HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

متى قيامة لبنان؟ بقلم جورج عبيد

20
NOVEMBER
2018
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

متى قيامة لبنان؟
بقلم جورج عبيد

العيد الذي بدأ يطلّ يفرض علينا في ذروة اللحظات القاسية والمصيريّة طرح هذا السؤال-العنوان: متى قيامة لبنان؟ لا يشي العنوان بشِرك ما بين الإيمان بالمسيح الظافر والقائم، والانتماء لوطن لا يزال معلّقًا على صليب عبثيّ احتشدت وتحتشد فيه آثام الداخل بآثام الخارج ضمن أنظومة صراعات وأحداث متراكمة ومنهمرة بغزارة أحيانًا قادته ولا تزال تقوده من أزمة إلى أزمة، إلى أن وصلنا إلى اللحظة الحالية العاصية على أيّ حلّ ينقذ لبنان مما هو فيه ويقذفه نحو النور الذي لا يعروه مساء، ويقوده إلى خير أقوى وأفعل من الآثام والخطايا وحياة أثمن من الموت أي حياة غالبة وظافرة تعطى بنعمة لقاء اللبنانيين بما عندهم من وفاء وإخلاص.
أسئلة جوهريّة مطروحة بقوّة وتنتظر إجابات شافية عليها منها: هل لبنان أعدّ ليكون وطنًا متكامل الأطراف والأجزاء تسوسه دولة الحقّ بكلّ ما تعنيه كلمة حقّ من معنى، أو أنّه أعدّ ليكون ساحة ووطن لجوء ونزوح، هل هو كيان يعبّر عن جوهر مكنون فيه بتعب كبير ويتجلّى من تراث وميراث يجعلانه أصيلاً ثابتًا وراسخًا، بنظام يمقراطيّ تسوده العدالة وتسوسه مجموعة قيم حقيقيّة متفاعلة ما بين الساسة والنخبة المفكرة والناس، أو هو زيف متلاش، ومزرعة سائبة لا تزال مجموعة أشخاص تتحكّم بها بولاء لخارج أنتجها، خالية من وفاء للحقيقة اللبنانيّة، تتقاسمها بتشابك المصالح فيما بينها سلبًا وإيجابًا، وهل هو سيّد بقوانينه ومبادئه عل نفسه ومؤسساته، أو أنّه مباح لكلّ صراعات الأمم ومداخلاتها باحترابها وتسوياتها، ينتظر على رصيف باريسيّ حتى تتداخل فيه وتحترب على أرضه أو تتقاسمه باستراتيجيات تشدّه إلى الهزال والتعثّر ومن ثمّ التمزّق والتبعثر، هل لبنان واحد أو هو حطام؟
قبل الاستقلال الذي نقيم له اليوبيل الألماسيّ أي خمسًا وسبعين سنة لنشوئه، وقبل تكوين لبنان الكبير ونحن نتحضّر لذكرى المئة سنة للاحتفال به، لم يكن لبنان سوى بعثرات طائفية تحيا في كنف حمايات أمنتها لها الدول. لن نعود إلى الأمير المعني فخر الدين الثاني، الذي بدهائه عرف كيف يتمرّد على نظام الاستعمار العثمانيّ بذكائه ودهائه، وسطع لبنان الكبير من على يديه بجغرافيا مديدة وصلت إلى الحدود التركيّة وحقيقة سياديّة بلغت حدود الأدلوجة النافذة. بعد نفيه واستشهاده بدأ لبنان بالتدحرج الدراماتيكيّ الفظّ، فنحرت الحقيقة السياديّة لمصلحة الحمايات الطائفيّة، أمنتها دول شاءت لبنان مطلاً دائمًا لها ونافذة على منطقة تبقى بأديانها وإتنيااتها قلب العالم، فجاء القرن الثامن عشر المنطلق لهذا التدحرج إلى أن جاء القرن التاسع عشر، فكان قرن صراعات مذهيبّة بحمايات دولية استهلكت لبنان حتى سوريا احترابًا وتسويات لم تبطل نظام الولايات العثمانيّة، وفي الوقت أمّنت الحماية بحدود واضحة لمسيحيي جبل لبنان بإعطائهم امتيازات سواء عبر نظام القائمقاميتين أو نظام المتصرفيّة. والقرن العشرين كان قرن الحروب والتحوّلات الجذريّة، وفيه تأسست دولة لبنان الكبير سنة 1920 وفقًا لاتفاقية سايكس-بيكو، وبقي لبنان وسوريا تحت الانتداب الفرنسيّ، وما إن تحرّر لبنان من الانتداب الفرنسيّ في 22 تشرين الثاني 1943 ونحن في الذكرى، حتى انفجر المشرق بأسره بقضيّة فلسطين سنة 1948 وانطلقنا نحو مجموعة تحوّلات جذرية خطيرة ومريرة، أدخلت اللبنانيين في أتّون صراعات وصدامات اكتست اللبوس الطائفيّ والمذهبيّ تحت ستار الدفاع عن فلسطين مع المعسكر الناصري في حقبة الخمسينات من القرن المنصرم، ومع معسكر بغداد المدعوم أميركيًّا والعامل بل العامد على إرساء تسويات أساسها الاعتراف بالدولتين.
ظلّ لبنان ولاّدة أزمات كما هو وطن نزوح ولجوء. لم تكن أزماته محض داخلية، بل كانت محرّكة بأصابع الأجنبيّ أيّ أجنبيّ كما كتب مرة السفير عادل إسماعيل رحمه الله. كان هذا الاجنبيّ يعدّ العدّة بصفقات وصفاقة لاستهلاك لبنان ساحة صراع، فاصطنع المقدمات لانفجار الحرب الكبرى تتحرك وتنفجر على الأرض اللبنانية بأدوات فلسطينية سورية أميركية صهيونيّة وسعوديّة، منذ توقيع اتفاق القاهرة. فمنعوا قيام الدولة، وثارت طائفة كبيرة من اللبنانيين حين قرّر الرئيس سليمان فرنجيّة قمع الفلسطينيين والمتمرّدين سنة 1973 كما فعل ملك الأردن الحسين في شهر أيلول من سنة 1969 قبله، فبدأنا نشهد تهاوي لبنان الكيان والوطن والحضور، ولم يفقه اللبنانيون ويدركوا بأن الحاجة ماسّة نحو اتفاق وطنيّ جذريّ يؤيّد حضور لبنان التاريخيّ بين الأمم. بل على العكس استطاب اللبنانيون بطوائفهم ومذاهيهم نظام الوصايات، ودخلوا من بابها مدى الخلافات. لم يتغيّر شيء منذ عبد الحميد غالب إلى عبد الحميد السرّاج إلى أبو عمّار إلى عبد الحليم خدّام ومن ثمّ غازي كنعان ورستم غزالي، إنهم محركو الفتن ومروّضوها والمؤسسون للصفقات النتنة والعفنة... والمأساة أن كثيرين يتوقون إلى وصايات جديدة توسلّت الصراع في سوريا والعراق واليمن ويرجونها ويستطيبون ويستعذبون كلّ تأنيب وشتيمة يكيلهما الوصيّ بولاية جبريّة على من وضع نفسه تحت النير وأحرق كرامته بالنار، نير الاستعباد ونار الاستبداد.
انفجرت الحرب اللبنانية ومشت نحو مجموعة حروب داخليّة. بدأت مع الفلسطينيين في وقت كان لبنان متبنّيًا لقضيّتهم، ثم تشعّبت مع السوريين في محطتين أساسيتين حرب زحلة، وحرب الأشرفيّة المئة يوم، وجاءت على إيقاع اتفاق كمب ديفيد، ثم احتلّت إسرائيل لبنان سنة 1982 وبعد اغتيال الرئيس بشير الجميّل أدخلتنا إسرائيل في حرب الجبل بين المسيحيين والدروز، إلى أن بتنا في حروب داخلية بنيويّة كانت حرب الإلغاء في المسيحيّة خاتمتها التراجيديّة حيث أفقدت المسيحيين عنصر القوّة الأساسيّ وترجم ذلك في اتفاق الطائف. كانت هذه الحروب من أجل الآخرين كما كتب غسان تويني. فعلى سبيل المثال اتفق السوريون مع الأميركيين سنة 1973 خلال اجتماع هنري كيسنجر مع الرئيس حافظ الأسد، فكان الاتفاق إنهاء المنظمات الفلسطينية في لبنان وتدجين اللبنانيين من خلالهم، ثم جاء اتفاق كمب ديفيد ليبطل مفاعيل الاتفاق الأميركيّ-السوريّ، فاستبدل باتفاق أميركيّ-إسرائيليّ للهدف عينه ومن ثمّ لإضعاف المسيحيين، ومنع قيام وحدة وطنيّة متينة بين اللبنانيين، ليأتي اتفاق الطائف على خلفية حرب الخليج وبالتحديد على خلفية تحرير الكويت من صدام حسين، فدخل الرئيس حافظ الأسد شريكًا في الحرب مع الأميركيين من خلال صفقة بينه وبين السعوديين والأميركيين على أن يستعيد لبنان إلى وصايته الأمنيّة مقابل وصاية سعوديّة من خلال وجود الرئيس رفيق الحريري فكانت حادثة السادس من أيار والتي أطاحت بالرئيس عمر كرامي ثمنًا لتلاقي الوصايتين وتفاعلهما على الأرض، فاستبدل كرامي بالرئيس رفيق الحريري كتجسيد فعّال لتلك الوصاية.
لم يتغيّر شيء البتّة منذ ذلك الحين إلى الآن. ففي سنة 2003 دخل الأميركيون العراق بعيد زلزال الحادي عشر من أيلول من سنة 2001. واهتزّت المنطقة من العراق. أدرك المغفور له الرئيس رفيق الحريري أن المنطقة قادمة على انشطار مذهبيّ وعموديّ، قرّر أن يصوغ وثيقة مع حزب الله تقي لبنان أتون الحرب فكان الاغتيال سبيلاً لشطر لبنان والمقدّمة القعليّة لحرب إسرائيليّة خلال تموز من سنة 2006، ومن ثمّ أخذت المنطقة العربيّة من الجزائر إلى ليبيا ومصر. بعيد اغتيال الرئيس الحريري انسحبت سوريا من لبنان، لتدخل وبعد ست سنوات من انسحابها من لبنان أي سنة 2011 في حرب كبرى انفجرت فيها المفردات المذهبيّة والطائفيّة، ضمن هدف استراتيجيّ كبير وواحد وهو إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد. ولبنان بدوره كان طرفًا في تلك الحرب بين مؤيد للرئيس الأسد وعامل على إسقاطه، تداخلت الأزمة السورية بالداخل اللبناني فمني بالعطب وأصيب بالندوب، وغدا مسرحًا لانسياب القوى التكفيريّة على أرضه، ولم يتأمّن الاستقرار له سوى بشبكة أمان دولية وإقليميّة، وبعد دخول روسيا سوريا.
سنة 2005 عاد العماد ميشال عون بعد نفي كبير له، بسبب قيادته حرب التحرير بوجه سوريا، أو بوجه دعم أميركا لسوريا. خرجت سوريا من لبنان بفعل تفسّخ العقد بينها وبين أميركا، وكان الرئيس الحريري ثمنًا باهظًا ووسيلة هادفة. عاد "الجنرال"، واسّس لمرحلة جديدة من العلاقات والتحالفات الداخلية توجها بزيارة مصالحة مع سوريا بعيد خروجها، دخلها دخول القادة التاريخيين الكبار، وحرّر المسيحيين وبخاصة الموارنة من عزلتهم ودفعهم نحو السياق المشرقيّ. أكّد الرجل على الفلسفة الميثاقية كمنطلق حقيقيّ وفعّال لنسج التحالفات وصياغة نظام سياسيّ تتوازن فيه العلاقات بين الطوائف كسبيل صالح لانبثاث قانون انتخابات عادل وانظلاقة عهد جديد. جاءت الانظلاقة على قدر كبير من التفكير والتمحيص، وعلى فهم واقعيّ لطبيعة البلد وحركية التفاعل السياسيّ بين شرائحه السياسية والحزبيّة. نجح عون إلى حدّ كبير بتأمين رافعة سياسيّة وفكريّة راسخة تتيج وتبيح له البلوغ نحو الرئاسة فيما بعد بمجموعة تفاهمات وتحالفات بعد قحط كبير خلال عهد سابق كان بطلاً في الرزوح والتبعيّة. وانطلق منهجيًّا برؤية إصلاحية تنويريّة وتثويرية في آن تشمل القطاعات كلّها.
وعلى الرغم من المنسوب المرتفع من الطموح الوطنيّ والإصلاحيّ عنده، إصطدم بعقبات خطيرة، بعضها ناجم عن رفض بعضهم صيغة تلاقي الوجدانات الطائفيّة ممثلّة بمن حاز الأكثرية ضمن طائفته، وبصورة أفصح رفض بعضهم المعادلة الميثاقية القائمة على التجانس والتبادع بدلاً من التراكم والتباعد، ورفض بعضهم الآخر أن يكون المسيحيون شركاء فيما استطابهم هذا البعض أجراء. ذلك أن شراكة بشارة الخوري ورياض الصلح المؤسَّسة على فكر ميشال شيحا أطلقت النمط الاستقلاليّ، إلى أن حلّ الانفصال محل الاستقلال، والانفصال ارتكز على كلّ استغلال. وبعضها الآخر مؤسّس على مملكة الفساد الحالّة مكان سيادة الوطن، وقد أفقرت لبنان وهدرت ماله وأباحت اقتصاده وجعلته مديونًا ب130 مليار دولار، كدين خارجيّ وداخليّ ومرهونًا لقوى خارجيّة تتقاسمه من هذه الزاوية وزوايا أخرى، فيما اللبنانيون بصورة عامّة ليسوا متفقين على مسلمات وطنية واحدة تسمح لهم بإيجاد مخارج حلول طبيعية لأزماتنا، بدليل أنّ الصراع على تأليف الحكومة بلغ ذروته الكبرى بارتباطه بالصراع الخارجيّ، السعوديّ-الإيرانيّ، والأميركيّ-الإيرانيّ، وهما يتمسرحان ما بين لبنان وسوريا.
متى قيامة لبنان، بل هل من قيامة ممكنة له؟ في كتابه "المذكّرات"، أجاب المغفور له الوزير فؤاد بطرس على هذا السؤال قائلاً: "أزمتنا أزمة وطن وكيان، وليست أزمة حكوميّة لذا ينبغي معالجتها بالاستناد إلى مفاهيم ومقاييس تتصدّى لجوهر الأزمة وليس لظواهرها"، والأزمة حاليًا لا تزال بمرتكزاتها أزمة وطن ومكونات وكيان، فيما رئيس الجمهورية بالاستناد إلى رؤيته العميقة يحاول وضع الإصبع عليها حين قال جهارًا لا تجعلوا التكتيك يهدّد الوحدة الوطنيّة. وبحال تألفت الحكومة فهل ستتصدّى الحكومة لجوهر الأزمة أو تبقى محصورة بحلّ ظواهرها، ومن هذا المنطلق يتمّ طرح السؤال التالي، أين هو الاستقلال وأي لبنان نريد؟ ويكمّل فؤاد بطرس: "كما ينبغي ألاّ يفوتنا بأن موقع لبنان في الصراع العربيّ-الإسرائيليّ، وما يتسببّ به من مشاكل ومتاعب في حقليّ السياسة الخارجيّة والداخليّة، إضافة إلى بعض التناقضات في السياسة بين بعض الدول العربيّة وموقف بعضها من لبنان نسبة لماهيّة علاقاتها به والتي تشقّ صفوف اللبنانيين صفوف اللبنانيين لتباين آرائهم في صددها، تشكّل عقبة (كأداء) على طريق مشروع إنقاذ الوطن، وتُعقِّد مهمّة أهل السياسة في لبنان، بمن فيهم أصحاب التوجّه الصحيح، وتسيء إلى الوحدة الوطنيّة والعيش المشترك".
لقد مات الطائف وانتهت مفاعيل التسوية، بفعل تمزّق الرعاية الأميركية والسعودية والسورية لها وانقسام اللبنانيين العموديّ، فانتهى الاستقلال بعمقه الوجوديّ، لكون لبنان لا يزال مهدّدًا بوجوده وكيانه وهويّته، وليس من قدرة على ما يبدو لحسم النقاش بكلّ مستلزماته وأبعاده، فماذا بعد.
يقول جون كينيدي "بأنّ عدوّ الحقيقة هو الأسطورة أكثر مما هو الكذب"، ولفخامة الرئيس القدرة على الدعوة لنقاش عميق حول أزمة النظام والكيان والإجابة عن سؤال أي لبنان نريد وأين اللبنانيون من لبنان، هل هو وطن لجوء ونزوح أو هو وطن قائم بذاته ومن ذاته ولذاته، وكيف نبتغيه وبأيّ نظام سياسيّ نرتأيه؟ هذا هو عنوان كبير لحوار الوطنيّ مقبل، نرجو أن يدعو إليه فخامة الرئيس حيث بإمكانه ان يفضي إلى تسوية وطنيّة تاريخيّة وجديدة تتصدى لكونفدرالية الطوائف المتولدّة من رحم الدول، فتقود إلى وطن واحد بنظام انتخابيّ نسبيّ وإلى لبنان دائرة واحدة بمنطق ديمقراطيّ وطنيّ، وإلى مواجهة دامية وبلا هوادة للفساد، حينئذ يبصر لبنان قيامته، ويستحقّ أن يحتفل باستقلال أبديّ سرمديّ.

 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING