HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

النأي بالنفس لا يعصم لبنان عن علاقة له بسوريا والخليج (بقلم جورج عبيد)

14
JUNE
2019
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

تتمسّك أطراف سياسيّة بمألفة "النأي بالنفس"، وقد أوجدوا لها تفسيرًا مبهمًا وضبابيًّا خاليًا من تدقيق أو تجسيد، والذي يعني عدم تورّط لبنان في صراع المحاور واحترابها. من نحت تلك المألفة لم يكن يملك الرؤية الصافية المترجِمة لمعنى النأي بالنفس على أرض سورياليّة في محيط تراجيديّ كما كتب رفيق خوري. بل كان يهدف متورّطًا إلى تطوير انعكاس ما هو تراجيدي في المحيط نحو الداخل اللبنانيّ، وقد انعكست تلك التراجيديا بحدود واسعة من خلال الأحداث الصادمة منذ نشوء الصراع في سوريا سنة 2011 إلى حين الحسم على الحدود اللبنانيّة-السوريّة وفي حوالي 90% من مساحة الأراضي السوريّة بانتظار الحسم في إدلب وقد بدأ غبار المعارك يتطاير في الجوّ.

 

لقد كان واضحًا أنّ التفسير الذي وضع لتلك المألفة ملتبس بالكليّة. إلتباسه يجيئ وينبع من أنّ واضعيه جاهدوا جهادًا مضنيًا لجذب لبنان إلى عدم الدخول في الحرب على سوريا، وإذا أمكن ليكون في مواجهة مع الدولة السوريّة بسعي سعوديّ، فيبدو لبنان جزءًا من المحور السعوديّ-الأميركيّ-الإسرائيليّ. يقع الالتباس هنا في هذه الإرادة عينًا فتتحوّل المألفة من معناها التحييديّ في فلسفتها السياسيّة والقانونيّة الواضحة، إلى اندراج متورّط في الحرب على سوريا بغية إسقاطها، إذ متى سقطت سقط العراق ولبنان واهتزّ العرش الهاشميّ وقضي على القضيّة الفلسطينيّة كما قال المثلّث الرحمات البطريرك إغناطيوس الرابع في خريف 2012 قبل وفاته بأسبوعين لصديق له. لقد ظهرت مألفة النأي بالنفس بمعناها الملتبس خطيرة على لبنان والمشرق بأسره، فانسابت مفرداتها السوداء بحلّة برّاقة خدّاعة إلى العقول اللبنانيّة بالتماهي التّام مع استهلاك الأرض العراقيّة وتفتيتها ومحاولة جعلها مطلاًّ لسوريا لو لم تحسم معركة الموصل الخيارات وتجهض السعي الأمنيّ والعسكريّ وإن لم تزل السعوديّة تحاول في العراق كما في لبنان الانسياب قدر الإمكان في سبيل التأثير على نتائج الأزمة في سوريا بخواتيمها.

 

لماذا استحضار هذه المألفة في خضمّ النقاش السياسيّ السّائد في لبنان في الآونة الأخيرة؟ لقد استحضرها بادئ ذي بدء أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله للردّ على كلمة رئيس الحكومة سعد الحريري خلال القمّة العربيّة في مكّة. لقد ذكّره بها لحظة ألمح في خطابه إلى التدخّل الإيرانيّ في الشؤون العربيّة، سائلاً إياه أين الالتزام بمسألة النأي بالنفس كمبدأ حقيقيّ يعصم لبنان عن التدخّل في سياسة المحاور، وفي مؤتمره الصحافيّ الأخير في القصر الحكوميّ دعا الحريري إلى الالتزام بها وإبعاد لبنان عن صراع المحاور، وأقرن كلامه بعدم الإساءة إلى المملكة العربيّة السعوديّة، وهي الحاضنة لآلاف اللبنانيين العاملين على أرضها.

 

إنّ مألفة النأي بالنفس بهذا السياق الجدليّ وبمأ أبلغه الرئيس الحريري في مؤتمره الصحافيّ قد عنت عنده وبوضوح ضرورة أن يكون لبنان على علاقة قويّة مع المملكة ونبذ أيّة إساءة توجّه لها من هنا أو هناك. وعلى الرغم من السياق التهدويّ الذي ظهر في علاقة الرئيس العماد ميشال عون برئيس الحكومة، وهي علاقة محبّة بالدرجة الأولى، فإنّ مصادر سياسيّة غاصت في الأبعاد النقديّة لمفهوم النأي بالنفس لتطرح ما يلي:

1-لماذا يصرّ رئيس الحكومة في لبنان على توطيد العلاقة مع السعوديّة، وفي المقابل يصرّ على عدم وجود أيّة علاقة مع سوريا، فيما سوريا بدورها هي الجارة الأقرب إلى لبنان وتربطنا بها الجغرافيا المشتركة والتاريخ المشترك والعلاقات الأسريّة؟


2-لماذا يصرّ دولته رفض التدخّل الإيرانيّ في الشؤون العربيّة، وكأنه بطريقة أو بأخرى يعيدنا إلى صراعين متلازمين، واحد قوميّ يختصر بعنوان الصراع على الهويّات والتعبير للمطران جورج خضر أو هويّات قاتلة والتعبير للكاتب الفرانكفونيّ أمين معلوف، بين العرب والفرس وبين الشيعة والسنّة، فكبف بجذّر مفهوم النأي بالنفس ما دام رئيس حكومة لبنان يستخرج بفمه ومن جوفه تلك الأدبيات الواضحة في قمّة مكّة ويستعملها كتذكرة دخول دائمة للمملكة العربيّة السعوديّة؟

 

وفي معرض الأسئلة النقديّة والأجوبة عليها بتوأدة، تذكّر المصادر السياسيّة بأن فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ومنذ انتخابه وبعيد رسوخ التسوية في لبنان، زار المملكة العربيّة السعوديّة ومصر والأردن والكويت، وإلى الآن لم يزر سوريا وإيران، الدولتين المعنيتين بصورة مباشرة بأزمة المنطقة، سيّما وأن أزمة النازحين يفترض أن تبحث حصرًا مع سوريا. بمعنى أن رئيس الجمهورية أظهر محبّته للمملكة من دون الإفراط بالمسلّمات التي أعلنها في خطاب القسم، فما الذي يمنعه من زيارة سوريا؟ ولماذا، وكما تفترض المصادر السياسيّة، ستلاقي زيارته وبحال حصلت معارض شديدة من الرئيس الحريري والحزب التقدميّ الاشتراكيّ والقوات اللبنانيّة، فيما زيارة عون للملكة لم تلاقِ أيّ اعتراض من حزب الله وأمينه العام بل على العكس احترم الحزب إرادة الرئيس بصفته رئيسًا وأثنى على حراكه ومواقفه في آن؟

 

وتفترض المصادر عينها، بأن توصيف مبدأ النأي بالنفس وتفسيره، إذا كان لا بدّ من رسوخه باصطفاف آحاديّ الجانب وغير متوازن، فهو قالب مجوَّف ومعطوب، وبالتالي غير قابل للتطوّر والحياة. ذلك أنّ المبدأ بحدّ ذاتها يلزم لبنان بإقامة أطيب العلاقات مع المحيط القريب منه والبعيد، فتكون العلاقات سياديّة تعبّر عن سيادة لبنان وترفض التدخّل بشؤون الآخرين، كما ترفض تدخّل الآخرين في شؤوننا. بيد أنّ الواقع المعيش يجافي الرؤية بسموّها وانتظاراتها، وبالإيغال شيئًا فشيئًا، ثمّة شواهد تكشفّت ولا تزال تتكشّف من خلال زيارات أفرقاء لبنانيين إلى المملكة العربيّة وهم معروفون بأسمائهم لخالد الحميدان مسؤول الاستخبارات السعوديّة لتلقّي الإملاءات، وأحيانًا كثيرة يطلب من وليد البخاري القائم بالأعمال السعوديّ في بيروت توجيه الرسائل والإملاءات المطلوبة. وعلى الرغم من أن رئيس لبنان أبدى حرصًا طيّبًا بضرورة أن تكون للبنان علاقة طبيعيّة بالسعوديّة فكانت الزيارة الأولى عربونًا صادقًا لتوطيد الرؤى، فإنّ السعوديين وبغضّ النظر عن صدامهم مع حزب الله، أعمنوا في عمليّة تأليب عدد كبير من الأفرقاء على العهد ورئيسه، وإلاّ فما معنى الأزمة التي اختلقوها مع الرئيس سعد الحريري في أوائل تشرين الثاني من سنة 2017؟ ولماذا لا يزالون، وبإصرار، يستعملون لبنان لتوجيه الرسائل المتعدّدة نحو الداخل السوريّ، ولماذا يصرّون على تقويض الإرادة اللبنانية في إسباغ التوازن على علاقات لبنان الخارجيّة، ويهدّدون بين الفينة والفينة بطرد اللبنانيين العاملين على أراضيهم كما حصل مؤخّرًا حين دافع جبران باسيل عن سيادة لبنان؟ والسؤال الجوهريّ المطروح، لماذا السعوديون يصرّون على عدم عودة النازحين إلى سوريا واستبقائهم في لبنان حتى بلوغ المنطقة نحو التسوية الأخيرة؟ والسؤال الجوهريّ البليغ، هل السعوديّة متمسّكة بالطائف كنصّ وقد غدا دستور لبنان، أو بالطائف كحالة تسوويّة جمعتها إلى الولايات الأميركيّة المتحدة وسوريا ليتقاسموا لبنان معًا ويزرعوا أنظومة الفساد التي تمثّلت بمجموعة سياسيّة رعاها المثلّث عبد الحليم خدّام وحكمت الشهابيّ وغازي كنعان ، ولا نزال إلى الآن نعاني من فسادها؟

 

إذا كانت السعوديّة متمسّكة بالطائف كدستور فالطائف قال بالمناصفة الفعليّة، التي لا حياد عنها، ومقدّمته اعتبرت بوضوح بأن لا شرعيّة لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. التأكيد على المناصفة في المادتين 24 و95 تأكيد على الميثاقيّة، والميثاقيّة مرتبطة بمبدأ جوهريّ وهو أن لا يكون لبنان مقرًّا ومستقرًّا للانقضاض على سوريا. النأي بالنفس يفترض ابتعاد لبنان عن صراع المحاور وابتعاد الأمم عن الدتخّل في شؤوننا، ويفترض بدوره أن يقيم لبنان علاقات طيبة مع سوريا وإيران كما مع السعوديّة والبحرين والكويت والإمارات، ويفترض أخيرًا قبول معظم الأطراف العربيّة بأن تعود سوريا بكرامتها وسيادتها إلى جامعة الدول العربيّة، كدولة مؤسّسة لكونها لا تزال عضوًا في هيئة الأمم المتحدة.

 

في الختام، إنّ تمسّك بعضهم بهذه المألفة ليس لأجل تجسيدها وترسيخها، وليس لأجل استكمالها بالمعنى والمبنى، بل هي حجاب لمآرب واضحة المعالم والآفاق تعني فريقًا واحدًا من اللبنانيين. أمّا الواقع فإنّ بهاء هذه المألفة يتكوّن بالدمج ما بين اللبنانيّة كما أسماها جبران باسيل Libanité والمشرقية Lévantine والعروبة البيضاء، على طريقة المغفور له الرئيس رياض الصلح، فيقيم لبنان علاقات طيبة مع سوريا والخليج بوجهه السياديّ الكامل.

 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING