HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

ليس الصراع في فرنسا دينيًّا بل سياسيّ بوشاح دينيّ، وأردوغان يتعمّده للضغط والتغيير (بقلم جورج عبيد)

31
OCTOBER
2020
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

بقلم جورج عبيد -

حبر كثيف وغزير سال حول العلاقة بين الإسلام وأوروبا في معرض قراءتها وتقييمها وبلورتها، من ضمن العلاقة بين الإسلام والغرب ككلّ. كان محمد أركون أحد أبرز الكتاب التقييميين الصاقين الذين غاصوا في بحر تلك القراءة متحرّرًا من العقائد الحروفيّة، أو من حروفيّة العقائد، من دون نسيان دور إدوارد سعيد في الإضاءة البليغة على نوعية العلاقة وتطورها.


المغامرة البليغة التي خاضها أركون وقد كان أستاذًا في جامعة السوربون، تجلّت في المقاربة الحضاريّة بين الإسلام والغرب وأوروبا. كيف يمكن لأوروبا ان تتقبل في إحشائها إسلامًا قد يبدو غريبًا بعض الشيء عن تراثها، وكيف يمكن للإسلام أن يتأقلم في قالب حضاريّ لم يعرف الحروفيّة في رؤيته وسلوكياته؟ أهميّة محمد أركون أنّه حاول إيجاد صيغة حديثة توازن بين المعنى الإسلاميّ في كليّته وفي تراثه، وشاءه مطلاًّ على حداثة قد يستفيد منها في مبدأ التحرّر من النظم الجامدة التي لا تخرجه من كليّة المعنى إنما بإمكانها أن تحرّف المعنى إذا ما تشدّدت، ولم تعتمد مبدأ التناضح، ليقبلها الآخرون كمعطى مرن ومتأقلم مع رؤى قد تجد الحجاب غريبًا عنها في جوهره الدينيّ، فيما المسيحيات في الأرياف الفرنسيّة والإيطالية واليونانيّة والروسيّة كما في الأرياف اللبنانيّة والسورية والفلسطينيّة كنّ يضعنَ غطاء على رؤوسهنّ، إلى أن تلاشى ذلك بالكليّة.


في الزمن الحاضر، نحن أمام مقابلة تحدث في أوروبا لا يفترض بالعلماء والمراقبين حشرها في القوالب الدينيّة المتصادمة. ذلك أنّ أوروبا تعيش أزمة هوية دينيّة منذ بداية التسعينات إلى الآن، من بعد أن نحا كثيرون باتجاه التحرّر العلمانويّ البليغ، كما في ألمانيا والنمسا وبريطانيا واتجهوا في التحرر نحو تشريع الزواج المثليّ. قد يبدو الوضع في فرنسا مختلفًا في بعض نواحيه، ولكنّ الاشتراكيّة فيها لم تعد هامشيّة. المسيحيّة فيها سياسيّة عند اليمينيين، وحين يحشر الحكّام في قضايا كثيرة يحولونها إلى حركة صاخبة وأداة فاعلة وذراع خادمة للتوجهات السياسيّة.


ليس حميدًا رصف هجوم الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون على نبيّ المسلمين كناطق باسم المسيحيين في الغرب والشرق. وليس مقبولاً بالتالي، على رئيس فرنسا استهلاك الخطاب الدينيّ ورصفه في مواجهة سياسيّة انتخابيّة من ناحية مع منافسته السيدة ماري لوين اليمينيّة والمسيحية المتطرفة، وفي مواجهته الدوليّة والإقليمية مع تركيا. ومع التحفّظ الشديد على هذا التوجّه، الخطورة الآن بدأت تنكشف باستغلال إسلامويّ مقيت لكلام من هذا النوع للشروع بقتل الناس كما في مدينة نيس أو ترهيبهم كما يحدث في فلسطين المحتلّة. ماذا يعني ان يحمل شاب في فلسطين يدعى سامي الديك سبفًا ويحطّم به أقدس شعار عند المسيحيين وهو الصليب المحيي، الذي رفع عليه إلهنا؟ وما دخل المسيحيين في أوروبا والمشرق بكلام إيمانويل ماكرون ليتمّ الانتقام منهم، فهل ماكرون ناطق باسم المسيحيين؟ وفي مرحلة سابقة نظر بعضهم إلى جورج بوش الابن في أميركا كصليبيّ جديد، وناطق باسم المسيحيّة الغربيّة مقابل أسامة بن لادن الناطق باسم الإسلام إلى أن تمّ القضاء عليه.


يزيّن لي بأنّ الإسلاميين أو الإسلام السياسيّ بشكل عام، لم يشف من آثام التاريخ الصليبيّ، ولا يزال يظنّ بأنّ الحملة الصليبيّة لا تزال سارية المفعول إلى تاريخنا الحاضر، والمسيحية المشرقيّة كما المسيحية الغربيّة متورطة بها. يبدو بانّ بعضهم يستلذّ عدم الفصل المنهجيّ، لكون الحملة الصليبيّة سحقت المشارقة، وقد ساندت بشكل أو بآخر سقوط القسطنطينيّة، أي سقوط الحضارة البيزنطيّة التي وصفها رجب طيب أردوغان بالسوداء، كما سلبت القدس من تراثها المشرقيّ قبل حلول إسرائيل دولة وكيانًا غاصبين، وساهمت بليتنة مقدساتهم إلى جانب الوجود اليونانيّ.
المأساة الكبرى أن الإسلاميين الذين أغاظهم كلام إيمانويل ماكرون بحقّ نبيّ المسلمين وهم على حقّ، لم يغتاظوا من سبي الأتراك للأرمن والسريان والأروام وارتكاب أفظع المجازر بحقّهم ويستنكروها كعلامة مصالحة حقيقيّة بين المسيحية والإسلام، وبين المسيحيين والمسلمين، لم يستهجنوا أكثر من مرّة التعرّض لمقدساتنا في أماكن عديدة باستثناء حزب الله الذي حافظ عليها باحترام شديد وتقديس بليغ في سوريا، ولم يرفضوا على الإطلاق تصرّف أردوغان المشين والمستفزّ حين قرّر تحويل آجية صوفيا من متحف حضن التبادع المسيحيّ-الإسلاميّ، بالأيقونات والآيات البيّنات على جدرانياتها إلى مسجد مع كنيسة أخرى حولها بدورها إلى مسجد، كان متحف أجية صوفيا كنيسة عظيمة كشفت جانبًا من حضارة بيزنطية، ولم يفهموا مع الأسف بأن هذا السلوك المنتهج سيسمح لبنيامين نتنياهو بهدم المسجد الأقصى وتحويله إلى هيكل سليمان، وسيضرّ كثيرًا بمقدساتنا المسيحيّة والإسلاميّة.


وعلى هذا ليس من استغراب بعدم الاستهجان. فالإسلام بمنطلقاته وتجلياته دين ودنيا، توق الإسلاميين أن يصير الإسلام دين الأرض كلّها، وهم، وبما ملكت أياديهم سعوا ويسعون إلى ذلك. الأوروبيون مهجوسون من هذه الناحية، بأن تكون قارتهم هدفًا للسيطرة الإسلامية عليها. لا يعني هذا بأنّ الأوروبي غير متسامح، غير أنّه مؤمن إيمانًا شديدًا بمركزية قارّة لم تنفصل تاريخيًّا وجذوريًّا عن الكثلكة، حتى لو وصلت إلى اتّشاح العلمانوية Secularity وشاحًا لها. نحن أمام مقابلة عنيفة للغاية بين مركزيّة أوروبا إن بصيغتها الكاثوليكيّة جذوريًّا أو العلمانويّة في حداثتها، وإسلام سياسيّ يرنو إلى التملّك وهو جوهرما سمي في أواخر التسعينات وصولاً إلى هذه اللحظات بالإسلاموفوبيا المغتذية من الدماء المهراقة.
من هنا القضيّة التي بدأت فرنسا تواجهها مع إيمانويل ماكرون وماري لوبن تتمحور في تلك المقابلة والمقاربة. وبرأي خبراء لن تكون أوروبا كقارة بمنأى عنها.


خطورة الموضوع، أنّ المقابلة بامتدادها تحوي البعد السياسيّ المتمّم لمسألة صدام الحضارات بالصيغة الصهيو-أميركيّة الظاهرة من فلسفة صموييل هانتنغتون وهنري كسينجر وبرنارد لويس وفرانسيس فوكوياما في اميركا. يجسّد هذا البعد بإطلاقيّته الاحترابية رجب طيب أردوغان الإخوانيّ الطامح ليكون "جزءًا عزيزًا" من أوروبا، والمصمّم على اعتلاء الزعامة لإسلاميّة في المدى العربيّ والمشرقيّ حتى حدود روسيا. ثمّة سؤال يطرح في ظلّ انفجار تلك اللجج، هل يستطيع فلاديمير بوتين ترويض الذئب إلى ما لا نهاية، وهل يستطيع إيمانويل ماكرون المضيّ بصراعه معه حتى الإبادة من فرنسا إلى اليونان وصولاً إلى المشرق؟


الملاحظة الجوهريّة التي لا حياد عن إيرادها، أن رجب طيّب أردوغان استطاع اختراق المدى الأوروبيّ وبخاصّة الفرنسيّ بتحالفه مع قطر من خلال عدد من التكفيريين السوريين، ومن خلال فرنسيين وإيطاليين دخلوا إلى سوريا تحت راية داعش وجبهة النصرة، ومن بقي منهم عادوا إرهابيين تكفيريين بهدف ضرب الاستقرار الأوروبيّ. بمعنى أن فرنسا وعددًا من الدول الأوروبيّة تحت خطر انفلاش امنيّ خطير يتقولب بأشكال مختلفة ومتنوّعة. وقد تبيّن بأن ثمّة مخطّطًا تم إعداده في بعض الدوائر الأميركيّة الكبرى هادف إلى إضعاف أوروبا، فتركيا والقوى التكفيريّة تجيئان من حاضرتها وإن تمّ الإنكار، فهذا ظاهر جليًّا.


لذلك فإن الامتداد التركيّ بوسائل وآليات وأذرع عديدة سيغيّر حتمًا خريطة التحالفات، وعلى هذا فسنشهد حماوة ظاهرة في التقارب ما بين فرنسا وروسيا وقد تنضمّ إيران إلى هذا التقارب في معانيه في المواجهة مع تركيا وقطر من فرنسا إلى لبنان وسوريا وصولاً إلى كاراباخ. والظاهرة الأساسيّة في هذا الاصطفاف ستكون دمشق مع الرئيس بشار الأسد، وتقول معلومات بأنّ ثمّة جهدًا يبذل من أطراف كثيرين من أجل تحقيق تقارب سوريّ-فرنسيّ فعّال يتيح لإيمانويل ماكرون ليكون شريكًا في الخيارات السياسيّة بين لبنان وسوريا، وبرعاية روسيّة في المواجهة مع المحور التركيّ-القطريّ. والإسلام السياسيّ الخليجيّ المتمثّل بدول الإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان سيغسلون أياديهم من الإرهاب المنساب في فرنسا وأوروبا وسيدينون التغطية التركية لهذا الاندراج الواضح، وحجر الزاوية لذلك إعادة المياه إلى مجاريها في العلاقة مع سوريا، لتبدو دمشق مع رئيسها حجر زاوية لبناء العمارة الجديدة في مواجهة الأطماع التركية.


وفي الخلاصة، كلام إيمانويل ماكرون لا يندرج في خطاب دينيّ يمثّل المسيحيّة، ولا التكفيريون بالمطلق المصممين على الأعمال الإرهابيّة يمثّلون الإسلام. لكن، ومع ذلك، ماذا نفعل بالتفاسير التي من شأنها تحريف المعاني الدينية لتصبّ في خانة الصدام؟


ختامًا لهذه القراءة، وبالعودة إلى محمد أركون رحمه الله، فقد شكا في مؤلفاته غير مرّة من تحريف النصوص القرآنية بتفاسيرها فتخرج الإسلام من معناه الكامل وتراثه الكليّ. فمتى خرجت النصوص من جوهرها فحينئذ نكون أمام مطبّات خطيرة تحوّل الدين إلى شرطيّ قابض على حياتنا، أو إلى سيف يبيح إزهاق الأرواح وإراقة الدماء. فحاذروا من تمزّق الله حتى لا ننتهي إلى موت عبثيّ وطيد.


وأخيرًا إن الرصاصات التي أطلقت على الكاهن اليونانيّ، وهو مترجّح بين الحياة والموت، عليها بصمات تركيا وقطر. آن الوقت ليفهم الجميع أن المدرسة التي ينتمي إليها أردوغان هي من تحرّف الإسلام عن كليّة المعنى وبهاء التراث.

MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING