حديث العماد ميشال عون لبرنامج "عشرون عامًا على الطائف" عبر Otv
س: لو افترضنا أن الزمن عاد الى الوراء هل كنت لتحافظ على المواقف نفسها، أم أنك تعتبر أن ما أقدمت عليه من عشرين عامًا كان خطأ يجب أن يتغيّر؟
ج: كنت أقدمت على الشيء نفسه وليس هناك أي ندم على أي عمل قمت به. وكانت لديّ خياران فإما أن أقبل أو أرفض وأنا فضّلت الرفض على التسليم بأمر واقع ينزل الإجحاف بحق لبنان وسيادته.
س: ولكن النواب الذين شاركوا في الطائف يقولون إن هذا كان ضرورة ولم يكن خيارًا بالنسبة لهم، كان ضرورة لإنهاء الحرب في لبنان.
ج: بالنسبة لهم ثمة ضرورة ولكن ليسوا هم من كانوا يقاتلون ومن كانوا يدفعون التضحيات كانوا يفعلون ذلك عن اقتناع بوجوب عودة السيادة إلى لبنان.
س: ولكن بالإجتماع الذي حصل بينك وبين النواب الموجود منهم اليوم معنا النائب بيار دكاش، يقولون إنك وافقت على اتفاق الطائف قبل سفرهم.
ج: لا أظن أن هذا غير دقيق بل هو غير صحيح على الإطلاق. أنا قلت لهم إنني غير موافق على الذهاب إلى هناك وحصل جدل حول الموضوع. وقلت لهم إنني أنا الأكثر صلابة بينهم بالعناد. فإذا ذهبنا الى الطائف ووضع جلالة الملك يداً على كتفي واليد الأخرى على ذقنه واستحلفني بأن أوافق على الموضوع فإنني أخشى القبول لأنني أكون بعيداً عن موقعي وعمّا أمثّل، لذلك لست موافقاً على الذهاب. فقالوا نحن نلتزم بأي تفاهم يتم هنا. وقال أحد النواب وهو أوغست باخوس " ولوه ، شو نحنا زحاليط" لن نقبل بكل شيء". والنائب الراحل نصري المعلوف قال "نحن صنعنا الاتفاق ونحن نلغيه ونصنع غيره". إذاً كانت عندهم قناعة أو ادّعاء بأنهم سيغيرون ما اتفق عليه. لذلك طلبت منهم الموافقة على برنامج معيّن لإعداد الإصلاحات حينها أوافق وإلا فيذهبون على مسؤوليتهم وأنا لا أمنعهم بل أوصلهم الى حيث يريدون. كان التفاهم على التسلسل في الإجراءات التي سنتخذها وأولها كان انتخاب الرئيس والثاني جدولة الانسحابات والثالث إجراء الإصلاحات الدستورية. فذهبوا على هذا الأساس وعادوا بمشروع مختلف تماماً. بدأوا التصويت بشكل غير شرعي على الإصلاحات في مطار القليعات واقول غير شرعي لأن المجلس النيابي تحوّل إلى هيئة انتخابية بعد 10 أيلول ولم يكن من حقه إلا أن يقوم بالعمليات الانتخابية لرئيس المجلس ورئيس الجمهورية، لذلك حُلّ المجلس. كما أن اجتماعهم في الطائف لم يكن لقاء نيابياً كما اتّفقنا بل صار اجتماعاً للمجلس النيابي خارج البلد. هناك تم الاتفاق وصوّتوا عليه برفع الأيدي كما أذكر. وفي كل الأحوال كانت المخالفات دستورية في الشكل وفي الجوهر وفي مضمون الاتفاق الذي تم في الاجتماع الأخير في بعبدا.
س: نريد من حضرتك رد على الإتهام الذي يقوله بعض النواب الذين شاركوا في الطائف بأن رفضك لهذا الإتفاق هو لأنه قطع الطريق أمامك للوصول الى رئاسة الجمهورية. ما صحة هذا الكلام؟
ج: يمكنكم أن تسألوا الوزير السابق محسن دلّول حول وجود عرض. وراجعوا كتاب سركيس نعوم (ميشال عون حلم أم وهم) في الصفحة 170 حيث ذكر الحديث الذي دار بين الرئيس حافظ الأسد وبين الرئيس الراحل رفيق الحريري. لم يكن الموضوع رئاسة الجمهورية وعندما عُرضت علي رئاسة الجمهورية سألت الأستاذ فايز القزي الرئاسة لي ولكن الجمهورية لمن؟ أنا آخذ الجمهورية وأعطيهم الرئاسة. لم يكن عندي طمع فيها، وحتى الآن كل تصرفاتي هي لإنقاذ الجمهورية وليس لإنقاذ مواقع أريد أن أستحصل عليها.
س: خلال الإجتماعات في الطائف والمحادثات التي كانت تتم، هل كان النواب يضعونك بأجواء الأمور التي تحصل هناك؟
ج: لست أنا مباشرة. ولديهم تسجيلات كل الاتصالات التي حصلت بين الطائف وبيروت. وأنا لم أعطِ أبداً الموافقة لأي أحد على الاتفاق. وفي 20 تشرين اتصلت بالبطريرك حين كان في روما وقلت له "يبدو أن ورقة الاتفاق تمت كما هي. وأعتقد أن لبنان هو الخاسر الأكبر والمسيحيون خسروا كل صلاحياتهم. فأجابني تهمني وحدة المسيحيين فقلت له وحدة المسيحيين جيدة في المقاومة أما في الإستسلام فليستسلم كل واحد بمفرده يا سيّدنا وأنهيت المكالمة.
س: ما رأيك بالقول الذي يقول إن المسيحيين دخلوا الى الطائف منهكين وخرجوا منه محبطين، وسبب الإنهاك هي الحروب وبشكل خاص حرب التحرير التي أطلقتها؟
ج: استلمت البلد مرهقاً بكامله واستنهضته إلى أن وقف على رجليه. التعب لم يكن بسببي بل من حرب السبعينيات وحروب العام 1978 والعام 1982 وكل هذه المواضيع التي حصلت. ماذا جرى بين 1982 و1989؟ هل كان البلد مستقراً أم كانت الحروب مستمرة؟ بين عامي 1982 و1983 وقعت حرب الجبل وشرقي صيدا والإقليم وهذه كلها لم أكن أنا مسؤولاً عنها. الحرب الوحيدة التي كان لها معنى واتخذت طابعها الوطني هي الحرب التي قمت بها، أسموها حرباً فيما هي كانت مقاومة. أنا لم أذهب يومها الى دمشق أو بلد آخر لأحارب بل كنت قابعاً في مركز الرئاسة في بعبدا والدبابات تقصفني على بعد 800 متر. كنت أدافع عن آخر موقع يمثل الشرعية. نحن دافعنا وهذا شرف لنا أننا لم نستسلم. خسرنا الحرب لكننا لم نسلّم سيادتنا ولم نتنازل عن حقنا بالدفاع رغم كل المخاطر على الحياة وما تكبّدناه من خسائر.
س: في هذا الموضوع هناك وجهة نظر مخالفة وأظن أن ضيفنا الوزير السابق ادمون رزق يوافق عليها، وهي تقول إنه لو حضرتك سهّلت انتخاب رئيس الجمهورية لما كنا وصلنا الى الطائف ولما كان رئيس الجمهورية فقد هذه الصلاحيات؟
ج: هل كان ثمة اتفاق على رئيس الجمهورية وترشيح للرئاسة أم تطبيقات سياسية من الخارج ومفروضة علينا؟ في المرحلة التي مرت في السنوات ال15 حتى العام 2005 كان الرئيس يُعيَّن ويصدّق على تعيينه النواب. ومن يقول عكس ذلك فليراجع كل التصاريح والاتفاقيات التي تمت حول رئاسة الجمهورية. يومها لم يكن هناك انتخاب للرئيس بل تعيين بتفاهم أميركي- سوري. والتصديق على التعيين يتم في المجلس النيابي. ويوم التقيت بالموفد الأميركي نيوتن والملحق العسكري الأميركي حين زارني في البيت برفقة ساترفيلد فقلت له أنتم اتفقتم مع السوريين على من يكون رئيساً للجمهورية هنا فاسمحوا لنا بالشكل على الأقل، وأن يترشح من يريد ليحصل انتخاب فأجابني "إن هذا اتفاق". فقلت له "إذاً، الاتفاق نفذوه أنتم، أنا لن أنفذه لكم، فأنا لا أتآمر على نظامنا وسيادتنا".
س: اليوم عدد من نواب الطائف أصبح من حلفائك والعدد الآخر لا تزال هناك قطيعة معه، ماذا تقول لهؤلاء النواب اليوم بعد عشرين عامًا على اتفاق الطائف؟
ج: تخطينا كل الأحداث ولا يمكننا التوقف عند حدث معين كي نبني المستقبل. لكن يجب أن نستفيد من الأخطاء فالمشكلة هي الإصرار تاريخياً على عمل خاطئ. كان علينا واجب الدفاع وقمنا به رغم مخاطره ولم نقبل بالواقع، لأن مقاومتنا حفظت لنا حقنا بالمطالبة بالاستقلال، ولو أن القوة فرضت أمراً واقعاً معيّناً.
س: ما كان البديل عن الطائف يومها؟
ج: البديل اتفاق لا يضع لبنان تحت وصاية مزدوجة سورية- سعودية واحدة تدير الاقتصاد والثانية تدير الأمن والسياسة. ونحن جُرّبنا وتحوّلنا إلى أمم وبعد 15 سنة وجدنا البلد أسوأ مما كان من حيث الممارسة السياسية. وهذا أول بلد يتحرر من وضع معين ومن كانوا يتعاونون مع الأوصياء استمروا في حكم البلد. ففي العام 2005 زالت الوصاية السورية وحدها عن لبنان وظلت الوصاية السعودية وجاء الأمريكي مكان السوريين ليأخذ الدور السوري. لذلك نرى التأخير في تعيين وزارة الدفاع والوزارات الأمنية التي أعطيت لجهة معينة فيما المال والاقتصاد ما زالا في جهة معينة. وعندما نطالب بإحدى هذه الوزارات تقوم القيامة خارجياً وداخلياً ونكون نحن من نعرقل تشكيل الحكومة بينما ما زلنا نسعى لاستعادة سيادتنا بشكلها المطلق لتشكيل حكومتنا من موازين القوى المتوفرة في البلد.
س: تعتبرون اليوم أن الطائف فيه ثغرات وتطالبون بتعديله، ولكن هناك نظريات تقول إن تعديل الطائف اليوم ممره الإجباري هو حرب جديدة وصراع دموي؟
ج: عدم تعديل الدستور وفق التحولات التي تمّت منذ الانتخاب إلى حين انعقاد الطائف هو الذي أدى الى الحرب الدموية. القوانين هي كالكائنات الحية وكذلك الدستور الذي يجب أن يرافق كل التحوّلات. فكل نظام لا يقيم التوازن ويحفظ الاستقرار في البلد هو الذي يسبب المشكلة. أنصح الجميع بألا يكونوا متحجّرين وبأن يرجعوا التوازن إلى ممارسة السلطات ويسدّوا الثغرات التي فيها. ثمة أمور تحتاج إلى تفسير صحيح فحتى الآن لا نعرف ما هو الميثاقي وما هو غير الميثاقي في رئاسة الحكومة وشرعيّتها. فإذا لم نعد النظر في تفسير الدستور والمواد الميثاقية الموجودة في المقدمة يستمرّ الخلاف. وأقول كان هناك سكون ولم يكن هناك سلام في لبنان. لذلك عادت المشاكل لتظهر.
س: هل تعتبر أن الظروف كانت مشابهة بين تسلّمك الحكومة الإنتقالية والظروف التي تولّى خلالها اللواء فؤاد شهاب هكذا حكومة، وهل العتب عليك هنا بمكانه من أنك لم تسهّل الرئاسة؟
ج: أعتقد أن الوزير إدمون رزق تخونه الذاكرة. نسي أن الجيش لم يكن مسيطراً إلا على بقعة صغيرة وانتشاره فيها كان محدوداً ونسي من خطف النواب ومنعهم من الوصول وأقام الحواجز على الطرقات. أقله نحن أمّنّا وصول من في منطقتنا ولم نمنعهم. فليسأل القائم بالأعمال عن 18 آب وما كان دوره يومها وبمن اتصل؟ بالنواب الذين كانوا يسكنون في اليرزة ولم يتمكنوا من الذهاب وأحد النواب الراحلين طلب من اللواء ابو ضرغم إقامة حاجز ليكون ذريعة لعدم الذهاب الى المجلس النيابي. كما أن طريقة تعيين الجلسة وبدون تحضير إما أن تأتوا أو لا تأتوا كان فيها خطأ معين وكثير من النواب لم يقبولها. لكن السياسي دائماً ذنبه مغفور والمسؤول هو العسكري على الأرض ولو لم يكن موجوداً.
س: إذا عدنا الى مرحلة ما بعد الطائف، بالتحديد الى جلسة 5 تشرين الثاني والتي تصادف اليوم الذكرى العشرين لها، النواب يقولون إنهم غادروا من الطائف الى فرنسا ومن هناك كان عندهم خشية من العودة الى لبنان، كما يقول النائب الراحل جورج سعادة، خوفًا من أن تعتقلهم وتمنعهم من الوصول لإنتخاب رئيس جمهورية. هل صحيح أنه كانت لديك نية في حجز النواب في المناطق الشرقية لمنع التئام جلسة للمجلس النيابي يومها؟
ج: هذه ليست من صفاتي. ويومها جاء الدكتور بيار دكاش قبلهم الى المنطقة وتحدثت معه وبقي معنا. ثم جاء النائب الراحل كاظم الخليل وتحدث معي ويومها كان يريد ان يأتي النائب نصري معلوف والدكتور جورج سعادة للتباحث في الموضوع. لكنهما امتنعا أو مُنعا عن ذلك. ونزلا في القليعات.
س: كلمة أخيرة للبنانيين بالذكرى العشرين لإتفاق الطائف.
ج: الاحتفاظ بالاستقلال أصعب من الحصول عليه وهذه الأزمة التي نعيشها اليوم تتكرر. ندعي أننا نلنا السيادة والاستقلال فيما حكوماتنا تتألف في الخارج وهناك محاولة استعانة للقيام بضغوطات علينا. نحن نحترم كل صداقاتنا في الخارج لكننا نود أن نكون اسياد أنفسنا في ما يتعلق بالحكومة أقله. ونريد من كل اللبنانيين سواء أكانوا معنا أو ضدنا أن يمارسوا الأمر نفسه. ومن الأفضل عدم حصول تضليل إعلامي حول الموضوع وحرب نوايا علينا. مشكلتنا هي داخلية بالدرجة الأولى فالتدخل من الخارج سببه أن بعض الأطراف يدخلون الخارج. ولا يمكن أن ينتظم لبنان سياسياً وداخلياً إلا إذا عرف كيف ينظّم استقلاله السياسي.