A
+A
-يُعدّ ملف الكهرباء في لبنان أحد أكثر الملفات استنزافًا للرأي العامّ، فقد تحوّل على مدى سنوات إلى مادة للمزايدات السّياسيّة وتبادل الاتّهامات من دون العودة إلى الوقائع والوثائق.
حين تسلّم التّيّار الوطني الحرّ وزارة الطّاقة، طُرحت خطط واضحة ومعلنة وشفّافة لإصلاح قطاع الكهرباء، أبرزها خطّة عام 2010 الّتي أقرّها مجلس الوزراء، ونالت حينها موافقة معظم القوى السّياسيّة، بمن فيهم من يهاجمها اليوم أو من يدّعي نفسه راعيًا للخطّة عينها.
إلا أنّ التّنفيذ اصطدم مرارًا بعراقيل سياسيّة وتمويليّة.
ورغم كلّ العراقيل والكيديّات، نجح التّيار، في رفع القدرة الإنتاجيّة، وفي وضع لبنان على سكّة الحلّ الجذريّ بدل الاكتفاء بالتّرقيع. غير أنّ هذا المسار قُطع لاحقًا، وتحديدًا بعد انتقال حقيبة الطّاقة إلى القوات اللّبنانية "بدنا وفينا" والّتي رفعت شعار “الكهرباء خلال أشهر”، وقطعت وعودًا مباشرة وادّعت حاملة لواء الشّعارات الطنّانة أمام اللّبنانيّين بتحسين التّغذية وخفض الكلفة.
وها هو المواطن يطرح اليوم السّؤال البديهي: أين أصبحت الكهرباء؟ النّتيجة على الأرض لم تختلف، بل ازدادت سوءًا، فيما بقي اللّبناني رهينة العتمة والمولّدات الخاصّة، وعصابات السرقة.
في هذا السّياق، يطلّ جو صدي، الوزير الدّاهية- كما يرى نفسه في مرآته الكاذبة- مع خططه الّتي لم تتجاوز حتّى الآن إطار العناوين العامّة، من دون جدول زمنيّ واضح أو نتائج ملموسة. فالإدارة الفعليّة لملف بهذا الحجم لا تُقاس بالتّصريحات الفارغة، بل بالقرارات والتّنفيذ.
أمام هذا الواقع، جاءت دعوة رئيس التّيار الوطني الحرّ النائب "جبران باسيل" إلى البدء الفوري بـالتّدقيق الجنائي والمالي في وزارة الطّاقة إيمانًا منه بأنّ الحقيقة لا تُخيف من عَمِل بشفافيّة. فالتحقيق كفيل بوضع حدّ للاتّهامات المتبادلة، وتحديد المسؤوليّات بوضوح، أيًّا تكن الجهة المعنيّة.
ولم يكتفِ باسيل بذلك، بل وجّه دعوة صريحة إلى وزير الطّاقة الحالي لمناظرة تلفزيونيّة علنيّة، تُعرض فيها الأرقام، العقود، الخطط، والمسؤوليّات أمام الرّأي العام، بعيدًا عن الشعبويّة. وهي دعوة فاجأتهم وضعضعتهم. وإذ شدّدت النائب ندى بستاني، على ضرورة المواجهة المباشرة بالوقائع، لأنّ ملفًا بهذا الحجم لا يُدار في الكواليس ولا يُحسم عبر الحملات الإعلاميّة.
فإنّ معركة الكهرباء ليست معركة تيار ضد حزب، بل معركة اللّبنانيّين مع منظومة الفشل والتّعطيل. ومن يملك الحلّ الحقيقي لا يخشى المناظرة ولا يتهرّب من التّدقيق. وهنا جاءت دعوة ثانية علنيّة من البستاني، فمن يكتفي باتّهام الماضي من دون تقديم إنجاز في الحاضر، فهو يكرّس الأزمة بدل أن يحلّها.
في النّهاية، إنّ فتح ملف وزارة الطّاقة على مصراعيه، بمناظرة علنيّة وتدقيق شفّاف، هو الطّريق الوحيد لاستعادة ثقة اللّبنانيّين، ووضع حدّ لعتمة سياسيّة سبقت العتمة الكهربائيّة.
فهل سمعتم يومًا بحلّ عامّ مَرَّ عبر كابل؟
