A
+A
-نحن أمام حكومة تعرف، كما يعرف وزراؤها، أن ولايتها تنتهي عمليًا مع الانتخابات النيابية المقبلة. أي أن الوقت المتاح لا يسمح بإصلاحات بنيوية في قطاع معقّد كالكهرباء، ومع ذلك يختار وزير الطاقة فتح مواجهة سياسية إعلامية، لا تقديم خطة تنفيذية محدودة قابلة للتحقق ضمن المهلة المتبقية. هذا الخيار بحد ذاته كافٍ ليطرح سؤال النيات.
الكهرباء ليست ملفًا عاديًا في لبنان. هي الجرح الأكثر إيلامًا في حياة الناس اليومية، والخاصرة الشعبية الأسهل لإثارة الغضب. ⟪ومنذ مطلع التسعينات، ثُبّتت التعرفة بقرار سياسي شعبوي لا يعكس الكلفة الحقيقية، وتُركت الجباية تتآكل عمدًا تحت عناوين اجتماعية زائفة، ما حوّل مؤسسة كهرباء لبنان إلى صندوق عجز دائم بدل مرفق عام منتج.⟫ من هنا، فإن استحضار هذا الملف اليوم بهذا الشكل، وبخطاب انتقائي يقوم على خلط السنوات والأرقام، لا يمكن فصله عن حسابات انتخابية واضحة، لا سيما أن التيار الوطني الحر مرتبط بهذا الملف في الوَعي العام ، سواء كنتيجة لمسؤولياته السابقة أو نتيجة محاولات خصم سياسي لتحميله المسؤولية.
في هذا السياق، يبدو أن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وجد في وزارة الطاقة منصة مناسبة لإعادة تموضع سياسي. فبدل تحمّل المسؤولية كفريق مشارك في السلطة، يجري تقديم القوات بمظهر “المعارِض من داخل الحكومة”، عبر تحميل الفشل الحالي على مرحلة سابقة، ورميه بالكامل على التيار الوطني الحر، في محاولة لتبييض السجل السياسي عشية الانتخابات.
هذا يفسّر التلاعب الواضح بالأرقام: مقارنة ساعات التغذية لسنوات محددة، واستحضار كلفة دعم مجتزأة زمنيًا، رغم وجود أرقام رسمية تؤكد أن كلفة دعم الكهرباء بين عامَي 2000 و2021 بلغت 22.7 مليار دولار، لا كما يُروَّج بخطاب شعبوي. فالمقارنة العلمية الصحيحة تكون بين الكلفة والتغذية عن السنوات نفسها، لا وفق ما يخدم الرواية السياسية.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يستهدف التيار الوطني الحر فقط، بل يكرّس نموذج دولة عاجزة تُدار فيها الخدمات عبر اقتصاد ظلّ، من مافيا المولدات إلى شبكات المصالح، بدل بناء مؤسسات عامة فعّالة. إبقاء الكهرباء في حالة انهيار مضبوطة يخدم خطاب “المنقذ”، ويؤمّن مادة تعبئة انتخابية، لكنه لا ينتج كهرباء ولا دولة.
ما يجري اليوم في وزارة الطاقة، ليس محاولة إنقاذ، بل استثماراً في الفشل. فالحكومة القصيرة العمر تحوّلت إلى مسرح خطابي، ووزارة الطاقة إلى منبر انتخابي. والنتيجة: سجال سياسي إضافي، بلا خطة، بلا أرقام مكتملة، وبلا أي أفق إصلاحي حقيقي.
في المحصّلة، من لا يملك وقتًا للإصلاح، يملك دائمًا وقتًا للهجوم السياسي. لكن الكهرباء، كحاجة أساسية، لا تُدار بالشعارات ولا تُصلَح بتصفية الحسابات. ومعركة الكهرباء اليوم هي اختبار واضح: هل نريد دولة تُدار كمؤسسة… أم ملفًا يُستثمر انتخابيًا حتى آخر شمعة؟
_رندا شمعون _
