A
+A
-تشير المؤشرات الأخيرة إلى أن المنطقة تدخل مرحلة حرجة، مع بقاء احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، سواء بشكل مباشر أو من خلال عمليات محدودة ذات طابع استراتيجي ورسائلي. هذا الاحتمال، حتى إن بدا محدودًا في نطاقه العسكري، يطرح تداعيات واسعة تتجاوز حدود إيران لتطال الساحات الإقليمية، خصوصًا الدول التي تعاني هشاشة سياسية وأمنية واقتصادية. في قلب هذه المساحة يقف لبنان الذي يرزح تحت أزمات مركبة منذ سنوات، ليصبح معرضًا مباشرة لارتدادات أي تصعيد أميركي–إيراني، حتى لو نجا من كونه مسرحًا محتملاً مباشرًا للعمل العسكري.
لا يمكن لبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي وارتباطاته الداخلية المعقدة، التعامل مع أي تصعيد في المنطقة كحدث خارجي بمعزل عن الداخل. فالتجربة اللبنانية في السنوات الفائتة أثبتت أن أي تحولات إقليمية، سواء كانت عسكرية أو سياسية، تنعكس سريعًا على الداخل، حيث تظهر انعكاساتها الأمنية والسياسية والاقتصادية بشكل ملموس. وهذا يجعل أي خطوة أميركية ضد إيران اختبارًا جديدًا لهشاشة الدولة اللبنانية.
أمنيًا، يُعاد لبنان تلقائيًا إلى دائرة الاحتمالات التصعيدية. سيواجه حزب الله، كجزء من منظومة الردع الإيرانية في المنطقة، معادلة دقيقة بين الالتزام بمبدأ الردع الإقليمي، وبين الحفاظ على قدرته على إدارة الوضع الداخلي. يعني أي انزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل ارتفاعًا كبيرًا في تكلفة الصراع، ليس فقط على صعيد الخسائر الميدانية، بل على صعيد الوضع الداخلي الهشّ. حتى في حال قرر الحزب ضبط ردّه، فإن رفع منسوب الجهوزية والاستنفار سيؤدي إلى توتر في الجنوب، وتحركات إسرائيلية استباقية، وضغط دولي على الدولة لضبط الحدود ومنع أي انزلاق غير محسوب. الاستقرار الهش القائم يعتمد على قدرة جميع الأطراف على ضبط النفس، وهو ما يبدو صعبًا في بيئة متوترة كهذه.
سياسيًا، ستتزايد الضغوط على لبنان من الداخل والخارج معًا. في الخارج، ستطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها بتحييده ومنعه من أن يصبح ساحة للرد أو الرسائل، بينما في الداخل ستستمر الانقسامات التقليدية بين القوى السياسية. فهناك من يرى أن أي ضربة لإيران تشكّل فرصة لإعادة التوازن وتقليص نفوذها في لبنان، فيما يعتقد آخرون أن أي استهداف لإيران يمسّ مباشرة بمحور المقاومة، ويستلزم التماسك والمواجهة. هذا الانقسام سيزيد من شلل المؤسسات، ويعقّد أي مسار نحو الإصلاح أو التسوية السياسية، ويجعل أي محاولات لإنهاء الجمود السياسي أكثر صعوبة.
اقتصاديًا وماليًا، سيواجه لبنان انعكاسات غير مباشرة لكنها عميقة. أي تصعيد مع إيران سيؤدي إلى اضطراب في أسواق الطاقة والملاحة والتأمين، مما سينعكس على ارتفاع كلفة الاستيراد، في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الخارج لتأمين حاجاته الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، مناخ عدم الاستقرار الإقليمي سيزيد تفكك الثقة الدولية بلبنان، مما يعيق أي دعم مالي أو استثماري محتمل.
إقليميًا، ستؤدي الضربة الأميركية المحتملة إلى إعادة ترتيب التحالفات وموازين القوى. لبنان قد يصبح مجدّدًا جزءًا من لعبة التفاوض أو الضغط بين القوى الإقليمية والدولية، وليس كدولة تسعى لحماية مصالحها الوطنية. أي استحقاقات داخلية، سياسية او إصلاحية أو اقتصادية، ستُرتبط بالمسار الإقليمي، مما يقلل من هامش المناورة الداخلي، ويزيد هشاشة الدولة.
لا تكمن الخطورة الكبرى لأي ضربة أميركية لإيران في بعدها العسكري فقط، بل في قدرتها على اختبار قدرة لبنان على الصمود سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وهو الذي فقد معظم أدوات الحماية الذاتية، ويعاني أزمات مركبة منذ سنوات، سيواجه صدمة إضافية قد تعمّق أزماته، وتؤجّل أي تحرك نحو الإصلاح أو الانتعاش الاقتصادي، وترفع احتمالات الانزلاق إلى مزيد من الاضطراب الداخلي.
الحاصل أن لبنان لم يعد يملك هامش خطأ أمام أي اهتزاز إقليمي. ففي بلد استنزف سياسياً واقتصادياً وأمنياً، أي تحوّل في المسار الأميركي–الإيراني يمكن أن يترجم إلى أزمة داخلية تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويصبح من الصعب فصل تأثيرات الخارج عن الواقع الداخلي. في ضوء ذلك، سيظل لبنان في قلب العاصفة، غير قادر على السيطرة على الأحداث، ومجبرًا على التفاعل مع التطورات الإقليمية وفق معادلات لا يملك فيها القرار النهائي.
