HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

تجليات الصليب في مأساة بيروت ولبنان (بقلم جورج عبيد)

14
SEPTEMBER
2020
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

دماء شهداء بيروت وضحاياها أعادتني إلى يسوع الناصريّ المصلوب. لقد علق على خشبة ظلمًا وحسدًا، لأنه واجه الفساد والظلم في مملكتهما، وكشف قذارة من ادّعى الشريعة والتحف بحروفها فيما هم خالون منها أبرياء من روحيّتها.


فيما كنت أمس واليوم أتأمّل في أيقونة المصلوب، وجدت فيه حشد الشهداء والضحايا الأبرياء. كان يمثلّهم منذ أول شهيد للظلم وهو هابيل إلى من يقتلون ظلمًا في أزمنة التوحّش والتفلّت. ما يميّزه أنّه لم يكن شهيد الظلم فقط بل شهيد الحبّ. هو الوحيد في تاريخ الأديان والحضارات كلّها كشف الله محبّة. هو الوحيد القائل في خطبة الوداع أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم، أثبتوا في المحبة، أثبتوا فيّ كما أنا فيكم. لقد قرروا القضاء عليه، ليقينهم، بأن ما كشفه الناصريّ من أدبيات راقية ستهزّ عروشهم وتخلعها باللطف. عند يسوع الناصريّ اللطف أقوى من العنف، ليس من تلاقٍ بين الجلافة والطراوة، بين البغض والسلام.


فوة يسوع أنه عرّف عن نفسه بأنه إله السلام وسيد الغفران وربّ الأحياء والأموات. لم يكن التعريف مألوفًا عند اليهود ولا في عند روما أي عند الإمبراطورية التي تحيا بأمر قيصر، ولا عند اليونانيين. ولذلك كتب بولس الرسول إلى أهل غلاطية قائلاً: "إنّ كلمة الصليب عند الهالكين جهالة أمّا عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله وحكمة الله". لماذا قال هذا "لأنّ اليونانيين كانوا يطلبون حكمة واليهود آية". موت المسيح على الخشبة هو الآية العظمى المتجلية بالقيامة. عيد الصليب ليس عيدًا لخشبة صلب عليها المسيح، إنه استذكار للآلام الخلاصيّة بأسرها، أي أننا أمام جمعة عظيمة مصغّرة مستعادة وبسبب منها ومن النصر المحقّق بالسيح يسوع. الصليب بسبب موت يسوع وقيامته، قد غدا مركز القوّة والخير، ورمز البذل والنصر والظفر.


من هنا قلت في مطلع عجالتي بأنّ دماء الشهداء أعادتني إلى أيقونة المسيح المصلوب عاريًا. لم أعرف طيلة حياتي أيقونة تضاهيها بهاء وإشراقًا. لا يعني هذا على الإطلاق بأنّ كاتب هذه السطور، تجمّد عند مشهد الصلب أو به ولم يطلّ على مجد القيامة، في يقيني إنّ القيامة لم تحصل لحظة خروجه من القبر، بل حصلت لحظة قال الآن قد تمّ وأحنى رأسه وأسلم الروح. على الصليب حدثت القيامة ويوم خرج من القبر كشفها وأعلنها لمريم المجدليّة ومن ثمّ لتلاميذه. بمعنى آخر إن عيد الصليب، وبعيدًا عن مدلولاته التاريخيّة يحوي الموت والقيامة، يترجمهما، يجسّدهما، يؤكّد وبسبب منهما أن الصليب حافظ كل المسكونة وهو جمال وحقّ وخير، من الجمال والحقّ والخير. في تعبير آخر إنه جمال الكنيسة فخر المؤمنين وجرح الشياطين. مشهد يسوع عليه ليس للتفجّع والندب والنوح. هذه طقوس لا تألفها في العمق الكنيسة الظافرة والمتألّهة والمتألقة بمجد الصليب أي بمجد النصر المتحقّق بيسوع الحبيب.


عيد الصليب عيد للنصر والفرح. أساسًا لم يمت المسيح سوى ليمنحنا الفرح. السؤال المتعب في أزمنتنا المتوجعة، كيف نذوق تجليات الصليب في وسط غابة صلبان عبثيّة؟ كيف نذوق يسوع في لحظات الشدّة والخوف والحزن والضيق والمرض؟ كيف نفهمه واحة خلاص فيما عاصمتنا بيروت ترمدت واختلط الرماد بالدم والردم؟


استلهمت شهداءنا الأحباء من آمنين ومجاهدين في حقول شتى من الدفاع المدنيّ إلى ممرضات وأطباء التهمهم الانفجار الرهيب، ورأيت المسيح ساكنًا في كلّ واحد منهم. المسيح لم يمت على الصليب لينتهي في القبر أي ليعود إلى التراب. المسيح مات ليحيا في كل قتيل ومعاق وجريح، ليتحرّك في كل مظلوم وليبقى يواجه وحشيّة الظالمين. من قتلوا أو استشهدوا في بيروت أو أثناء القيام بالواجب أو نتيجة الظلم كما في كفتون، تتمثّل فيهم آلام المسيح وقيامته لتبقى تخضّ الفاسدين والمجرمين واللصوص والقتلة. نحن ورثة الآلام الخلاصية والقيامة. أحبتنا هؤلاء لم ينفصل المسيح. لقد مزقوا جسده بأجسادهم، سفكوا دمه بدمائهم سحقوا وجهه بوجوههم، ولكنه كما قام في اليوم الثالث وكان لنا الفصح فهؤلاء بدورهم سيقومون لأنّ المسيح معهم سواء اعتمدوا على اسم الثالوث القدوس أو ولدوا من بهاء الكلمة ونجاوى الروح.


المسيح ليس في الكتب كما قال عظيمنا المطران جورج خضر. المسيح حيّ في داخلنا في أدمغتنا في أمعائنا يتحرّك فينا. المسيح المحصور في الكتب وغير الحيّ إنسان مات منذ ألفي سنة وانتهى. المسيح مات فقام. هذا عمق إيماننا وجوهر حياتنا. هذا كل شيء فينا. بشاعة الجريمة وقباحة الانفجار لا تبطل قوّة المسيح. المسيح حيّ بكلّ شهيد وضحيّة، بكل أم ثكلى وأب مفجوع، بكل من فقد بصره أو يدًا أو رجلاً أو بات مشلولاً. المسيح حيّ بكم، وارتفاع الصليب قائم فيكم ومعكم وبكم. على أجسادكم ارتسمت سمات الرب يسوع، ليس فيكم بعد الآن شيء ترابية هذا العالم، أنتم مطلون من بهاء الملكوت في دنيانا، والموجوعون منكم تتساقط عليهم لينالوا الشفاء والتعزيات. آلام الكون ليست بشيء أمام ذروة آلام المخلّص، آلام لبنان والمشرق ليست بشيء أيضًا أمام آلامه. لقد دمج بآلامنا حتى تخفّ الأوجاع ونبرأ سريعًا. لقد قال لنا ستقوم أمّة على أمّة ومملكة على مملكة. لم يقل بأنّ الحروب ستتوقّف بعد قيامته وصعوده. ما فعله أنه ترك نفسه في القرابين الإلهية في القداس الإلهي في الإنجيل الحبيب ليكون لنا سلام، وليحلّ فينا الخير إذا آمنّا أنه رحم له. من آمن به لا يعود يخطئ ولا يمسّ السوء ولا يدركه الإثم.


مشكلة الأمم وبخاصة المسيحيّة أنها لم تعد في المسيح الحقّ. تركت نفسها عبدة للشرير فأدلّها، وبعضها استلذّ الإذلال وفرح بالشر وبدور الشرير في مواجهة الخير وكلّ الخيرين. لا خلاص لنا، ومهما مارسنا التسويات وبلغناها إلاّ إذا اندمجنا بالسيح يسوع كلمة الحقّ وأطللنا به من جديد إلى الوجود. أجساد الجرحى دماء الشهداء والضحايا حافز لنا لنرذل الشرير ونحيا في بركات الحبّ والصلاح. وأولى الشروط أن يعود للحق عرشه السامي في السيادة الصالحة والاستقلال المتوازن النقيّ، أي بقضاء لا يخشى سطوة سياسيّ شرير يخشى اقتضاحه في هذه الجريمة أو في امتلاك المادة التي أدت إلى الانفجار. متى بدأتم بهذا الشرط عاد لبنان إلى الحياة والفرح واتشح بالبهاء.

 

تجليات الصليب ليست في التاريخ محصورة بل فينا وفي دنيانا. وهي قائمة في كلّ بلد ذبيح، ولبنان لا يزال منذ نشأته وتكوينه ذبيحًا، يسجد في بستان الزيتون ويعرق دمًا كما كتب الأب العظيم ميشال حايك. سبيلنا الآن أن تتحول الدماء إلى أنهار ضياء ليبطل فينا الموت ونعبر منه بواسطة الصليب الكريم إلى القيامة.

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING