HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

العاصفة الأميركيّة تشتدّ وبيان بعبدا ليس بالمستوى المطلوب - بقلم جورج عبيد

1
DECEMBER
2019
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

هلّ شهر عيد الميلاد، والناس تحيا دومًا على رجاء أن تذوق الفرح المشرق من مذود بيت لحم وتبصر الحقّ الضائع في وطن مخلّع ومشلّع، قد أمسى ملعبًا لقوى خارجيّة تقتات من جوهره لتهلكه وتصرعه وتدفن دوره وحضوره، وتطفئ إشعاعه الكبير بين الأمم، وكانت الأكاديميّة الدوليّة للإنسان والحوار شعاعًا وتجليًّا أضاء في المشرق والعالم كلّه.

قبل الغوص فيما نحن عليه، لا بدّ من استنكار التعرّض لمبنى تلفزيون الOTV على تلّة المونتفيردي بقنبلة مولوتوف. لقد دلّ هذا الاعتداء على رفض وضعيّ من قبل الآخرين لأن يكون لها وجهها الوضّاح وهويتها الكيانيّة، لقد فضح الاعتداء على تلك الشاشة خبث المآرب وقبح المشارب المعتمدة بإحكام من بعضهم، وأعادنا إلى زمن رديء جدًّا يستوي فيه الفكر الصداميّ بقوّة، وينغرس الرفض والفرض في بيئات ملتوية، مأخوذة إلى المزيد من العنف والعنف المضاد، بدلاً من أن تستقيم البيئات في بهاء الحوار المتعالي بكرم ضمن مبدأ مقارعة الحجّة بالحجة والمنطق بمثيله. بيئة الOTV فطمت على ديمقراطيّة راقية ومحترمة، والشاشة الكريمة جسّدتها بنبل وكبر، ولم تبخل حتى على من يعارضون نهج التيار باستقبالهم بكلّ سرور لييدوا آراءهم أمام الناس من دون انتقاص من حقوقهم وأدوارهم دون حذف وقطع. لقد حوت تلك الشاشة كلّ الآراء من دون انتقاص أو ابتئاس فيما كثيرون من أهل التيار، وبسبب ذلك، كانوا يتذمّرون أحيانًا كثيرة وتعلو أصواتهم في السرّ والعلن بسبب استقبال الشاشة للمعتبرين عندهم خصومًا. وعلى الرغم من كلّ هذا، بقيت الشاشة على لهبها وامتدادها وكرمها وانفتاحها، دون الحياد حتمًا عن انتمائها، وقد افتخرت به غير مرّة. على هذا لا بدّ في هذه العجالة من توجيه التحيّة للصديق الحبيب روي الهاشم رئيس مجلس إدارتها على هذا الدور الواعي والراقي، ولكلّ الإداريين والعاملين فيها فردًا فردًا راجيًا لهم ديمومة الإشعاع لأجل الحقيقة والحقّ.

أمّا بعد، فإنّ كثيرين انتظروا أن يأتي بيان المجتمعين في قصر بعبدا على قدر كبير من المسؤولية، في تحديد المسؤوليات وإظهار الحلول لترتاح قلوب الناس الخاشية على جنى عمرها. فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، وبحسب بعض المصادر كان حريصًا جدًّا على مبدأ الشفافيّة في علاقة المصارف مع المودعين. فخامته وللأمانة أوضح للمجتمعين بضرورة أن تأتي الحلول جذريّة ولا يتمّ الاكتفاء ببيانات إنشائيّة لفظيّة،وهو المدرك وبفهمه العميق ورؤيته الاستراتيجيّة وقراءته الحريصة بأنّ لبنان قد غدا ساحة لحرب ماليّة خطيرة تشنّ عليه ولم يسبق أن تحوّلت أموال المودعين إلى ورقة قوّة بوجه الشعب، ليبدو لبنان تحت استعمار الدولار، أو كما قال صديق كبير We are fighting a ghost، نحن نحارب شبحًا، ومال الناس أي الدولار هو الشبح، وهذا الشبح عينًا يحاول أن يفرض معانيه ونظامه ولغته وحروفه بنفور تام وفجاجة مطلقة، ويبدي هيمنته بشدّة ومن دون هوادة، وهو غير محصور في لبنان، بل متسع نحو المشرق برمتّه قدر ما يستطيع في الإيغال، وهو ماض استراتيجيًّا إلى قطع الطريق على الانبثاث الروسيّ-الصينيّ-الإيرانيّ فيرفع السقوف تمهيدًا لكسب ما يشاؤه من صفقات في النفط والماء والإعمار لا سيّما في سوريا.

أمام ما يظهر من أبعاد واضحة انكشف الكثير منها، كان يفترض ببيان المجتمعين في قصر بعبدا أن لا يكون نسخة طبق الأصل عن البيان السابق، بل أن يكشف للناس الإجراءات الجذريّة التي تستوجب كتابة نصوص قانونيّة وإجرائيّة، بل ان يغوص في توصيف دقيق للحالة التي نعيش. ذلك أنّ المجتمعين بمعظمهم يعرفون الداء، بل هم من تورّطوا في حقنه في شرايين الجسد اللبنانيّ والنظام المصرفيّ والماليّ حتى ينهار بالكامل فيتولّد نظام آخر وفقًا لرؤاهم ومصالحهم. لقد بينّا هذا بالتفصيل في مقال سابق نشر على هذا الموقع، وبيبّنا بأن أصحاب المصارف كما الصيارفة بمعظمهم عملوا مع "المفوّض السّامي الأميركيّ" ديفيد شينكر والسفيرة الأميركيّة مارغريت ريتشارد، فغدوا جزءًا من أنظومة فرضت نفسها على حياة الناس، فاستوى، هنا بالذات، الذين يعلمون والذين لا يعلمون، في حركة شاجبة وصاخبة منطلقة من نفس خائفة بوجه طغمة طاغية، تأكل من أتعاب الناس ورزقهم، وتعيد من الزاوية الماليّة إنتاج طبائع الاستبداد، ليبدو المودعون تحت سطوة أصحاب المصارف والصيارفة، فيتجنّدون بسبب من خوفهم بوجه العهد حصرًا ليطالبوه بالتكليف والتأليف المتسرعين، وليس السريعين المبنيين على توازن أخّاذ بوجه الفوضى الخلاّقة المترجمة والمحقّقة بهذه الصيغة المرسومة لنا.

ثمّة ما لم يدركه كثيرون، وهو أنّ فوضى لبنان منسوخة بالكامل عن فوضى العراق. الشبح عينه يتحرّك بقوّة بين البلدين، مستغلاًّ ثورة الناس المحقّة بوجه الفساد هنا وهناك. وإذا ساغ التوسّع قليلاً، فلا بدّ من التوضيح بأنّ التاريخ يعيد نفسه، في كلّ حركة وإنتاج دوليّ من هنا او هناك. فالدول لا تهمّها مسلّمات الشعوب بالخصوصيّات والفرادات، والمؤلم أن بعضهم لا يزال يقحم نفسه في العمالة لقاء العمولة، غير آبه بالانعكاسات على الحاضر والمستقبل، بل على العكس تمامًا الدول تهتمّ لكي تستهلك الخصوصيّات والفرادات الدينيّة والسياسيّة والماليّة وتجذبها نحو المزيد من التمزّق والاحتراب. فمن قرأ كتاب "صدام الحضارات وظهور العالم الجديد" The clash of civilizations and remaking of a new world لمؤلّفه صموييل هانتنغتون يفقه المعنى والمغزى. لقد تجسدت أنظومة الكتاب في شرق أوروبا وفي الخريف العربيّ، وبخاصّة في سوريا، وهي بدورها تتسلّل نحو لبنان في محاولة جذبه نحو التأليب المذهبيّ والطائفيّ والبنيويّ بفتن عبثيّة قاتلة، إلى جانب التأليب الماليّ، ضمن منظومة الحرب المستعرة ما بين واشنطن وطهران في معظم الإقليم المتوتّر وامتداده. الحملة الفرنسيّة التي استهدفت الشرق ومن ضمنه لبنان في القرن التاسع عشر، كان هدفها احتكار صناعة الحرير. والصراع الحالي متمحور على استثمار بؤر النفط أميركيًّا ما بين لبنان وسوريا والعراق، وقد صدم الأميركيون من تلزيم مصفاة طرابلس لشركة نوفاتك الروسيّة لكونها قادرة على ضخّ النفط باتجاه طرطوس وبانياس وحمص وحميميم وصولاً نحو العراق. مصفاة طرابلس موقعها استراتيجيّ بالنسبة للأميركيين، وهي أي أميركا تريد الاستثمار في البلوك 4 والبلوك 9.

هذا التحشيد "الأميركيّ" يصبّ بأهداف ثلاثة:
1-سحق العهد بمحاربة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون بسبب مواقفه الواضحة والرافضة لدمج النازحين السوريين في لبنان، والداعمة لدور المقاومة الرادعة لكلّ اعتداء إسرائيليّ محتمل ووارد. وسحق العهد بالمفهوم الأميركيّ إضعاف للدور المسيحيّ اللبنانيّ ببعده المشرقيّ، الضامن لموجوديّة المسيحيين في المشرق برمتّه، ومحق للبنية الميثاقيّة المتوازنة التي عمل مسيحيو لبنان على استيلادها كخصوصيّة لبنانيّة فريدة لا مثيل لها في معظم دول الشرق الأوسط.
2-سحق المقاومة كقوّة رادعة بوجه إسرائيل، وهم يحاولون بطرائق شتّى لتطويقها تارّة عبر التفريق بينها وبين الجيش اللبنانيّ، فيحدث الانشقاق، فيما الالتحام المتكامل الأطراف بينهما حمى لبنان بوجه الاعتداءات الإسرائيليّة والقوى التكفيريّة. للالتحام بين الجيش والمقاومة ساهم بسطوع الفجر فوق جرودنا وربانا، وكم استاء الأميركيون من المعاني الظاهرة والظافرة المتجليّة بعمق هذا الالتحام. وتارة أخرى بمحاولة جذب المقاومة إلى حرب مذهبيّة قاتلة كادت أن تقع لولا حكمة أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله وعدد من الشخصيات السنيّة والوطنيّة.
3-تحويل لبنان إلى مستعمرة أميركيّة آحاديّة بوجه الوجود الروسيّ-الإيرانيّ في سوريا. لقد طرح ألكسندر زاسبيكين السفير الروسيّ في لبنان سؤالاً عميقًا ووجيهًا، هل الأميركيون ثابتون في التسوية السوريّة أي في التطبيع الحاصل هناك؟ فإذا ما كانوا جادّين وثابتين فلأي هدف يعبثون بلبنان، وهم عارفون ومدركون بأنّ الروس لن يقبلوا بأن يكون لبنان شوكة أميركيّة في الخاصرة السوريّة، أو مدى لآحاديتهم المفرطة؟ وقد أكّد ما أظهرناه في مقالنا السابق بأنّ الملفّ اللبنانيّ بإرهاصاته وتداعياته بات محور انقسام ما بين إدارة الرئيس البراغماتيكيّ دونالد ترامب بحسب وصف زاسبيكين، والإدارة العميقة المؤلّفة من صقور توجّههم الحركة الصهيونيّة ويعملون حصرًا لاقتلاع المسيحيين من الشرق وإظهار قوة إسرائيل ومساندة بنيامين نتنياهو في حركته الانتخابيّة الحاليّة.

ليس واضحًا إذا كنّا سنشهد انفراجًا في القريب العاجل ما لم تولد الحكومة الجديدة. لن تكون الحكومة حيّة إلاّ بمضمون جديد، ضمن سلّة حلول ومسلّمات تنطلق من قراءات استراتيجيّة تحاول انتشال لبنان من قاع الهاوية التي بلغها. هل هذا ممكن؟ لننتظر ونرى ما سيلده الأسبوع المقبل. فشهر الأعياد بدأ، وإذا لم نشهد انفراجًا بدل الانفجارات المتنقلّة فإن الحركة السياسية تكون قد بطلت، والمليارين دولار وقد كان يؤمل أن ينعشوا لبنان، وكما قال البروفسور لويس حبيقة ستستفيد منهم قبرص وتركيا واليونان. ما نرجوه أن نشهد حلاًّ سريعًا وليس متسرعًا وجذريًّا قبل فوات الأوان.

وفي الختام: وفي جوّ الميلاد المنتظر، لا بدّ من توجيه ملاحظة بنّاءة إلى رؤساء البلديات في المدن والقرى، تجاوزوا ما نحن عليه من يأس وحزن، وتفضّلوا وارفعوا الأشجار والزينة وأضيئوا الشوارع بأضواء العيد من أجل أطفالنا، من أجل تعزيتنا. ميلاد المسيح، ميلاد للنور والحقّ، إنّه شمس العدل المشرق في هذا الليل والذي يبقى أقوى من كلّ ليل. ميلاده هو ثورة الثورات، وثورة الفرح في كلّ نفس وقلب. إذا آمنّا بأن المسيح فرحنا وحياتنا، فلنتحدَّ أزمتنا الصعبة في لبنان، ولنعد الاعتبار قدر الإمكان لبهجة العيد. فهذا الشهر هو الأخير في سنة 2019 وبعد ذلك نستقبل سنة 2020، فلنستقبلها ونحن مضاؤون بالنعمة والحقّ، ومدننا وقرانا قد ابتهجت بالمولود الإلهيّ.

في هذا العيد أتذكّر هذا البيت لشاعرنا العظيم الخالد سعيد عقل من ملحمة قدموس:

"لألأت كل هضبة فوق لبنان تصلّي وهام كل فضاء
وتسامى مجامرًا جبل الأطياب فافتح يا ربّ باب السماء"

فلتتلألأ هضابنا وجبالنا وربانا ومدننا وقرانا بعيد الميلاد الآتي ولتضء أعيادنا لبناننا الحبيب والمشرق بأسره على الرغم مما نحن عليه من بؤس وشقاء، ليبقى يسوع مشرق المشارق متأصّلاً في ترابنا وعروقنا وحياتنا ودمائنا وفوق ربانا وهضابنا ونورنا غالبًا لليلنا إلى نهاية الآباد.

 

 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING