HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

كاتدرائيّة نوتردام في باريس دخلت أسبوع آلامها (بقلم جورج عبيد)

16
APRIL
2019
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

كارثة احتراق كاتدرائيّة السيدة في باريس التحفة الروحيّة والسياحيّة توازي بحدود أو بأخرى مشهد سقوط البرجين في نيويورك سنة 2001 نتيجة لإرهاب معولَم. لقد احترقت قلوب العاشقين لباريس الجمال والحضارة والأدب والشعر، والمدمنين على التماس الرؤية النهضويّة المعماريّة خلال عصر التنوير، والمؤمنين بأن هذا الجمال غير منفصل عن إيمان نبض في عروق من بنوها، فجعلوا بهاء يسوع وأمّه مريم متجلٍّ في داخلها بالمنحوتات الضخمة أو بأيقونات أو لوحات موجودة فيها، أو بأبراجها وقببها. لقد أدركتها على ضفاف نهر السّين غير مرّة، دخلت حاجًّا إليها أكثر ممّا كنت سائحًا، اكتشفت فيها مساحات ضوئيّة تتمايل ما بين الأرض والسماء، كانت مريم تحكي الوجوه الداخلة والخارجة، وبقيت تفتّش عل مقرّ لتلد فيه وليدها، وما كان له أيّ مسند يضع فيه رأسه سوى الصليب، إذ ولد فقيرًا وعاش فقيرًا ومات فقيرًا عاريًا، لم تخاطب الكاتدرائيّة فقر المسيح ولم تنتمِ إليه، لكنّ بناءها بهذه الضخامة والبذل أكّد الحبّ الكثيف منذ أن وضع حجر الزاوية لبنائها، وترجم على الجمال الأخّاذ. وأنا خارج منها صادفت محدودبًا بلا عصا متّكئًا على حائط ينتظر أزميرالدا كي يراه، كي يتمرّد على عاهته كأحدب، ويستمدّ من عينيها ووجهها الرقّة والحبّ، كم كان فيكتور هوغو عظيمًا بروايته وقد وصفه الشاعر الفرنسيّ الكبير ألفونس دو لامارتين بأنّه شكسبير الرواية الفرنسيّة سواء في هذه الرواية أو روايته البؤساء التي تشبه إلى حدّ بعيد رواية فيودور دوستويفسكي الإخوة كارامازوف وروايته الأخرى الممسوسون أو المجانين... وهوغو معاصر في الزمن لدوستيوفسكي.

سيتكثّف الشعر والأسى في وصف ما حصل للكاتدرائيّة. ذلك أن الكاتدرائيّة أمست جزءًا من ثقافة فرنسا وتراثها وحضارتها، وهي جزء من تكوين أوروبا المسيحيّة إلى جانب بقيّة الكاتدرائيّات في أوروبا، في إيطاليا، سويسرا، إسبانيا... ما هو غريب، أنّ الدموع ذرفت على كاتدرائيّة رسخت في ذاكرة من زارها وتأمل في جمالاتها، لكنّ الدموع لم تذرف على ما شهدته كنائس في أوروبا من بيع، لم تثر ثائرة الأوروبيين على تحوّل الكنائس إمّا إلى ملاه أو مراقص أو مطاعم، أو... أو... وأقصى ما نرجوه أن لا يكون الحريق في الكاتدرائيّة مفتعلاً أو ناتجًا عن عمل إرهابيّ. هذا سيكشفه التحقيق والكنيسة بإكليل شوك المسيح كانت تتحضّر للاحتفال بأسبوع الآلام والفصح. لكن ما الفظاعة بحدّ ذاتها والتي تحتاج للمزيد من التأمّل تحوّل أوروبا بأسرها إلى الحالة العلمانويّة المكفّرة للمتديّنين، على غرار القوى التكفيريّة المكفّرة لكلّ آخر. لقد تنبّأ الشاعر الملحميّ الإنكليزيّ توماس إليوت (1880-1965) ومنذ سنة 1922 في روايته الشعريّة "الأرض اليباب"على أن أوروبا غدت أرضًا ميتة، بسبب خلوّها من كأس المسيح، واعتبر بأنّ النضارة لن تدركها قبل أن يمرّ كأس المسيح فوق قارتها وينثر الضياء على ترابها.

تلك النبوّة تجسّدت في الزمن الحاضر عل الرغم من الإحباط الذي شعر به إليوت وقاده نحو انهيار نفسيّ. لقد تاكّد بما لا التباس فيه بأن حضور المسيح في التاريخ في الشرق والغرب عامل جوهريّ لكلّ ارتقاء فنيّ وحضاريّ وثقافيّ. فالكاتدرائيّة التي احترقت وارتفعت نيرانها فوق مدينة باريس، لم تبنى هي ومثيلاتها من الكاتردائيات الفخمة لولا إيمان الناس من فنانين وعاملين ومؤمنين، كان صليب المسيح بصورة أو بأخرى يمرّ من هناك، لقد فتن أوروبا مشهد موته، لأنّه مشهد حبّ كثيف، كيف كان لهذا الجمال أن يبثّ عند ميكلانج أو رافاييل أو دافنتشي، لو لم يتحوّل دم المسيح في عروقهم لوحات أخبرت عنه؟ المسيح راقد في الثقافات يحرّكها ويشدّها نحو الخير والحقّ والجمال، يفعل فعله في الكون والتاريخ، في الجغرافيا والزمن، يسكبّ على الشعراء والكتّاب الكلمات فيستكتبهم من فوق، ويكرم الرسامين والموسيقيين باللون والموسيقى فتنزل اللوحة نزولاً فردوسيًّا وتنفجر الألحان كجداول من بلور، يجذب المهندسين المعماريين إلى ما لا يرى من مشهديّة أزليّة فتولد الكنائس من رحم المشاهدة والانكشاف وتبنى كرمى لمن مات وقام، وكان الجميع شهودًا على ذلك.

حريق الكاتدرائيّة التي هي المقرّ الأساسيّ لرئيس أساقفة باريبس، لم يكن بالصدفة. بكيناها لأننا أحببناها أحجينا إليها أو لم نحجّ. لكنّ الحريق مدعاة لكي يبكي الأوروبيّ على فقدانه من الإيمان، وخلوّه من المسيح. ما جمع أوروبا والشرق على الرغم من التنافس بين الغرب والشرق، أي بين القسطنطينيّة وروما، وعلى الرغم من اضطهاد الصليبيين لمسيحيي الشرق، هو الإيمان بالمسيح يسوع. بطرس وبولس ماتا في روما، استشهدا هناك، الكوليزا في روما تشهد على درب الصليب لآلاف الشهداء، النبلاء الوثنيّون فيها دخلوا المسيحيّة والتمسوها لمّا راوا مواكب المسيحيين يجيئون من سوريا وفلسطين ليموتوا هناك. الحريق مدعاة ليشهد الأوروبيّ لآلام المسيحيين في المشرق ويعيدوا طرائق العلاقة بهم بعدما نزحوا عن بلدان المشرق، وباتت متصحّرة بسبب غيابهم وانسلاخهم. لقد حمت فرنسا موارنة لبنان على الرغم من أنها استهلكت الحماية لمصالح اقتصاديّة، لأنها كاثوليكيّة ومسيحيّة، وحين زار البطريرك بشارة الراعي هولاند وقبله ساركوزي رئيسيّ فرنسا السابقين قالا لغبطته بأنّ مصير المسيحيين في الشرق غامض، وكأنهما أبلغاه بطريقة غير مباشرة بأنّ فرنسا غير قادرة على حماية المسيحيين في لبنان والشرق، بل على العكس كانت فرنسا تعمل على دعم الإسلام السياسيّ في المشرق. وحين زار البطريرك نفسه البابا بينيدكتوس السادس عشر، أبلغه بأن الفاتيكان سيحاول أن يقوم بشيء ما، لكنّ روسيّا اليوم ستكون الداعمة الأولى للمسيحيين في الشرق..

حريق الكاتدرائيّة، ومهما كانت أسبابه، يجب ان يكون صفعة بوجه الفرنسيين أوّلاً والأوروبيين ثانيًّا حتى يتبصّروا بما آلوا إليه على قاعدة ما كتبه إليوت. أوروبا العلمانويّة غدت ساحة بدورها لتصاعد الإسلام السياسيّ والذي سيؤول إلى صراع عرقيّ ودينيّ في القارّة العجوز كما يتنبّأ القارئون. الكاتدرائيّة ليست معلمًا سياجيًّا بل هي بيت الله الرائع الراكن في قلب باريس وفي قلب أوروبا. دخلت الكاتدرائيّة أسبوع آلامها على رجاء أن تبصر فرنسا وأوروبا قيامتها مع عبور كأس المسيح فوقها لتصير قارّة للضياء، ضياء القيامة.

 

 

 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING