HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

من مصالحة بكركي إلى العقدة السنيّة (جورج عبيد)

15
NOVEMBER
2018
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

جورج عبيد - 

كلّ مصالحة بين الأطراف المسيحيّة غنى وقوّة ولا يسوغ أن يبادر أيّ طرف إلى رشقها بالسهام أو محاولة تمزيقها بالحراب. لقد تقنا إلى زمن يهيمن عليه السلام وهو اسم من أسماء الله الحسنى، بفهم كامل بأنّ التعبير عن الحقّ المسيحيّ الوجوديّ يصير باطلاً أو بلا قيمة أو معنى، إذا بقي المسيحيون مشتتين بلا آفاق، مبعثرين بلا حضور، ممزقين خارج سياق الوجود.

منذ ثمانية وعشرين يومًا، نشر موقع التيار الإلكترونيّ مقالاً لكاتب هذه السطور تحت عنوان: "المصالحة المسيحيّة-المسيحيّة في لبنان اساس لنهضته وخلاص لمسيحيي المشرق"، كتبت ما يلي: "التمسرح فوق جثّة الماضي والسير فوق جماجم الشهداء مقيت وكريه وهو ذروة الخطيئة العظمى. ماذا يفيد المسيحيين في الزمن الحاضر استخراج الأحقاد من هذا التمسرح، ونفثها وبخّها كما تبخّ الأفعى سمومها في جسد ضحيّتها، فنقتل الزمن الحاضر، ونقصي أنفسنا عن المستقبل بل نقصيه عن توقنا وطموحنا بغد مشرق وأفضل. الحاضر ران نحو الغد، وليس له ان يبيت في حروفيات التاريخ وبواديه القصيّة ونواديه العصيّة. على كلّ الأحزاب المسيحيّة أن تصعد فوق تلّة عالية وتنظر إلى أسفل الوادي وترى ماذا فعلنا لأنفسنا ولسوانا حتى نتعلّم... ويكفي من بعض الجهات مناكفات له. وحدانية الوجود المسيحيّ في لبنان ضرورة قصوى لاستكانة الفلسفة الميثاقية وهدأة فلسفة المشاركة مع المسلمين، وضرورة قصوى لحماية مسيحيي المشرق من العراق إلى سوريا إلى الأردن وفلسطين ومصر، وحدتنا مبذولة من أجل رفعة لبنان وخدمة مسيحيي المشرق وضمان بقائهم، وترسيخ شراكتهم مع المسلمين، ليبقوا أعزّاء كرماء".

من قرأ هذه الرؤية، استنتج بلا شكّ بأنّ كلّ مصالحة بما فيها مصالحة البارحة في الصرح البطريركيّ في بكركي، يفترض أن لا تقفز فوق الشكليات وتثب فوق أقبية التاريخ المظلمة بلياليه الداكنة لتلتمس النور سبيلاً لغد أفضل. ويفترض بمن تصالحوا مع بعضهم أن يقرأوا بأنّ كلّ مجزرة حدثت بين الموارنة وأراقت الدماء بغزارة أفضت إلى تمزّق الوجود المسيحيّ وهو المكوّن التاريخيّ للبنان الحاضرة بجغرافيته الحاليّة، وأفضت في الوقت عينه إلى ضعف عميم وكبير في الوجود المسيحيّ المشرقيّ المترامي الأطراف ما بين سوريا والأردن والعراق وفلسطين وهي رحم انبثاقنا التاريخيّ واللاهوتيّ في العالم، بمعنى أن مسيحيي لبنان جنوا على أنفسهم وجنوا في الوقت عينهم على مسيحيي المشرق بأسرهم.

من هذه الزاوية يفترض بمن تصالحوا، البارحة أو منذ أزمنة، إذا عقلوا واعتدلوا وبلغوا نحو الجديّة في المصالحة أن يعملوا على توسيع شعاع المصالحة، فلا تبقى على الإطلاق محصورة ضمن نطاق جغرافيّ محدود، أو أمكنة جغرافية محدودة، بل يفترض بأربابها من بعدما تحرّروا من السكنى في الماضويّة وما نتج منها وعنها من جراح، بأن ينطلقوا وبعيدًا عن الحسابات الضيّقة جدًّا إلى صياغة أطروحة استراتيجيّة حقيقية وواعية وواعدة تلحظ في متنها وطيّاتها كلّ التبدّلات الاستراتيجيّة والجيو-استراتيجيّة في المنطقة، وعلاقة مسيحييّ لبنان بها بانعكاسها على الداخل، ومن ثمّ علاقة مسيحيي لبنان والمشرق بها بهدف توطيد مشاركتهم بل شراكتهم بعملية بناء النظام السياسيّ الجديد في العراق وسوريا. وإذا ساغ بعض التخصيص فالعدل يقتضي بالاعتراف الجليّ بأنّ رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ورئيس التيار الوطنيّ الحرّ جبران باسيل ورئيس تيار المردة سليمان فرنجيّة وعلى الرغم من الاختلافات في وجهات النظر شركاء في تلك القراءة الاستراتيجيّة وهم متلاقون في المدى المشرقيّ، فيما رئيس القوات اللبنانيّة الدكتور سمير جعجع لم ينتبه في قراءته إلى تلك الناحية الدقيقة بل أهملها بالكليّة في سبيل رهان مختلف بالعمق الاستراتيجيّ عن التيارين البرتقاليّ والأخضر، وتخشى مصادر عارفة بأن يكون ثمن المصالحة بالعمق السياسيّ تسليم من قبل سليمان فرنجيّة بدور سمير جعجع المحوريّ من حيث انتماء التسليم إلى ثقافة المناكفات في الزوايا الضيّقة.

لقد لاحظ المراقبون جواب سليمان فرنجيّة على سؤال بعيد "حفل المصالحة"، إذا استدعانا فخامة الرئيس يبدأ الحوار مع التيار الوطنيّ الحر، و"إذا" في الإعراب، أداة شرط غير جازمة، ولكنّها تحوي الشرط. وقد تساءل المراقبون، حين توفي المغفور له روبير فرنجية عم سليمان، أرسل فخامة رئيس الجمهوريّة وزيرًا يمثّله في المأتم، ألم يكن من الواجب على سليمان فرنجيّة أن يزور رئيس الجمهورية مع وفد من العائلة لشكره على التعزية كما تجري العادة؟ ولو افترضنا بأن سليمان بك قام بزيارة الرئيس للشكر، أما كان ممكنًا لتلك الزيارة أن تفتح آفاقًا طيبة للتلاقي الإيجابيّ بينه وبين الرئيس وبين التيارين الوطنيّ الحرّ والمردة وأن تثمر باتجاه توطيد الرؤى الاستراتيجية الجامعة وهي أفضل وأثمن وأسمى من ثقافة المناكفات؟ وهل ينسى سليمان فرنجية كيف أنّ العماد ميشال عون سنة 2005 فور عودته من فرنسا زاره في بنشعي في ذروة عزله من قبل فريق الرابع عشر من آذار، واصطحبه معه إلى منزل الرئيس عمر كرامي وصالحهما مع بعضهما البعض؟ وعلى الرغم من ذلك، يرى المراقبون بأنّ أبواب قصر بعبدا مفتوحة لفرنجية كما هي مفتوحة لسائر الناس، وتعطي مثلاً كيف أن وليد جنبلاط زارها من بعد قطيعة طويلة مع سيد العهد، وفي آخر زيارة سلّمه لائحة بأسماء المرشحين الدروز للحكومة. وتنظر تلك المصادر من جديد إلى الدار البطريركيّة في بكركي كمكان مقدّس يملك سيده البطريرك الراعي القدرة على جمع المسيحيين وأبنائه الموارنة لتوطيد المصالحة فيما بينهم والخروج بمسلمات وجوديّة-مسيحيّة تعنى بالدور التكوينيّ لمكوّن تاريخيّ، وبالحضور والوجود، فالمسيحيون ليسوا كمًّا بل هم النوع الفريد المتأصّل في بنية لبنان والمنطقة، والكنيسة المارونيّة كما معظم الكنائس معنيون بتحصين الوجود وتحسين شروط البقاء والمشاركة إلى جانب النخب السياسيّة. وثمّة من ينتظر بأن ترعى بكركي لقاء جامعًا بين سليمان فرنجية وجبران باسيل وبينهما وبين الدكتور سمير جعجع وسامي الجميل لتكتمل عناصر المصالحة بأبعادها الدائمة وليس بمنطلقات لحظويّة ضيّقة.

لم يحجب جمال المشهد في بكركي المبارك، قضيّة العقدة السنيّة. ورأت بعض المصادر بأنّ استهلاك المسألة تخطّى المعطى السياسيّ بإطاره الداخليّ، على الرغم من أن حزب الله بشخص أمينه العام السيد حسن نصرالله ورئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري لم يغلقا الأبواب أمام حلول موضوعية. إنطلق رئيس التيار الوطنيّ الحرّ جبران باسيل بمبادرة مرنة انكشفت خطوطها في تصريحه الذي أدلى به بعيد لقائه رئيس المجلس النيابيّ نبيه برّي. ما هو أساسيّ في كلام باسيل أنّ الاعتلال قائم في الشكل وليس في المضمون. وخطاب نصرالله كما مؤتمر الحريري الصحافيّ التقيا على توصيف الوقائع لا سيّما بإظهارهما بأن الجانِب المفاوض هو حزب الله، ولم يلتقيا على الهدف. لقد اختلطت الأمور ببعضها والتبست حتى بلغت التأزّم الكبير. ففي الشكل والمضمون إنّ اللقاء السنة المعترضين لم ينشأوا ككتلة متراصة قبل الانتخابات النيابيّة، ففيصل كرامي دخل القصر الجمهورية ومن ثم المجلس النيابيّ خلال الاستشارات الرئاسية أو الحكوميّة مع كتلة العمل الوطنيّ المؤلّفة من فريد الخازن، فايز غصن، إسطفان دويهي وجهاد الصّمد، والوليد سكريّة دخلهما مع كتلة الوفاء للمقاومة وقاسم هاشم دخلهما مع كتلة التنمية والتحرير. لم تجتمع تلك الشخصيات ضمن كتلة طائفيّة واحدة، وكل واحد من هؤلاء سمّى الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة أي محضوه ثقتهم، فما معنى أن يسموه فرادى ويلتحموا بعد الانتخابات ليجتمعوا ويتكتلوا ضمن كتلة طائفيّة واحدة ليطالبوا الحريري بتوزير من ينوب عنهم.

وفي المضمون أيضًا، يفترض بالرئيس الحريري، أن يستدرك ويقرأ بأنّ الفلسفة الآحادية والشخصانيّة المصهِرة للطوائف قتلت النخوة فيها وأبطلت الديمومة ومعظم الطوائف بسبب منها بلغت مرحلة التلاشي، فلا هو أب الطائفة السنية ولا أحد أب لأية طائفة، ولا أحد يفترض أن ينصّب نفسه أبًا أو زعيمًا، أو يهبط من علُ على عرش التمثيل بسبب فائض القوة أو الدعم الخارجيّ. وليس له بالتالي أن يقرّر من يمثّل طائفته علمًا بأن المسلّمة الجوهريّة المتبعة بأنّ من حاز على نسبة عالية من التمثيل في الانتخابات جاز أن يكون في السلطة التنفيذيّة على الرغم من أنّ هذا المعيار أبطل بقوّة مسألة الفصل بين السلطات وقيمة المحاسبة والمراقبة. فحين تمّ القول بأنّ العماد ميشال عون قبل الرئاسة حاز نسبة عليا للتمثيل لم يخرج ويقل بأنّه أب الطائفة المارونية أو المسيحيّة بالمضمون السياسيّ شعبه هو الذي أعطاه الصفة بالثقة بنسبة عالية. وعلى الرغم من ذلك فرئيس الجمهورية وجبران باسيل حين يقولان بضرورة أن يكون رئيس الحكومة قويًّا فهذا معناه بضرورة أن يقبل بدوره بالتنوّع وليس بالصَّهر والقسر.

ما يحدث في النهاية بأنّ إصرار حزب الله على أن يتمثّل سنّة الثامن من آذار يحتمل النقاش وليس الصدام. لكنّ حزب الله، وببساطة مطلقة، ألقى على تلك القضيّة وشاحًا عقيديًّا، على الرغم من تركه أبوابًا مشرّعة للنقاش. ويرى بعض المراقبين بأنّ الرئيس الحريري وضع إصبعه على الأسباب الموجبة التي تحول دون توزير هؤلاء، منها بأنّ فيصل كرامي وجهاد الصمد كانا إلى جانب سليمان فرنجية وفريد الخازن وفاير غصن في تحالف واحد ونال التحالف هذا حصته الوزارية أي وزارة الأشغال، فمن أين نما هذا التجميع المذهبيّ الجديد بانتقال كرامي والصمد إلى اللقاء السنيّ؟ وفي الوقت عينه، فإنّ فرادة كل طائفة ببهاء التنوّع السياسيّ فيها.

في الختام تشير المصادر العارفة بأنّ الحكومة ستولد. ولكن فليتذكّر الجميع بأنّ لبنان يرتجف من جديد فيما هو يعبر من أزمة إلى أخرى، والأزمة الحالية أزمة كيانية ووطنيّة وأزمة مكوّنات، وليست أزمة وزارة من هنا أو هناك. لقد قال سماحة السيد حسن نصرالله كلمة دقيقة للغاية، هل هذه الحكومة الآتية حكومة منتجة أو حكومة هدر وفساد، والسؤال المطروح هل تلك الحكومة المطلة هي حكومة وحدة وطنية منتجة أو حكومة خلاف وطني ومنقسمة بالعمق العموديّ. وقبل الدخول في التوصيف، لعلّ أفضل رؤية أن يقوم فخامة رئيس العماد ميشال عون بالدعوة إلى طاولة حوار وطنيّ لتحديد مكامن الأزمات والخلوص من بعد ذلك إلى إطلاق أيّ توصيف ممكن على الحكومة المقبلة قبل أن تطول الأزمة في لحظات التبدّلات الكبرى التي تجتاح المنطقة من الخليج إلى المشرق.

 

 

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING