HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

في مفهوم البطريرك ليس الحياد حيادًا بل الانتقال من محور إلى آخر (بقلم جورج عبيد)

16
JULY
2020
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

بقلم جورج عبيد -

أبلغ فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون صاحب الغبطة البطريرك بشارة الراعي خلال زيارته له ما يلي:
"إنّ التوافق بين المكوّنات اللبنانيّة هو الأساس لأيّ خيار يتناول الواقع اللبنانيّ"، مشدّدًا أمامه بأنّ الوفاق الوطنيّ هو الضمانة الأساسيّة لأيّ حل للأزمة اللبنانيّة".


أمّا البطريرك الراعي وبعيد زيارته للرئيس عون قال: "لا يجب اعتبار الحياد موجّهًا ضدّ أحد على الإطلاق بل هو لصالح جميع اللبنانيين ويجلب الاستقرار للبنان". وفي متن تصريحه توكّأ السيد البطريرك على مشروع فخامة الرئيس بجعل لبنان مركزًا للتلاقي والحوار معتبرًا بأن القاعدة لتجسيد فعاليّة الحوار أن يكون لبنان حياديًّا... وبرّر بأنّ مألفة الحياد لا تعني عدم التزام لبنان القضايا العربيّة العامّة من دون أن يدخل في شؤون الصراعات السياسيّة والعسكريّة... ولبنان يحمل القضيّة الفلسطينيّة في قلبه وعله لأنها تخصّ جميع الفلسطينيين.


تصريح البطريرك جاء على إثر توضيح الرئيس له وبحسب مصادر بعبدا، بأنّ مفهوم الحياد لا يلقى إجماعًا وطنيًّا، وأبدى ملاحظة واضحة، بأن طرحًا وبالشكل المثار بإمكانه أن يقود إلى انقسام عموديّ خطير في الرؤى والآراء، وليس من مصلحة لبنان على الإطلاق وفي الظروف الحالية التي يعيش تداعياتها أن يغرق في متاهات من هذا النوع، لأنها ستساهم ومن دون شكّ بارتفاع منسوب التوتّر وبإمكانه حينئذ ان يؤدي نحو المزيد من الانشطار والانفجار.


لماذا أوغل السيد البطريرك في التسويق لهذه المألفة Synthése وهل التسويق انطلق وكما شرح في تصريحه من قراءة ذاتية، أو أنها هبطت عليه من مصدر في الأصل هو من أطلقها؟


قبل الإجابة على هذا التساؤل، ركّز بعض المؤيدين لمفهوم الحياد على ميثاق سنة 1943 بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، من دون الانتباه بأنّ الميثاق آنذاك ركّز بأنّ لبنان ليس مقرًّا ومستقرًّا للمتآمرين والمؤامرات على سوريا والمحيط العربيّ، مستندًا إلى اجتهاد لفظيّ عنوانه: تعريب المسيحيين ولبننة المسلمين، وما لبث الميثاق بعدذلك أن سقط فعليًّا بسبب النكبة الفلسطينيّة سنة 1947-1948. والانقلاب الجذريّ في العالم العربيّ لا سيّما في أنظمته بعد الانغراس الأثيم لدولة "حبل بها بالإثم وولدت بالخطيئة" كما قال المطران العظيم جورج خضر. والبلوغ في حقبة الخمسينيات من القرن المنصرم إلى معسكرين، واحد موال للاميركيين عرف بحلف بغداد وآخر تزعمه جمال عبد الناصر وأدّى فيما بعد إلى الوحدة بين سوريا ومصر. وكلّ ذلك انعكس في الداخل اللبنانيّ فانسابت الصراعات بالقوالب الطائفيّة وتزاحمت منذ عهد الرئيس كميل شمعون رحمه الله إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب، وراح الوضع يشتدّ تأزّمًا إلى أن تحوّلت إلى مقدمات فعلية لاندلاع الحرب اللبنانيّة... فأتى أيلول الأسود، وقبله اتفاق القاهرة، والعدوان الإسرائيليّ على لبنان ومن ثم الثورة الفلسطينيّة لتؤشّر بالكوارث حتى جاء اتفاق هنري كيسينجر وحافظ الأسد سنة 1973 اللبنة الأولى لدفع الجيش السوريّ نحو لبنان للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينيّة وعلى رأسها ياسر عرفات.


هذا السرد التاريخي للتأكيد على أنّ لبنان غير منفصل عن محيطه. وسقوط الميثاق في ذلك الحين أكّد استحالة استواء لبنان ضمن نمط داخليّ جديّ، يرسّخه وطنًا حقيقيَّا. وفي ظنّنا بأنّ الحياد في مفهومه وتوجهّاته لا يفصل بين سيادة الدولة المتكوّنة وفقًا للفلسفة الميثاقيّة وهويته الحضاريّة والوجوديّة المتأتيّة من خصوصيّة موجوديّته في محيط مشرقيّ-عربيّ، بمعنى أن ليس من انفصال بين السيادة الوطنيّة والهويّة الحضاريّة. يفترض من هذه الناحية، الدمج بين سيادة الكيان ونهائيّته ومشرقيّته وعروبته، وتأبى الاندماج بإسرائيل كدولة غاصبة ومغتصبة. فلا يسلخه من جذوره الحقيقيّة الفائمة والتي تجعل مكوناته كما قال الرئيس عون في توافق جوهريّ، والوفاق الوطنيّ هو الضمانة الأساسيّة لحلّ الأزمة اللبنانيّة.
سنة 2007 وأثناء عشاء في منزل الوزير السابق المغفور له فؤاد بطرس شارك فيه كاتب هذه السطور إلى جانب المطران جورج خضر والسفير فؤاد الترك رحمه الله والكاتب رفيق خوري، وجميعهم أصدقاء، انطلق حوار عميق حول المرحلة المنتظرة، وكانت إضاءة على شعار "لبنان أوّلاً" الذي أطلقه الرئيس سعد الحريري. استوقف كاتب هذه السطور هذا الشعار وقد اعتبره مبهمًا وشديد الضبابيّة. ثمّ استأذن صاحب الدار وانطلق بقراءة جاء فيها: "سنة 1943 انطلق المغفور له رياض الصلح بمفهوم ميثاقيّ عرّب المسيحيين ولبنن المسلمين، ولعلّ شعار لبنان أوّلاً مستمدّ من تلك الرؤية التي اعتبرها بعضهم تأسيسيًّة. وجاءت بالتالي كمحااولة لإنهاء النقاش حول الانتماء إلى الشرق أو إلى الغرب. ولعلّنا نذكر بأنّ مؤتمرين انعقدا في بيروت وطرابلس سنتيّ 1932 و1936 عرفا بمؤتمر الساحل وفيه أكّد المسلمون لصوقهم بسوريا وانتماءهم الوطنيّ والقوميّ لها.


ثمّ أوضح بأنّ الرئيس سعد الحريري أطلق شعاره بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والده، وهو قد اتهم سوريا باغتياله. السؤال المطروح ماذا لو انقلب الوضع في سوريا وتمّت الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، هل يبقى سعد ومن معه على هذا المفهوم المنتمي بالأصل للفلسفة الميثاقيّة، أو ينقلبون عليه ليعودوا إلى مندرجات مؤتمر الساحل ومقرراته أي إلى الوحدة مع سوريا؟ نظر فؤاد بطرس إليّ وقال: "هذا تحليل منطقيّ وجدير بالاهتمام ولم يسبق لي أن سمعته من أحد قبلك، وأنا موافق بالكليّة على تلك القراءة. هدف تلك المداخلة تثبيت الرؤية الموضحة بأنّ المكوّنات في لبنان غير جاهزة لامتصاص هذا المفهوم البطريركيّ في المدى المنظور.


لماذا هي غير جاهزة في المدى المنظور أو ليس من اتفاق حولها، ولماذا البطريرك الراعي بالذات شاء طرح هذا المبدأ؟
عدم الجهوزيّة مستند إلى أن القوى السياسيّة الحاليّة لم تحيّد نفسها عن الصراع، ومن لاقى السيد البطريرك إيجابًا في دعوته مسلوب الإرادة حتى العظم وينتمي إلى ثقافة الوصاية، أي وصاية الآخرين عليه. البطريرك نفسه وضّب طرحه في إطار سياسيّ موصوف ومصطفى في آن، حتى ولو حاول الإنكار بالحدّ الأقصى أو التبرير بالحدّ الأدنى.


تؤكّد بعض المعلومات بأنّ البطريرك الراعي، انطلق بطرحه بإيحاء أميركيّ خبيث ومباشر عملت عليه السفيرة في لبنان دوروثي شيا. ليس الإصرار على هذه المألفة بطريركيًّا بل أميركيّ بامتياز. فهم، ومنذ أزمنة طويلة استلموا واستلهموا تلك المادة كإطار ضاغط. لقد تعمّد عبطته طرح رؤيته في اللحظة التي بدأت الحكومة اللبنانيّة تتواصل مع الصين، والتوجّه شرقًا، وهو عارف بالضبط المعنى العميق لهذا الطرح. لقد شاء البطريرك الحياد حجابًا حدوده الغرب والخليج، فيما يفترض فيه لو استذكر جذوره المشرقيّة أن يستذكر بالدرجة الأولى بأنّ الحياد بدوره يعني العلاقة مع سوريا كمدخل طبيعيّ للعالم العربيّ والأوروبيّ.


لو رام السيد البطريرك الحياد الإيجابيّ، لكان في الدرجة الأولى وقف بوجه التدخّل الأميركيّ والسعوديّ في لبنان، إسقاطًا لهذا المبدأ عينًا، ولم نلمس تدخّلاً حادًّا كالتدخّل الأميركيّ الذي استكمل اليوم بكلام ديفيد شينكر المتطرّف للغاية الرافض لعودة النازحين السوريين لسوريا في الوقت الحاليّ، فيما فخامة الرئيس أمام وفد من العلماء المسلمين قال بأنه يحضر للتعاون مع سوريا والدول المعنيّة لعودة النازحين السوريين إلى سوريا. أهمّ ما قاله الرئيس عون بأنّ الحياد لا يمنعنا من الدفاع عن أرضنا.


البطريرك الراعي ربط مألفة الحياد بطرح غريب دعا فيه رئيس الجمهوريّة بحماية الشرعيّة. إنّه قول يحتمل النقد لخطورته الفائقة. فهو يحيي ويوطّد الانقسام العموديّ ويؤكّد بأنّ الشرعيّة في غربة حقيقيّة عن الرئاسة والعهد، والمصادر المواكبة للنقاش بين الرئيس والبطريرك أكّدت بانّ الرئيس رفض هذا الكلام مستنكرًا، واستكمل المقربون من الرئيس النقد واللوم لصاحب الغبطة معتبرين بأنه إذا كان غبطته حريصًا على الشرعيّة فالأجدر به أن يردّ على كلّ متطاول على الرئيس والرئاسة ويعتبر بأنّ الرئيس المسيحيّ والمارونيّ الوحيد في العالم العربيّ خطّ أحمرن وليس أن يصطفّ إلى جانب المنتقدين والمتطاولين.


قوة لبنان أيها البطريرك، برئيسه وشرعيته بالتفاعل الوطنيّ أي الشراكة الوطنيّة، بعلاقته مع الجميع. قوة لبنان أيها السيد البطريرك أن يمنع مداخلات السفراء وتدخلاتهم حينئذ نتكلّم على النأي بالنفس وعلى تحييد لبنان عن صراعات الآخرين.


وفي الختام، ليس شرط وجود لبنان مركزًا للحوار والتلاقي تجسيد الحياد، بل أن يكون لبنان بكل مكوناته جسرًا حضاريًا راقيًا بين الشرق والغرب، والشرط الثاني حلّ القضيّة الفلسطينيّة وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين ورفض التوطين، حينئذ يكون الحياد مباركًا من الجميع ومجسّدً لآمالهم أجمعين.

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING