HI,{{username}}
Manage account
Change password
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES

بدأ الصيام (جورج عبيد)

19
FEBRUARY
2018
  • {{article.caption}}
  • {{article.caption}}
A
+
A
-
Print
Email
Email
A
+
A
-

رحلة الصيام ليست سوى حجّ إلى وجه حبيب حضننا في البدء وفي كلّ بدء. إنّها المحبة الكاملة والإخلاص الكامل لمن أحبّنا حتى النهاية، وبذل نفسه من أجلنا حتى الموت موت الصليب، حتى لا نهلك أبدًا ولا يبتلعنا السقوط الرهيبّ، ولا يمزقّنا وحش داهم. ما معنى أن لا نهلك؟ هذا عالم تختلط فيه النوازع والشهوات والمصالح، وتتزاوج كلّها في باطن الصراعات وأهدافها المعلنة وغير المعلنة، هذا التزاوج والتماهي في حقيقته وجوهره مصدر الهلاك والسقوط، وفي الصيام يعلن المسيحيّ المؤمن حربًا ضروسًا على مسالك الفساد والهلاك، يتسربل سربال النور لأنه ابن النور، ولا يبيت في الظلام أنّه موت، الفاسدون في هذه الدنيا يجذبهم الظلام لأنهم يخشون الظهور بما هم عليه من نتانة وقباحة، يحتجبون الظلام لأنهم إليه يرتاحون وفيه يختبئون وبين أجنحته يبيتون.

 

القول بأنّ الصيام تنقية للذات والجسد معًا جزء من حقيقة تتبلور في مسرى الرحلة أو الحجّ. إنه الوسيلة المباركة المتجة بالصائم والمؤمن نحو وجه المسيح. فقر المسيحيّ الحقيقي الدائم إليه، وهو يجاهد لكي يلبسه ويبقى لصيقه لكونه حياته وضياءه. أنت في الصيام تتجه إليه ولكنك في الوقت عينه تجيء منه فانت حبيبه منذ الابتداء. القضيّة الأساسية أنّ المسيح لا يفرض عليك نظامًا مغلقًا في الصوم أو سواه. هو قال بأنّه يأتي إلى خاصته التي احبّها منذ الابتداء، ويشاء أن يقيم معها إلى الأبد في وليمة بهية لا تنتهي. لكنّ المسيحيّ ارتض فريضة الصيام من باب فهمه وذوقه بأنّ ملاقاة العريس تفترض أن يتجهّز ويتجلّى ويجعل من هذه الفريضة منطلقًا للتصاعد نحوه والاقتران به والعيش معه.

 

لا يظهر المسيح إلاّ في الوجوه المرصوفة حولنا، المعجونة بالوجع والمطعوجة بالفاقة والمكلومة بالفقر. الانتباه إلى حضور المسيح لا ينحصر فقط في الصلوات والقداس الإلهيّ، بل في صنع الرحمة مع كلّ آخر واحتضانه بالمحبّة. ثمّة سوء فهم غالبًا ما يظهر في أذهان المسيحيين بين النظرية والتطبيق. هذا عينًا حصل مع الفريسيّ الذي دخل الهيكل ظانًّا منه أن مولاه يقبله لكونه يطبّق الشريعة بحروفيتها، فإذ بمولاه ينبذه لأنه لم يصنح رحمة بل ذبيحة. أوصانا السيد في مسيرته "إني أريد رحمة لا ذبيحة"، ليس بحاجة لذبيحة دموية، لقد منع إبراهيم من ذبح إسحق ابنه، لأنه فهم أن ابراهيم يحبّه من كل كيانه أي من جوارحه، طلب منه أن يذبح حملاً. المسيحيّة قرأت فيما بعد أنّ الحمل هو حمل الله الرافع خطايا العالم، المذبوح قبل كون العالم، هو المسيح الآتي ليصلب ويموت ويقوم من بين الأموات من بعد إتمام رسالته الكاملة. في الصوم الكبير يتلقّى المسيحيّ تلك المعاني، يتفاعل معها، ويتوغّل في عناوينها، إنّه التوغّل في حقيقة المسيح وفي عمق رسالته. في إنجيل الدينونة يرينا المسيح نفسه بعطب البشريّة كلّها ولا ينفصل عن الأذلاّء في الكون. "كنت جائعًا فأطعمتموني ومريضًا فعدتموني ومحبوسًا فزرتموني.." فسأله من حوله متى رأيناك جائعًا ومريضًا ومحبوسًا... فأجابهم لأنكم فعلتم بإخوتي الصغار، أما الذين نفاهم إلى جحيم العذاب فقد سألوه من بعد توبيخ كبير، متى رأيناك جائعًا ولم نطعمك، ومريضًا ولم نعدك ومحبوسًا ولم نزرك، فأجابهم لأنكم لم تفعلوا بأحد إخوتي الصغار. قضيّة المسيح مع شعبه أنه غير منفصل عن التاريخ بأحداثه بتأوه ناسه. لا تقوم المسيحية بالنظريات اللاهوتية، ولا بالممارسات الطقوسيّة فقط، بمعنى أنها لا تنحصر في الممارسات، بل تتجلى في اللحظة التي يتحوّل الكون كلّه إلى كنيسة حقيقيّة يتفاعل فيها القوي مع الضعيف بحبّ، والغنيّ مع الفقير بكرم، ذلك أنّ التفاعل دخول متكامل في جوهر المسيح وسرّه وإقرار بحضوره وحراكه فينا. ليس عن عبث كتب يوحنّا الرسول: "الله محبّة"، لقد ترجم الله نفسه محبة بوليده حين علّق على الخشبة فتكثّف البهاء. تعاضد الله مع خبيقته بدم ابنه، أي بالبذل الأقصى. لم يشأ الله أن يحجب نفسه ويبقى يحرك ولا يتحرّك على ما كتب أفلاطون مرّة، الانحجاب برودة كاملة، الله البارد الخالي من الحب، أو الذي لا ينفجر نبعًا للمحبة موت للتاريخ والحياة والبشريّة.

 

تلك الصورة الكاملة من شأنها بالضرورة أن تلهم كلّ مسيحيّ بل تدفعه في هذا الزمن المبارك وخارجه، أنّ يلاقي المسيح في كلّ أخ. أهمية الصيام ليست بالامتناع عن المآكل الفاخرة أو المنتوجات الحيوانيّة، والتحوّل إلى منتوجات الأرض، بل أهميته أن يتحوّل المسيحيون إلى رؤية اجتماعية جديدة يحققون فيها مجد الله. فالله لن يقوم عند الكاثوليك والأرثوذكس في الروزنامة في نهاية المسيرة، بل يقوم في تلك الرؤية القائمة على ما يسميه الأب ألكسندر شميمن رحمه بالمحبة المجانية، ويقوم بلحظة تحوّل المؤسسات الكنسية بالدرجة الأولى من المسرى الاستهلاكيّ إلى المسرى الرساليّ، إلى احتضان الضعفاء والفقراء في التعليم والطبابة وما إلى ذلك. ففي لبنان يحتدم النقاش في هذه الأيام حول الأقساط المدرسية ورواتب الأساتذة. فإذا ما تمّ تجاوز التوظيف السياسيّ لهذه المسألة، وإذا افترضنا أنّ لبنان لا دولة فيه حاضنة بالمعاني الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وإذا أيضًا فرضنا بأن ضمان الشيخوخة غائب وغير قائم، فهل تبقى الكنيسة واقفة مكتوفة الأيدي، أو هل تتورّط في سلخ أبنائها بالأقساط والطبابة، ولا يستفيد الأساتذة والموظفون من الزيادات؟ كيف يمكن للكنيسة أن تترجم نفسها على أنه وجه يسوع المتحرّك إذا ما وجدت حلاًّ حقيقيًّا لهذه المسألة التي تحولت إلى وجودية وكيانيّة تخصّ المسيحيين بوجودهم وحضورهم ودورهم؟ ألا تؤدّي تلك الممارسات إلى جعل المؤسسات الكنسية حكرًا على الأثرياء "أمّا الفقير فيأكل بقولاً"، ألا يؤدّي ذلك إلى تهجير متدرّج للمسيحيين من لبنان واستطرادًا من المشرق، لكون مسيحيي لبنان لا يزالون مصدر قوّة لمسيحيي المشرق؟

 

وفي الواقع المعيش، ليست المسألة محصورة بالمؤسسات، بل بالأفراد الذيت يمتلكون القدرة على معاضدة الآخرين. لقد أشار سفر أعمال الرسل، بأنّ كلّ شي كان مشتركًا بين المسيحيين الذين دعوا أولاً في هذه البلاد أي في انطاكية. غياب المشاركة والتعاضد بين المسيحيين يبطل الدور المسيحيّ ويحجب رؤية المسيح بجماله وكماله وبهائه. الخطورة أن تنحجب الرؤية، ذلك أن المسيح لا يحصر ظهوره بطقوسنا مهما كانت بهيّة، فقد تكون باردة وجامدة، بل إنّ ظهوره يتمّ في الكون كلّه. فأي رذل وعزل للآخرين رذل وعزل له.

 

إذا شئتم الصوم ارتقاء إلى المسيح ارتفعوا نحو الوجوه، وتعاطفوا وتسالموا وتحابوا. إسمحوا للقلب ان يكون في وصال مع العقل، واسمحوا للأيقونة أن تتجلى في الواقع وفي الوقائع. الاتجاه نحو الأسبوع العظيم والفصح في نهاية الصيام ليس طقوسيًّا بل فعليًّا. أيها المسيحيون، إذهبوا واملآوا الكنائس بحضوركم صلّوا من كلّ قلوبكم سلّموا أجسادكم وأرواحكم للرب القدوس، صوموا عن الحسد والبغض والخلاعة والمكر والكره والغضب الفارغ والعصب المارق. سلّموا وتسالموا مع بعضكم حتى يرى الله فيكم حضوره. العائلة الممزقة فلتلج إلى الكتاب العزبز وإلى الحقيقة المسيحية فيها أي فلتحب المرأة رجلها والرجل امراته وليتعاطف الأولاد مع بعضهم ومع ذويهم ليكتمل وجه الله فيهم، والمتخاصمون فليتصالحوا، هذا زمن توبة ومحبة ورجاء، وأوان لقاء المسيح هنا وثمّة وفي كلّ زمان ومكان. واجعلوا الإمساك عن بعض الأطعمة تعاطفًا وتآلفًا مع الآخرين ومصالحة مع الذات والطبيعة ومع كل آخر. فلنتساعد على دحض الفاقة والعوز فيما بيننا، حتى إذا جاء المسيح إلينا في فصحه العظيم نكون قد استبقنا مجيئه بالذهاب إليه في ملاقاتنا لكلّ حبيب في هذه الدنيا.

 

بدأ الصوم فلنسلك في بهائه ورياضه بهدوء ومحبّة ليتيارك المسيح فينا، ونستحقّ أن نعاين ضياءه في فجر اوّل أيّام الأسبوع أي في الفصح العظيم.   

جورج عبيد ,
MORE ABOUT
ADVERTISE HERE
JUST IN
TRENDING
HEADLINES
{{headlineCount}} new {{headlineCount == 1 ? 'update' : 'updates'}}
+ MORE HEADLINES
TRENDING