A
+A
-جعجع، الذي يحاول الظهور بمظهر “الوصيّ على السيادة”، يتناسى – أو يتناسى متعمّدًا – أنّه السياسي اللبناني الوحيد الذي أُدين بأحكام قضائية في جرائم اغتيال وتفجير، ودخل السجن بقرار قضائي لا بخلاف سياسي. هذه ليست وجهة نظر ولا دعاية خصوم، بل وقائع مثبتة في سجلّ الدولة اللبنانية، مهما حاولت المصالح السياسية لاحقًا تبييض الصفحات عبر العفو العام.
الأكثر فجاجة في خطاب جعجع أنّه يهاجم خصومه بلغة أخلاقية متعالية، في حين أنّ تاريخه السياسي يقوم على منطق الإلغاء، وكسر الشراكات، والانقلاب على الحلفاء قبل الخصوم. فمن خان من؟ من تآمر على شركائه في الحرب؟ ومن فتح قنوات الخارج على حساب الداخل؟ أسئلة يعرف اللبنانيون أجوبتها جيدًا، ولو حاول البعض دفنها تحت ركام الشعارات.
ولا يمكن تجاهل حقيقة أنّ جبران باسيل كان قد وجّه أكثر من مرّة دعوة صريحة إلى سمير جعجع لمناظرة تلفزيونية مباشرة، مواجهةً بالحجج والوقائع أمام الرأي العام. إلا أنّ جعجع، وكعادته، تهرّب من أيّ نقاش مكشوف، لأنّ المناظرات لا تُدار بالصراخ ولا بالشتائم، بل بالحجج والأدلّة والقدرة على الدفاع عن السجل السياسي. ومن يفتقد الحجّة، يفضّل دائمًا الإطلالات الأحادية في الاستديوهات، حيث لا أحد يسأله عن ماضيه، ولا يضعه أمام تناقضاته.
الهجوم على باسيل لا يمكن فصله عن عجز سياسي مزمن. فحين تفشل في تقديم مشروع، تلجأ إلى الشتيمة. وحين تعجز عن مواجهة الوقائع، تهرب إلى رفع الصوت. هذه ليست معركة أفكار، بل محاولة يائسة لاستحضار انقسامات الماضي وإعادة شدّ العصب الطائفي كوسيلة وحيدة للبقاء في الضوء.
الأخطر من كلّ ذلك أنّ جعجع، بدل أن يعتذر يومًا عن إرث الدم والاقتتال، يصرّ على لعب دور القاضي والجلاد معًا، موزّعًا شهادات الوطنية والخيانة وفق مزاجه السياسي وتحالفاته الخارجية. وكأنّ لبنان لم يدفع ما يكفي من ثمن هذه الذهنية.
في السياسة، من حقّك أن تختلف، أن تنتقد، أن تواجه. لكن ليس من حقّ من تلطّخت يداه بتاريخ أسود أن يحاضر بالأخلاق، ولا لمن بنى مسيرته على الإلغاء أن يتّهم الآخرين بالانقسام. فالذاكرة اللبنانية ليست قصيرة إلى هذا الحدّ، والتاريخ – مهما طال الزمن – لا يُمحى بالصراخ على الشاشات.
