HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

البطريرك مار نصرالله بطرس صفير من مجد لبنان إلى مجد القيامة (بقلم جورج عبيد)

13
MAY
2019
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-
خرج مار نصرالله بطرس صفير من بادية هذا العالم إلى ضفاف النور، وقد كان يلتمسه في توقه إلى يسوع الناصريّ في احتدام الشوق لكي يراه، فرؤيته هي ذروة الكمال، وقد تبتّل له بإخلاص كبير في مسيرة طويلة كان يستحضره إلى الوجود بالقرابين الإلهية التي كان يرفعها من أجل الناس أجمعين ولمغفرة الخطايا.
 
هذا رجل استثنائيّ في حركته، لقد اتكأ على نصر الله في التاريخ، ونصر الله في التاريخ انكشف في القيامة تلك التي غيّرت مسرى التاريخ البشريّ، بثورة الظفر، بيسوع الناصريّ الظافر على الموت. لقد هبطت النعمة على ذويه في تسميته نصرالله مذ كان طفلاً فجعلوه منذ ذلك الوقت قياميًّا أليف النور البازغ من الظلمات، وقد انتقل إلى وجهه الأقدس في بهاء القيامة، أي أنّ النصر إيّاه ابتلعه، كما ابتلع الموت في الغلبة. 
 
مسيرة البطريرك كانت دومًا مليئة بمواجهة العبثيّة الجاهلة والمنطوق بها هنا وثمّة. جمال هذا الرجل أنه آلف بين القلب والعقل، عاش راهبًا وظلّ راهبًا بصورة بطريرك، طبيعة كنيسته رهبانيّة منذ أن أسّسها يوجنّا مارون في كفرحيّ، وظلّت مديدة وعصيّة عن صنوف التجارب تبيت بين الصخور والجبال، إنها كنيسة الأرض بطبيعتها الليتورجيّة، كنيسة الناس في مشاركتهم الترتيل ولكنّها رانية إلى السماء، لأنّ كنيسة التاريخ لا تكتفي بأن تظلّ على هذه الصفة، كل كنيسة مدعوّة أن تبقى أبد الدهور كنيسة السماء والأرض، فيسوع هو التاريخ الأبديّ المقيم في ناسوت الناس والمحرّك لكلّ الأزمنة فينا.
 
فرادة مار نصرالله بطرس صفير أنّه زاوج بين القلب والعقل، سكب مخزونه العقليّ في بهاء الملكوت المتدفّق في قلبه. كان قلمه ولسانه يغرفان من ينابيع السماء، ألا تعرفون أن ملكوت الله في قلوبكم؟ ‘نه مقيم في اللحم والعظم حتى تتحطّم الترابية فينا ويتوهّج الضياء. بطريركنا استند إلى كثافة النور ومضى يقول القول الحلال في تاريخ متقلّب تتحكّم فيه المصالح الكبرى بالتهشيم والتهميش، كان يحاول القفز فوق الأسيجة، ويفجّر الرؤى الباعثة للتاريخ. كان يسرّ حين يسرد على سامعيه كيف أن الموارنة حفروا الصخور وشقّوا الجبال، عنده إنّ الموارنة مناضلون بل نضاليون، حملوا صليبهم وأسّسوا مملكتهم فترسّخت وأخذت مكانتها داخل الكنيسة الكاثوليكيّة بالدرجة الأولى وفي الحركة المسكونيّة في الدرجة الثانية وفي الشراكة المسيحيّة-الإسلاميّة في الدرجة الثالثة انطلاقًا من لبنان. في يفينه ويقين عدد من أسلافه ليس من فصل بين المارونيّة واللبنانيّة لكأنّ المارونيّة حركة قوميّة منحصرة على ذاتها من ذاتها في الليتورجيا واللباس والتوجّه، وكأنّ اللبنانية تعبير رديف عنها، فيما رأى علماء آخرون من هذه الكنيسة كالأب يواكيم مبارك، بأن المارونيّة الناطقة بالسريانية يفترض أن تحمل على منكبيها المدى الأنطاكيّ كما حملته الكنيسة الأرثوذكسيّة، وأن تظهر ذاتها بالهويّة المشرقيّة، كهويّة حضاريّة-روحيّة وفي لبنان هي كنيسة محليّة تحمل الهمّ اللبنانيّ على منكبيها سيّما أن رئيس لبنان مسيحيّ-مارونيّ، وهنا تبدو الفرادة واضحة.
 
يقين من عايش غبطته وصادقه، أنّه ما كان مقصيًّا عن الينابيع المشرقيّة. لقد ذكّر غير مرّة بأن قرية معلولا آراميّة اللسان، والكلام الجوهريّ قاله السيد بتلك اللغة. كان لبنان من هذه الناحية قضيّته الجوهريّة لأن المشرقيّة بحسب فهمه لا ترى بأنظمة مغلقة. كان حادًّا بالنسبة إلى استقلال لبنان، وأطلق نداءه مع المطارنة سنة 2000 من أجل انسحاب سوريا منه، وعلى الرغم من ذلك رنى إلى محاولات جديّة تنتج حوارًا رصينًا مع السوريين، وقد أدرك بأنّ سوريا المدخل الطبيعيّ والجغرافيّ للبنان نحو العالم العربيّ، منها محاولتان جديّتان.
 
1-واحدة قادها من لبنان المغفور له الوزير السابق فؤاد بطرس مع الرئيس السوريّ بشّار الأسد تجلّت فيها مجموعة رؤى وأفكار هدفت إلى إيجاد صيغة تصحيحيّة للعلاقة بين بكركي ودمشق واستطرادًا بين لبنان وسوريا. إلاّ أنّ الثلاثيّ عبد الحليم خدّام وحكمت الشهابيّ وغازي كنعان أجهض مسعى بطرس فتوقّف الحوار وسلك لبنان عصر التغييرات الجذريّة كان اغتيال الرئيس الحريري قمّتها.
 
2-ثانية قادها بصمت الوزير السوريّ السابق مكرم عبيد، وقد كان صديقًا طيّبًا لغبطته، ما لبثت بدورها أن اصطدمت بعقبات عديدة كأداء، والهمّ أن تطلّ بكركي على سوريا كما هي مطلّة على لبنان، فالمارونيّة ليست حركة لبنانية منفصلة عن المشرق، وميزة العماد ميشال عون فور عودته سنة 2005 أنه أعاد الموارنة إلى تلك الجذور الطيبة والآفاق العريقة.
 
بهذا المعنى لم يعصم البطريرك الراحل نفسه عن اللقاء مع سوريا، ولكنّه اشترط أمرين أساسيين وهما:
 
1-خروج سوريا من لبنان وعدم التدخّل في السياسة الداخليّة، واستكمال تنفيذ بنود السيادة.
2-عودة المخطوفين إلى أهاليهم بحال كانوا أحياء، وبحال وفاتهم استعادة رفاتهم ليصار إلى إكرامهم، ومن ثمّ إلى بناء المقتضيات القانونيّة.
 
فالبطريرك مدرك بأنّ له في سوريا ثلاث أبرشيّات، هي دمشق وقد عرفها في حقبة الستينات والسبعينات عن كثب وحلب وفي حلب يوجد قبر القديس مارون في براد، واللاذقيّة. ففي وادي النصارى توجد قريتان مارونيتان ملاصقتان لصافيتا وهما مشتى الحلو والكفرون، وبخاصّة كفرون سعادة. السؤال الذي طرحه النقاد غير مرّة لماذا سلّم البطريرك صفير تسليمًا كبيرًا باتفاق الطائف وهو لا شكّ مدرك بنتائجه أنّه سيكون ضمن رعاية أميركيّة-سوريّة-سعوديّة، ستزرع في بنيته طبقة سياسيّة فاسدة تأكل من لبنان ولا تضيف عليه شيئًا، ليذهب بعد عشر سنوات من تطبيقه ليطالب بالاستقلال والمطالبة كانت على حقّ، كما أنّه في الوقت عينه مدرك بأنّ الطائف أطاح بالتوازن السياسيّ-الميثاقيّ، أو أنه وقع تحت مكيدة البون بين الطائف كنصّ وتطبيقه المسيء إلى تاريخ لبنان وجوهره وأصالته؟ كثيرون فهموا بأنّ حاجة البطريرك آنذاك أن ينهي حربين رآهما عبثيتين، ولكن ألم يكن ممكنًا أن تأتي الشروط أفضل وأمتن للحفاظ على التوازن والاستقلال؟
 
كانت تلك الأسئلة مسرى نقاش دائم. يقين من لازموه في الصداقة، أنّه وبعد نقد ذاتيّ اقتنع بضرورة تصحيح المسار على مستوى المناصفة الداخليّة وهي جوهر نظام لبنان السياسيّ، فانكبّ على المطالبة بها، ودعم بكلّ جوارحه من ناضلوا في سبيلها. لقد أدرك البطريرك أن الرئاسة المناطة بالموارنة قد هزلت في مرحلة من المراحل، وهذا خروج عن التاريخ ومروق في التكوين. هل كان السوريون وحدهم خلف هذا الهزال؟ في اعتقاد كثيرين، كانت الرعاية الثلاثيّة وسوريا من ضمنها آخذة لبنان إلى ذلك، والسهام يفترض أن توجّه لمن باع لبنان وليس لمن اشترى. فالأميركيون باعوا والسوريون بالتحديد اشتروا. وهنا لا بدّ من القول بأنّ البطريرك كان حريصًا على تبيان عمق عداوة إسرائيل للبنان وتحديدًا للمسيحيين في المشرق، وغالبًا ما وجّه الاتهامات إليهم، لكنّه اختلف مع حزب الله في طرائق المواجهة، وأثبتت الوقائع فيما بعد بأنّ السلاح الردعيّ للمقاومة هو الأفتك لمواجهة حقدهم.
 
لا ينفي الخلاف السياسيّ صداقة طيبة معه. كنت أذوق بركاته وكرمه ولطفه. كانت متعتي بأن أجلس إليه في حديث كان العقل يطلّ على العقل من دون أن نفقد عاطفة القلب حيث يتكثّف البهاء. متعته في الوقت عينه أن يزوره حبيب مشترك هو المطران جورج خضر. أفرد غبطته في بكركي وفي الديمان جناحين له، حيث كان يرتاح فيهما بعد لقاء طويل وغداء، ثمّ بعد الراحة والقيلولة يتناولان معًا الحلوى والفاكهة وفنجان القهوة لا سيّما على الشرفة المطلّة على الوادي المقدّس وبعد ذلك الوداع. كان المطران جورج أطال الله بعمره يسلّم عليه تسليمًا كبيرًا، وكان البطريرك يتلقّى ذلك بفرح وضحكة ويقول هذا سلام قرآنيّ.
 
أيها المستوي على آرائك مجد لبنان، ليس لك أن تزهو بعد الآن بمجد أرضيّ وأنت المشدود مع كنيستك إلى الأبد، مجد لبنان أعطي لمسيح الله بالدرجة الأولى، وهو نزل علينا كالثلج النقيّ لأننا أخلصنا جميعنا للرب ومن ثمّ بالمواطنة له، إلاّ أننا كأبناء ليسوع ليس لنا أن نسكر إلا بالمجد الذي انكشف على الصليب وانفجر في القيامة وهو مكنون في أبراره جميعًا. أنت يا سيّد بارّ لأنك لبست سيدك الظافر منذ الابتداء، وصرت كاهنًا وأسقفًا وبطريركًا بمجد القيامة المتحرّك فيك. جمال غيابك عن شيخوخة طيّبة أنّك تذهب توًّا إلى القيامة بلا وسيط بعدما زهوت بها وأدركت أنها كلّ البهاء. من آمن بالمسيح القيامة لا يموت، وأنت يا سيد لم تمت بل تحررت من مجد لبنان ومداد العالم لتطيب لك الإقامة أمام العرش الإلهي مع نصرالله الأبديّ وهو يسوع المسيح الغالب والحيّ فينا إلى الأبد.
 
ألا اذكرنا أمامه واشفع فينا لنبقى أمناء على مسيرته كنيسة حيّة ترنو إلى وحدتها وأمّة مقدّسة وكهنوتًا ملوكيًّا. سنبقى نتنمتّع بذكراك وكأنك مقيم بيننا أبدًا فكن شفيعنا في السماء وأيقونتنا على الأرض لنتذكر إذا ما دنونا منك بأن المسيح قام وليس لنا وجود إلاّ بضيائه الساطع أبدًا.
جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING