HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

قوّة المارونية بالمشرقيّة المستعادة من لبنان وإليه (بقلم جورج عبيد)

8
FEBRUARY
2019
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

ليس من تناقض في الإيمان ما بين الموارنة والأرثوذكس، هم معًا، أو ككنيستين، ورثة الكتاب العزيز المنادي دومًا بالمحبة، سواء في العظة على الجبل أو عند يوحنّا في خطاب العهد أو خطاب الوداع. الفرق بين الكنيستين، أن واحدة انتمت إلى العالم الكاثوليكيّ وصارت جزءًا من العقيدة ومن تنظيم هرميّ واضح فيما كانت المارونيّة كحالة وكيان غير تنظيميّ قبل يوحنّا مارون مؤسس الكرسيّ البطريركيّ المارونيّ جزءًا من استقامة الرأي، والقديس مارون ورهبانه هم مستقيمو الرأي، والكنيسة الأرثوذكسية بقيت على الاستقامة.

جمال المارونيّة أنها لم تكن مجرّد عقيدة نظريّة، مع الأخذ بعين الاعتبار بأنّ لا فعل بلا قول، ولا عمل بلا فكر، ولا تجسيد من دون الخطاب النظريّ. جمالها أنها في محطة من تاريخها كانت على صورة السيد المبارك، حملت الصليب خلال وطأة المعاناة ولحظاته المرّة ناهدة باتجاه القيامة. وشعّت كرؤية وأطروحة عبر رهبان قديسين وصولاً إلى يوحنّا مارون وهو أنطاكيّ المولد والنشأة، وزاوجت ما بين جبال قورش أو جبل سمعان العموديّ في حلب وجبال لبنان، من الهرمل إلى العاقورة وبشري وإهدن، حفرت في الصخر وشيدت الكنائس على الصخر إلى جانب الأديرة والمغاور، كان الموارنة في لحظاتهم الأولى صورة عن المسيحية الأولى في عيش الاضطهاد. وفي هذا الجبل الأشمّ تأسست المارونيّة وانطلقت وتعمّمت وصار لها كرسيّ بطريركيّ انطلق من كفرحيّ إلى الديمان فبكركي. أي صار لها كيان متوثّب من الروحانيات إلى ما هو سياسيّ كتعبير عن البقاء والوجود، إذ الوجود الحرّ الكريم مصدر الحضور، والحضور يعبّر عن كليّة الوجود وكماله.

ما هو مستحبّ في المارونيّة، أن رهبانها الأوائل، كما بيّنت، زاوجوا بين جبال قورش في حلب وجبل لبنان. تلك المزاوجة عصماء بكل ما للكلمة من معنى، أي أنها عصمت الموارنة ككيان تاريخيّ-إيمانيّ ووجوديّ على أن يكونوا منغلقين في مدى جغرافيّ ضيّق، وقد اختبروا غير مرّة في مراحل تاريخيّة قديمة ومعاصرة بأنّ الانغلاق اختناق، والانعزال تقوقع وانتفاخ يدني هذا الكيان نحو الانفجار. ولهذا، فإنّ قيمة التزاوج ظهرت بتسربلها الحلّة المشرقيّة الواصلة ما بين جبال حلب ووادي النصارى وجبال لبنان، لم تنفصل عن اليونانيّة كلغة أهل المدن في تلك الحقبة مثلما الموارنة، في وجودهم الحاضر، متفرنسون أو متعولمو الثقافات واللغات والحضارات، وفي طقوسهم رتلوا وفاهوا بالسريانية، والسريان هم أصل سوريا، بمعنى أنّ الصفة أو الكنية هي أصل الكلمة المعتمدة، كما فاهوا بالآراميّة وهي لغة المسيح، وفي سوريا لا تزال قرية معلولا وأبناؤها معظمهم أرثوذكس ولهم ديرهم العامر وهو دير مار تقلا يتكلمون الآرامية ويرتلون بها. بتلك اللغة أسّس المسيح كنيسته في العشاء السريّ الأخير قبل آلآمه، ولا بدّ من الاعتبار، بأن المسيح سمي مشرق المشارق في طقوسنا فساغ لنا القول بأن المسيحية هي أصل المشرقيّة وجذرها.

قوّة الموارنة أنهم بلغتهم وليتورجيّتهم لا يزالون سريانًا وآراميين. أي أنهم لا يزالون أبناء أرض مشرقية واحدة ممدودة من بلاد ما بين النهرين إلى سوريا فلبنان ففلسطين. وفي التاريخ القديم، أي في صدر الإسلام والعصر الأمويّ ومن ثمّ العباسيّ وصولاً إلى عصر المماليك والعثمانيين، لم يكن ثمّة انفصال لغويّ على الأقلّ بين القرى في الشمال وجبل لبنان وصولاً إلى أنطاكية... كانت السريانية بعضًا من كيانهم... ثمّ جاءت العربيّة كلغة، وهي جزء من هذا التكوين، إذ إنها لم ترتبط بالإسلام بقدر ما ارتبط الإسلام بها، وقد ظهر من كشف وبلا مواربة بأنّ اللغة العربيّة ثالوثيّة الوجه والنهج والوهج والجذر، إذ إنّ كلّ حرف منها ثلاثة في واحد أي في صوت واحد. والعربيّة والسريانية والآرامية والعبرية كلغات هي واحدة في مشتلها وأصلها، إنها اللغة السامية، والمستشرقون الألمان سموها لغة سورية-فلسطينية Une langue syrio-palestinien.

يشتمّ من ذلك بأنّ المسيحيّة كلّها المستوية عل هذه الأرض بفعل تنازل إلهها فيها تنتمي حضارةً إلى هذا التكوين والمزيج. أهميّة الموارنة، بهذا المعنى، أنهم عزّزوا هذا المزيج، وجعلوها وليد الحياة أو جعلوا الحياة نابضة منه ساطعة من حروفه، قبل أن ينتقلوا ثقافة إل الغرب ويحملوا إليه تراث الشرق. وحين تكوّن لبنان بهم بدءًا من جبله، أظهروا بتراثهم ونضالهم، أنهم رواد ثقافة وحضارة، وهم من افتتحوا عصر النهضة العربيّة بإشراقاتها مع المطران جرمانوس فرحات في حلب. كشفوا أنهم مبدعون خلاقون في الحقول الأدبية والشعريّة وفي سائر الفنون. أحضروا المطابع وطبعوا الكتب وبدأت رحلة جديدة من تاريخهم، قوامها المعرفة والقدرة والخلق. تبحروا في الثقافات والحضارات، فتمكنوا من صياغة لغة ثقافية وفكرية للبنان ولهذا المشرق اصطبغت بهم، فكان الخلق صورة عن حالة تكوينية جمالية جعلتهم قدوة وقوّة وأعطتهم القدرة وأوجدت منهم كبار المفكرين، وفي هذا السياق لم تعرف العروبة إلا من خلالهم ومن خلال الأرثوذكس ككتاب ومفكرين ومناضلين، لعلنا دومًا نعود إلى البساتنة لنكتشف بدعًا لغويًّا، أو نعود إلى جبران خليل جبران لنغوص معه في الرؤى المتنزلة من السماء ومن ثورة السماء على الأرض، إلى فكر يوسف السودا وشعر سعيد عقل الذي لا يضاهيه شعر عربيّ رمزيّ آخر فكان خاتمة الشعراء الرمزيين الكبار. ولن ننسى على الإطلاق أسعد داغر، هذا المفكر الطالع من جرود تنورين العالية الجبين، وقد أسّس مع الرئيس الراحل رياض الصلح ميثاق الجامعة العربيّة الذي اعتمد من الدول العربيّة من بعد طرحه عليها، وهل يمكن نسيان الأبوين العظيمين ميشال حايك ويواكيم مبارك اللذين أبرزا الوجه الأنطاكيّ والروح المشرقيّة للكنيسة المارونيّة وعملوا على ترسيخ الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ وتعاطفا مع القضيّة الفلسطينيّة تعاطفًا لم نجده عند عدد كبير من الدول العربيّة والإسلاميّة، وعملا على ترسيخ الحوار المسكونيّ، وجعله منطلقًا من هذا المشرق بسبب من فرادته وخصوصيّته هنا.

قوّة الموارنة تنبع من الإنجيل، وتنبع ومن الأرض، ومن البعد الثقافيّ. كل شيء عندهم يدلّ على أنهم مسيحيون بامتياز حملوا صليب المسيح فوق هاتيك الربى والتلال والجبال وحفروا الصخر به حتى ذاب بوهج الحب وقوّة النضال، وأنهم أبناء هذه الأرض الطيبة المعطاء، وقد اصطبغت غير مرّة بدمائهم. قضيتهم هي المسيح بالدرجة الأولى وترجمته في الوجود التاريخيّ والبشريّ والمدى الجغرافيّ، ولبنان عندهم سرّ الوجود ومنطلقه، أي منطلق البشارة الإنجيليّة والروحية بأبعادها. ليس أرقى من أن يكون الإنسان ابن السماء والأرض معًا، أي مواطن الملكوت وفلاح الأرض وغارس الخيرات في ترابها بكرم السماء وجودها. كمال القوّة، إذا ساغت العبارة، انطلق من هذا التمازج النوعيّ بالحفاظ على هويتهم الروحيّة-التكوينيّة حيث كان لبنان والمشرق جزءًا منها. ثمّ شعّ بانفتاحهم على العالم الإسلامي وتبنيهم قضايا العرب لا سيّما قضيّة فلسطين لأنهم تعني موجوديتهم كما سائر المسيحيين، وقد رآها الراحل الكبير الأب ميشال حايك مصلوبة على غرار السيد. كان الرئيس كميل شمعون يهزّ العالم ويسحره بتبنيه في الأمم المتحدة هذه القضيّة ومثله فعل الرئيس سليمان فرنجية، هل ننسى كيف ان شارل مالك وغسان تويني والمطران جورج خضر في العالم الأرثوذكسي أبدوا مطالعات عديدة فيها على المنابر الدولية، هل ننسى كلمة المثلّث الرحمات البطريرك الياس الرابع في مؤتمر لاهور الإسلاميّ وكان إلى جانبه المطران خضر والمونسنيور إغناطيوس مارون وغسان تويني وشاكر بو سليمان؟ كانت فلسطين قضية المسيحيين كلّ المسيحيين.

لا تنفي تلك الرؤى عمق السلبيّات التي أدّت إلى المزيد من العطب في مسالكهم وقادتهم إلى التراجع بعد تمزّق عميم، وبعضهم من المواطنين هاجروا بلا عودة. بداءة العطب كانت بأن تحوّلوا من الوساعة إلى الضيق، وبعضهم تبنّى مقولة هزيلة جعلت أصحابها في سقم بليغ، وهي "قوّة لبنان تكمن في ضعفه"، لا يمكن إسقاط ما قاله بولس الرسول بأن قوتي في الضعف تكمن على واقع لبنان وعلاقة المكونات به وعلاقتهم ببعضهم البعض، وقد راهن الإسرائيليون قبل سواهم على تثمير تلك العبارة بأن استدخلوا منطق التمزّق في البنية المارونيّة عينها، من دون نسيان دور عدد من الدول العربيّة لتمتين التمكّن من لبنان. لقد سها عن بال كثيرين بأن أنماط التقوقع في غيتوات ولدت من رحم هذا الاستثمار المقيت وانطلقت من قلب الرهان المؤدّي إلى هذا الاستثمار. وحين تحوّل الموارنة إلى طائفة سياسيّة شاءت احتضان لبنان تباينوا وتمزّقوا قبل أن يمزقهم الآخرون. لم تكن الطائفيات السياسيّة مصدر خير على لبنان، وقد رأيناها حالّة عند السنّة، وحين اغتيل الرئيس رفيق الحريري بدأت بالانحسار، وحده رفيق الحريري رأى بأن تعاظم الإسلام السياسيّ في العالم العربيّ والإسلامي بهذه الكثافة وهذه السرعة منطلق لنحره وبداءة الذبح تمت في لبنان وسوريا معًا.

من هنا ثمّة مقاربات نقديّة يفترض بالموارنة أن يبدأوا بها بلا رهانات ولا آحاديات، لأنهم وكما سمّاهم الدكتور شارل مالك "الجسم المسيحيّ الحرّ الأوّل في لبنان"، وأن يحرصوا أشد الحرص على المسيحية الحرة، ليس لهم فحسب بل لكل فئة مسيحية أخرى. المسيحيون الآخرون مسيحيون مثلهم تمامًا، ومن حقهم أن يكونوا في مسيحيتهم أحرارًا مثلهم تمامًا…" ولأنهم وكما كتب مرّة الدكتور الياس عبيد وهو نائب سوريّ سابق، "رئة مسيحيي المشرق وصمّام حريتهم وضمان أمانهم". أهميّة الموارنة تكمن في هذا الوصال ما بين جبل قورش وجبل لبنان، ثمّ التبس الوصال وانقطع حين رفض البطريرك المارونيّ الياس الحويك ضمّ وادي النصارى المجاورة لعكار إلى لبنان، فانطلق الفكر المتقوقع من ذلك الوقت، وقال لهم جورج كليمنصو، "أيها الموارنة كنتم كبارًا في لبنان الصغير وستصبحون صغارًا في لبنان الكبير". ألم يقد تراكم الأحداث إلى تلك النتيجة؟

لقد منح لبنان رئيسًا عظيم الشأن، هو ميشال عون. لا يقال هذا الكلام من باب التحيّز، بل من باب الحقيقة المعيشة بعمقها وظهورها، وقد نعته المطران عطالله حنّا بزعيم المسيحيين المشارقة. هذا رئيس استثنائي، لأنه فهم بأنّ قوة المارونيّة كأطروحة، وقوّة الموارنة كشعب تكمن باستعادة جذورهم، ووصل الأمداء الجغرافية بالهوية الحقيقية للموارنة واستطرادًا لمسيحيي هذه الديار. لم تكن زيارته لسوريا محض سياسيّة بل وجوديّة حيث وصل من جديد كما الموارنة الأول جبل سمعان وبراد بصيدنايا ومعلولا وحمص ووادي النصارى وبخاصة دير القديس جاورجيوس الحميراء في المشتاية، بإهدن وبشري والعاقورة وإهمج ودوما وأفقا وجبال كسروان وسوق الغرب.... هذا الوصل عينه هو مصدر قوّة للمسيحيين، وهو المعنى الذي يسمح بحوار ناضج بين العالمين المسيحيّ والإسلاميّ.

حين تمزّق الموارنة بحروبهم فقدوا امتيازاتهم وصلاحياتهم وباتوا في لبنان مستولدين بكنف الآخرين، وحين تقوقعوا "بكم أرزة مشلوحة بجبل لبنان... وأمن المجتمع المسيحيّ"، ضعفوا وضعف معهم مسيحيو المشرق وسقطوا في الجبّ. كانت المارونية السياسيّة في لبنان مصدر ضعف ولم ينتبه المنادون بها، أنها معدّة للأفول.

في عيد مار مارون نفيء إلى تلك الرؤى، في عهد رئيس يملك تلك الرؤى، ويعرف أن قوة الموارنة بحفاظهم على هويتهم الروحية والتاريخيّة والوطنيّة، وقوتهم بأنهم ملح المسيحية المشرقيّة ونورها في آن، وقوتهم بأنهم في اللحظات المقبلة سيخطون تاريخًا جديدًا قوامه الحفاظ على فرادة لبنان بالتصاقهم به وتعميم منطق الشراكة منه إلى كلّ البلدان المجاورة، حيث يقود هذا المنطق إلى المواطنة، والتواصل الحرّ والكريم بمسيحيي المشرق ووضع آليات للحفاظ عليهم وحمايتهم، وسوريا وفلسطين والعراق محطات أساسية لتكريس هذا المعنى العميق.

ويبقى القديس مارون شفيعًا لنا جميعًا وطريقنا إلى الملكوت إلى وجه المسيح المضيء لجميع الناس.

 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING