، لا سيما منذ اعتكاف الرئيس سعد الحريري وتياره، فتحولت الى ساحة متعددة التيارات والمرجعيات والقوى الناشطة، المتنافسة على كسب ود الشارع السني اولا، كونه الاكبر انتخابيا، والشارع العام ثانيا. وكل تيار وحزب يعمل لتوسيع قواعده وحجمه الانتخابي، للحصول على كتلة نيابية ذات وزن سياسي فاعل تحت قبة البرلمان.
في هذا السياق، كل الانظار تتجه الى 14 شباط المقبل، بانتظار ما سيقوله الرئيس سعد الحريري، وما يمكن ان يعلنه من موقف سينعكس على المزاج الشعبي العام والشمالي خاصة، اقله في حال عودة "تيار المستقبل" الى العمل السياسي، والمشاركة في العملية الانتخابية، رغم احتمال تواصل عزوفه عن الترشح شخصيا.
في ظل هذا الواقع، يبدو ان القوة السياسية الاكثر حضورا في طرابلس والشمال هي التيار الازرق في المقدمة، في حال عودته الى الساحة السياسية. فلا يزال المزاج الشمالي في الشارع السني متعاطفا مع الحريري وتياره، رغم نشوء تيارات سياسية اخرى الى جانبه، ابرزها "تيار العزم" الذي شكل حالة على مدى سنوات تبوؤ الرئيس نجيب ميقاتي منصب رئاسة الحكومة، حيث انشأ "العزم" مؤسسات صحية واجتماعية نافست خلالها " المستقبل"، وتمكنت من توليد تيار يوازي "المستقبل" في طرابلس، مع محاولات تمدد نحو مناطق عكار والضنية والمنية، ولكن في كل استحقاق كان ميقاتي يؤثر التعاون مع "المستقبل".
التيار الثالث هو "تيار الكرامة" الذي برز خلال عهد الرئيس الراحل عمر كرامي، حتى عهد النائب فيصل كرامي... وهنا، ترى اوساط طرابلسية ان الحالة الشعبية لـ "تيار الكرامة" لم تعد بالمستوى نفسه، الذي كانت عليه زمن الرئيس الراحل عمر كرامي، والذي بدوره ورث هذه الحالة من عهد الرئيس الشهيد رشيد كرامي... إلا ان موقع "تيار الكرامة" في الساحة السياسية، لا يزال محافظا على مفاتيح انتخابية تقليدية واحياء شعبية، رغم توزع ولاء بعضها على اكثر من تيار وفق المصالح الشخصية، في ظل الظروف المعيشية الضاغطة باثقالها على العائلات.
الى جانب هذه التيارات، حقق اللواء اشرف ريفي حضورا في الساحة الطرابلسية، وتعاطفا من اطراف طرابلسية تململت من سياسات الرئيس سعد الحريري ومن تياره، خاصة حين احجم "المستقبل" عن تقديم مساعدات وخدمات اجتماعية وغير اجتماعية متنوعة، فحصد بعضا من قواعد "المستقبل"، التي كانت قد أخذت بالتآكل لحظة اعتكاف الحريري.
على مستوى القوى والحركات الاسلامية، يأتي في المقدمة "جمعية المشاريع الاسلامية الخيرية" المعروفة بمتانة وصرامة هيكلها التنظيمي، والذي يمتد على مدى الشارع السني في الشمال خاصة، والجمعية لديها مؤسسات تربوية في طرابلس وعكار ناجحة، حيث استقطبت اعدادا غير مسبوقة من الطلاب.
بعد "المشاريع" تأتي "الجماعة الاسلامية" التي تنتشر بين طرابلس والضنية وعكار والمنية، مما شجعها على ان تعلن باكرا خوض الانتخابات بمرشحين لها في طرابلس وعكار.
خارج هذه المعادلة، تنشط في الشمال قوى واحزاب اخرى في طرابلس وعكار وبقية المناطق الشمالية، ابرزها "التيار الوطني الحر" و "القوات اللبنانية"، كحزبين لهما انتشارهما الواسع في الشارع المسيحي، مع تمايز "الوطني الحر" بانتشاره في بعض البلدات والمناطق الاسلامية خاصة في عكار.
ويتنافس التيار مع "القوات" لا سيما في عكار، في حين ان التنافس في طرابلس يبدو أقل حدة، نتيجة التحالفات المحتملة، والتي تجعل الكفة تميل نحو "القوات"، رغم ان بعض الاوساط الطرابلسية بدأت تكشف عن امتعاضها من تمثيل الشارع المسيحي في طرابلس "بقواتي"، وقد يرتفع منسوب هذا الامتعاض في حال عودة "المستقبل" الى العمل السياسي.
وفي الوقت الذي تسعى فيه "القوات" لتوسيع كتلتها في الشمال، على امل عقد تحالف في عكار يؤمن لمرشحها الفوز، فان "التيار الوطني الحر" بدوره ينشط في عكار، وعينه على طرابلس وزغرتا والكورة والبترون.
اما حزب "الكتائب "الذي يتمتع بحضور في عكار وفي طرابلس والكورة والبترون وزغرتا، فتتراوح حركته السياسية بين هذه المناطق، وهناك احتمال ترشيح اكثر من شخصية بين عكار والكورة بشكل خاص.
وايضا خارج المعادلة الطائفية والمذهبية، يبقى للحزب "السوري القومي الاجتماعي" حضوره الوازن في الكورة وعكار، وهو يتمتع بكتلة ناخبة لا يستهان بها، كادت ان توصل مرشحها في عكار، اما في الكورة فالانقسام الحزبي كان سببا في خسارة مقعده، وهو ما تخشاه اوساط القوميين من تكرار هذه الخسارة في الكورة، جراء الانقسام الحزبي المستمر.
اما بقية الاحزاب العقائدية الاخرى، كالحزب "الشيوعي" وحزب "الراية" (البعث سابقا)، فكتلهم الناخبة في طرابلس وعكار، ولكن الظروف والمتغيرات تركت انعكسات سلبية على واقع هذه الاحزاب، رغم ان لحزب "الراية" كتلة وازنة في عكار، وللحزب "الشيوعي" ايضا كتلته في طرابلس وعكار والكورة، والى جانبه قواعد شعبية لا يستهان بها من الماركسيين، الذين يصبون بالنتيجة في خانة الاحزاب العقائدية.
