A
+A
-علي نور الدين -
لن تقتصر تداعيات أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج العربي على دول المنطقة. بل يمكن الجزم، منذ الآن، أن أي سيناريو يؤثّر في خطوط التجارة البحريّة هناك، قد يطلق العنان لسلسلة من الاضطرابات الاقتصاديّة التي ستتداعى عالمياً، تمامًا كأحجار الدومينو. فمن الناحية العمليّة، يمرّ ربع النفط المشحون بحراً في مياه الخليج، فيما يعبر خُمس إنتاج العالم من الغاز المُسال في مضيق هرمز. بهذا المعنى، يصعب العثور على إقليمٍ يتمتّع بالأهميّة والخطورة نفسها، على مستوى منظومة الطاقة العالميّة وسلاسل التوريد الدوليّة.
وخلال الأيّام الماضية، تم التداول بالعديد من الاحتمالات التي قد يلجأ إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتقليص أثر ضربته المحتملة على إيران، من قبيل توجيه الضربة في عطلة نهاية الأسبوع لتفادي اضطرابات السوق. غير أنّ هناك شكوكًا كبيرة في فعاليّة خيار من هذا النوع، خصوصًا إذا تركت الضربة تداعيات استراتيجيّة حاسمة لا يمكن امتصاصها خلال العطلة، أو إذا تداعت الأحداث لتتجاوز النطاق الزمني للعطلة. عندها، ستكون الأسواق العالميّة أمام اضطرابات الأسعار وأمن الطاقة، بمعزل عن توقيت الضربة.
التداعيات على لبنان
مصرف جي. بي. مورغان كان قد توقّع سابقاً قفزات سريعة في أسعار النفط، إلى مستويات تتراوح ما بين الـ 120 و130 دولاراً أميركياً، في حال تأثّر خطوط إمداد الطاقة في المنطقة. بهذا الشكل، من المرتقب -وفق هذه التوقعات- أن ترتفع أسعار المحروقات بنحو الضعف، بمجرّد حصول هذا السيناريو، ما سيترك أثراً موازياً على معدلات التضخّم وحاجة البلدان المستوردة للنفط للعملة الصعبة.
بالأرقام، يمكن التذكير بأنّ لبنان استورد خلال النصف الأوّل من العام الماضي مشتقّات بتروليّة بقيمة 2.3 مليار دولار أميركي، أي يوازي نحو 4.6 مليارات دولار أميركي كمعدّل سنوي. وهكذا، وفي حال ارتفاع أسعار النفط بنحو الضعف وفق تقديرات جي. بي. مورغان.، من المرتقب أن تتضاعف بالمثل حاجة البلاد للعملة الصعبة لتمويل استيراد المحروقات. وبطبيعة الحال، سيكون لهذا التطوّر أثر على التوازنات القائمة حالياً في سوق القطع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التأثير على سيطرة المصرف المركزي على استقرار سعر الصرف.
على مستوى العجز في الميزان التجاري، كانت البلاد قد سجّلت العام الماضي عجزًا قُدّر بنحو 12.27 مليار دولار أميركي، خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، أي ما يوازي 16.36 مليار دولار أميركي كمعدّل سنوي. وبهذا الشكل، وفي حال ارتفاع سعر برميل النفط إلى تلك المستويات، واستمرار حالة التصعيد على مدى طويل، سيكون من المرتقب أن يرتفع مستوى العجز الشهري في الميزان التجاري بنسبة 28.12 بالمئة. مع الإشارة إلى أنّ هذا التطوّر سيرفع أيضًا نسبة المشتقات البتروليّة من إجمالي فاتورة الاستيراد، كما سيفرض تخفيف استهلاك المقيمين لسائر أصناف السلع بسبب تراجع القدرة الشرائيّة.
على مستوى التضخّم، كان لبنان قد سجّل العام الماضي نسبة تضخّم قاربت الـ 14.8 بالمئة، ما شكّل أدنى مستوى للتضخّم منذ بداية الأزمة. وكما هو معلوم، جاء تراجع معدلات التضخّم بفعل استقرار سعر الصرف، وهو ما حدّ من الزيادات المتتالية في كلفة السلع المستوردة. أمّا نسبة التضخّم في باب الإنفاق على النقل، فظلّت تتراوح طوال السنة عند مستويات متدنيّة، عند حدود الـ 3.9-5.8 بالمئة، وهو ما ساهم في لجم المعدّل العام.
لكن في حال ارتفاع أسعار النفط إلى المستويات التي تحدّث عنها تقرير جي. بي. مورغان، من المفترض أن تعود معدلات التضخّم إلى الارتفاع، بتأثير من نسبة ارتفاع الإنفاق على الطاقة والنقل. ومن المهم التنويه إلى أنّ كلفة المحروقات تدخل في أسعار جميع السلع والخدمات في السوق، نظرًا لاتصالها بأكلاف التشغيل، وهو ما يعني أنّ تأثير هذه التطوّرات على مستويات التضخّم سيكون شاملًا لجميع أبواب الإنفاق.
تأثيرات أخرى على اقتصادات العالم
بطبيعة الحال، ستشمل التداعيات جميع التكتلات الاقتصاديّة حول أنحاء العالم، وبأشكالٍ مختلفة. فالدول النامية المستوردة للنفط، ستشهد ضغوطًا متنامية على مستوى ميزان المدفوعات، ما سيؤثّر على احتياطاتها من العملات الأجنبيّة، وعلى استقرار أوضاعها النقديّة. أمّا التأثير الأهم، فسيطال الفئات الأكثر هشاشة، بفعل التضخّم وتآكل القيمة الشرائيّة للأجور، وهو ما سيزيد من الطلب على شبكات الحماية الاجتماعيّة المحليّة.
في المقابل، ستمتلك التكتلات الصناعيّة المستوردة للنفط، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، الحد الأدنى من المرونة للتعامل مع الواقع الجديد، مقارنة بالدول الأفقر أو الأقل قدرة. لكنّ هذه الدول ستعاني بدورها من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع نسب الربحيّة، ما سيؤدّي إلى ركود اقتصادي في حال استمرّ التصعيد لفترة معتبرة. وستكون القطاعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة الأكثر عرضة لهذه التأثيرات، كما ستنتقل الضغوط التضخّمية تلقائيًا إلى سلاسل التوريد والأسواق الاستهلاكيّة.
أخيرًا، قد لا تعاني الولايات المتحدة الأميركية من خطر حقيقي على مستوى أمن الطاقة، نظراً لكفاية إنتاجها النفطي المحلّي مقارنة بمعدلات الاستهلاك، بالإضافة إلى امتلاكها احتياطات استراتيجيّة من النفط. لكنّ الصناعات الأميركيّة ستتأثّر حكمًا بارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالميّة، وهو ما سيعرّضها لطبيعة المشاكل عينها التي ستعاني منها الصين والاتحاد الأوروبي.
