HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

إلى المصلوب الحبيب (بقلم جورج عبيد)

25
APRIL
2019
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

كم يجرحني أن أراك دائمًا معلّقًا على الخشبة، فيما عقول الناس تصحّرت، وقلوبها تصخّرت، وليس من رقّة ولين يقيمانك من وجعك الكونيّ على حروبنا ومآسينا وخطايانا، على كنيسة أمست كنائس، وناس احتسبوا عليك أو تسمّوا بك فيما أنت لم تولد فيهم ومنهم، ولا تزال نسيًا منسيًا في أزمنتهم وحياتهم. جمعات عظيمة مرّت في التاريخ، وأنت لمّا تزل مصلوبًا. وإذا بلغ الشعب المسيحيّ الفصح، يبلغون إلى ما يلهيهم عنك، أو خجلاً يتذكّرونك قائمًا حتى لا يفقدوا بعضًا من رجاء. لكنّ وجهك المكلل بالشوك والدامي لا يزال مطبوعًا ليس على منديل فيرونيكا، بل هو راسخ في من لا يزالون يتلذّذون بأن يروك مصلوبًا وغير قائم. لا أحد يصدّق أن قيافا ويهوذا وبيلاطس قد انعدموا من التاريخ وإلا لكانت الحروب قد بطلت وما بلغنا الانشقاقات على المستويات كافّة، وأنت في إنجيلك الكريم لم تنفها بل أصرّيت عليها إصرارًا نبويًّا شديدًا، لأنك قرأت أن أمزجة الناس لن تتغيّر منذ البداءة وها هي تزداد سوءًا، وقلت بأنّه كما اضطهدوني فسيضطهدونكم، ولا يزال أحبّاؤك في عدد من بقاع الأرض مضطهدين إلى الآن من أجل اسمك..

لا تزال، سيّدي، صرخة اصلبه اصلبه تطنّ في آذان من أسلموا وأخلصوا لك إلى اللانهاية. لقد حدت بهم إلى الثورة على الظلم. فأنت، بالنسبة لهؤلاء الأطياب، لا تزال مصلوبًا في من ذبحوا من المشرق إلى آخر دم أهرقت منذ أيام قليلة في سيريلانكا. كل قطرة دم تهرق وتسفك من أجل اسمك هي دمك، وعلى الرغم من ذلك، الخطيئة غير واقعة عند الذبّاحين، فهؤلاء بدورهم مغرّر بهم، وقد دربوا من أجهزة عديدة على ان يبيدوا كل نسمة تلهج باسمك ويغلقوا كلّ بيعة أنت مقيم حيّ فيها. الخطيئة واقعة عند من خرجوا عن طاعتك ومحبتك ليختطفهم الليل، كما اختطف يهوذا الاسخريوطيّ وسخّره إبليسه ليبيعك بثلاثين من الفضّة. الخطيئة واقعة أيضًا على بائعي الكنائس وعلى الذين دنّسوها كما تدنّس الهيكل لما تحوّل إلى مبنى تجاريّ كبير اقتحمه الباعة والصيارفة، وقد طردتهم وصرخت بهم: بيت أبي ليس بيت تجارة. لقد كانت ثورتك عظيمة على هؤلاء، فماذا عن الذين باعوا ويبيعون كنائسك لتصير مراقص وملاه، جريمتهم توازي دريمة قتل أحبّائك، الذين ولدوا من جوف شهادتك... وقد ذكّرنا الشاعر الإنكليزيّ الملحميّ توماس إليوت بأن أوروبا لن تعود نضرة إلاّ حين يمرّ كأسك الريّان فوقها، ويمطرها بقطرات من دمك الكريم.

وماذا عن الذين انفصلوا عن الرسالة الأولى وقد كانت هاجسًا كونيًّا، وباتوا مهمومين بالحياة المعيشيّة ومنهوكين بالفقر ومضنوكين بالحاجة والعوز، أو خاشين من اضطهاد، وقد سكنهم الخوف والقلق؟ وفي المعطى الحاليّ، لا أحد ينكر صعوبة الحياة والظروف الداهمة، لكن بالمقارنة مع من رأوك وحدك الرسالة وآمنوا بأنك الطريق والحقّ والحياة، وعاينوك جبّارًا بتجمّع فيك جبرؤوت الأزل والصخر، الأبد والصوّان، فقد كانوا مؤمنين بضرورة أن يبقى وجهك منيرًا راسخًا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ومن النهر إلى البحر. كنت بصليبك وقيامتك قضيّتهم الأولى والجوهريّة وما اهتمّوا بما يأكلون ويشربون، حبيبك بولس العظيم الذي اصطفيته من الذين اضطهدونا في تلك الديار المشرقيّة وحولته إلى رسول الأمم كتب قائلاً "لا جوع ولا برد ولا عطش يفصلوننا عن محبة المسيح"، لقد فجّر صليبك في بولس نشيد المحبّة، وقد ألهم نبيلاً رومانيًّا كان على شرفته يرى أحباءك من سوريا وفلسطين متجهين إلى الشهادة وهم ينشدون بفرح عظيم، سأل عنهم، من هم؟ فقال له حاجبه هؤلاء يعتقدون بأنّ إلههم يسوع المسيح حيّ ولذلك ذهبوا ليستشهدوا من أجله وليكونوا معه، وللتوّ آمن النبيل وقال هذه الأناشيد تعني أن إلههم حيّ وأقوى من الموت فأنا ذاهب لأستشهد معهم. كان حبّك قضيّة الشعوب الأولى، وانسكبت بسبب منه الينابيع على من رأوا بهاءك أسطع من الشمس وطهرك أنقى من البلور، وحبّك أقوى من الحقد، وسلامك أبقى من الكراهية، فتفجرت الألحان من حلاوة وجهك، وسالت الكلمات من دمك، وعصف الفكر من روحك، وتدفقت الرؤى من أبديّتك، لقد تحوّلت أيها المصلوب من رجل أوجاع لا منظر له يشتهى ولا جمال، إلى إله فيه الخير والحق والجمال، فيه السماء تمطر وردًا وتزرع سلامًا. كان الإغريق أول من اكتشف ذلك الترابط بين الخير والحقّ والجمال، إنه مديد في ذلك الذي يحرّك ولا يتحرّك كما كتب أفلاطون، لكنّه ظهر بكليّته فيك على الصليب، لأنّ لا خير ولا جمال ولا حقّ بلا محبّة، ميزتك أنك وحدك ومن دون سواك أعلنت نفسن محبّة وأظهرت ان الله محبّة، هذا الذي لم يرَ فيما سلف ولا فيما بدا، ولن يرى إلا بك، لم ير لا في دين ولا في حضارة. لم نعثبر على إله في التاريخ يذهب إلى موته الطوعيّ حبًّا وعشقًا. لم يحتدم العشق فقط عندك بل عند من استشهدوا لأجلك ولا تزال شهادتهم تحرّك التاريخ أو أنت تتحرّك بهم في التاريخ، كالإخوة الأرمن الذي لا يزال صراخ نسائهم وأطفالهم من على صلبان مدن المشرق يسمع إلى الآن، ولن يخرس حتى تقوم بالحقّ العائد لهم ولنا.

الذين انفصلوا أسروا أنفسهم في الخوف والقلق، قرّروا الهجرة عن أرض آبائهم وأجدادهم، لم تعد أنت يا سيد قضيتهم، هم أبناؤك بالاسم، ولست أنا بديّان لهم بل كمراقب أتحسّس وأتلمّس وأقرأ وأتحمّس. أنا أحس بغربة عنهم لأنهم هم من تغرّبوا عنك، وأنا أعي وكما قال حبيبي المطران جورج خضر، بأنّ لا أحد أحبّني في الدنيا إلاّ أنت الذي علقت على خشبة. أنت وحدك من ترفعني من غربتي العائليّة والمجتمعيّة إلى حقيقتك، وألتمس منك الرحمة والغفران عن كلّ ما اقترفته من خطايا في هذا العمر، وأرجو منك أن تنسكب على هؤلاء بحب كبير حتى لا يروك بعد الآن مصلوبًا بل يذهبوا توًّا إلى فصحهم بفصحك العظيم.

أنت أيها الجبار وإن بدوت مهانًا إلاّ أنك جبّار بالحب. أنت لا تحتاج وكما قال جبران خليل جبران إلى بيع كبرى وقبب شاهقة، أنت تحتاج إلى قلوبنا. تحتاج لنراك في ملوك الأرض وهم الفقراء الساكنون في العراء. ومع ذلك اسمح لي يا سيد أن أدعوك في الجمعة العظيمة أن تسمح بأن لا تزال معلّقًا بآلامنا على الخشبة، بل أن نرى أنفسنا طائرين بحبّك إلى الملكوت العلويّ لنمكث معك فتطيب الإقامة بعد نصر مبين هو نصرك العظيم الساطع في المسكونة. فقم يا ألله واحكم في الأرض لأنك ترث جميع الأمم.

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING