AR
A A A
Facebook
الطائف تسوية أوقفت الحرب ونقلت لبنان إلى مرحلة اللاسلم المترنّحة. ونقْل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء جوهر الخلاف




 في مثل هذا اليوم، قبل 20 عاماً صادق مجلس النواب اللبناني في حضور 58 نائباً على وثيقة الوفاق الوطني التي ابرمت في الطائف، وكان مفترضاً ان تدخل البلاد في مرحلة السلم الاهلي بالتزامن مع اعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، لكن ما كل ما تمناه اللبنانيون ادركوه وعجز الاتفاق، الذي وصف بالتاريخي، عن ترسيخ ركائز الجمهورية الثانية بعد الاستقلال. لماذا لم يطبق الطائف، ومن يتحمل هذه المسؤولية التاريخية؟
يجمع المسيحيون، على اختلاف احزابهم وميولهم السياسية، على ان الامتيازات التي حظوا بها منذ تأسيس لبنان الكبير في العام 1920 انتهت الى غير رجعة مع توقيع اتفاق الطائف. وفي ذلك مرارة فرضتها الواقعية السياسية المتكئة على المتغيرات الميدانية واحياناً الديموغرافية. فالاحداث المتسارعة التي شهدها لبنان، خصوصاً بعد ما عرف بانتفاضة 6 شباط 1984 واسقاط اتفاق 17 ايار، ساهمت في تعزيز قدرة المسلمين على الامساك بمفاتيح اللعبة الداخلية، مما سمح لهم وبمؤازرة اقليمية ان يفرضوا المناصفة في الحكم بعدما تبينت هشاشة الميثاق الوطني للعام 1943 وكشفت الاحداث التي عصفت بالكيان اللبناني منذ الخمسينات من القرن الفائت عن ان النظام السياسي بحاجة الى اكثر من اتفاق شفوي بين المسيحيين والمسلمين، لا يضعف الصيغة الطائفية للحكم وانما يكرسها مع تعديلات جوهرية تعطي المسلمين حق المشاركة الحقيقية في الحكم من جهة وتحافظ على الاقلية المسيحية في الشرق من جهة ثانية. وبعيداً عن التوصيف القائل إن الطائف جاء على قاعدة لا غالب ولا مغلوب فان لبنان بعده دخل في مرحلة جديدة صعب على بعض الاطراف المسيحية "هضمها" خصوصا ان التعديلات الدستورية بموجب الطائف نزعت من الرئاسة كل الامتيازات التي تمتعت بها على مدار اكثر من 6 عقود وباتت السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء مجتمعاً بعدما كان رئيس الجمهورية رأس هذه السلطة.


الإصلاحات الدستورية

يصحّ في اتفاق الطائف المثل الشعبي القائل "أول دخولو شمعة طولو"، فخلافاً للنص الذي حدد عدد النواب ب 108 جاءت الانتخابات النيابية بدءاً من العام 1992 لترفع العدد الى 128، هو رقم كبير مقارنة مع عدد سكان لبنان الذي لا يتجاوز الملايين الأربعة، في الوقت الذي نرى في الولايات المتحدة الأميركية نائباً لكل 485 الف ناخب ، وفي اوكرانيا هناك 450 نائباً يمثلون نحو 50 مليون اوكراني .
هذا التضخم في عدد النواب جاء ليلبي رغبات زعماء الطوائف على حساب خزينة الدولة.
صحيح ان الدستور ترك امر تحديد عدد النواب الى قانون الانتخابات ، علماً ان الأخير جاء مخالفاً لنص وروح الطائف لجهة عدم اعتماد المحافظة بعد اعادة النظر في التقسيمات الادارية، وكذلك نص المادة 24 من الدستور لجهة الانتخاب خارج القيد الطائفي . وخلافاً لروحية الطائف اعتمدت الدوائر الانتخابية بأشكال عدة، وجاءت قوانين الأعوام 1992 و 1996 و 2000 مخالفة لنص المادة (7) لجهة ضرب مبدأ المساواة وايضاً عدم التوازن في الحاصل الانتخابي.


كنعان: الاتفاق هدف إلى تجميد الحل

أمين سر "تكتل التغيير والاصلاح " النائب ابرهيم كنعان يرى ان الطائف لم يوضع لينفذ، لان جميع الذين شاركوا فيه يعرفون ان الاتفاق كان ورقة فضفاضة، رغم التسميات المتنوعة بأنه تسوية تاريخية وغير ذلك ويضيف:" كان يهدف الى تجميد الحل في لبنان الذي كان العماد النائب ميشال عون دفع في اتجاهه ، فأتى الطائف تحت شعار وفاقي وطني لدفن هذا التوجه ووضع لبنان تحت الوصاية والحراسة، وكان تفاهم "السين - سين" والرعاية الاميركية لهذا الاتفاق، وتم نقل مركز الثقل في النظام من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء نظرياً لكن الواقع اثبت انه انتقل الى رئيس الوزراء مع بعض الامتيازات للطائفة الشيعية، وتمّت تغطية هذه المليّة البعيدة عن الدستور والمتنكرة للاصلاحات الاساسية التي نص عليها الطائف، خصوصاً لجهة الغاء الطائفية السياسية والانماء المتوازن واللامركزية الادارية... الخ".
ويعتبر كنعان ان الطائف، وبتغطية من بعض الاطراف المسيحية التي اقتصر دورها في المرحلة الاولى على ضرب القوة المسيحية الفاعلة على الساحة اللبنانية التي استنهضها العماد عون، أما في المرحلة اللاحقة فكان تهميش المسيحيين، اذ بدأنا نسمع نظرية الانقلاب على الطائف، علماً ان الاخير لم يكن فيه ما يستحق التنفيذ وانما جاء كتسوية سورية - سعودية ".
واما الحديث اليوم عن حكم الاكثرية فمن الواضح ان الطائف نقل الصلاحيات من الرئاسة الاولى الى مجلس الوزراء مجتمعاً، بموازاة الثنائية في السلطة التنفيذية والتوازن ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع غياب آلية الحسم الداخلية ، وذلك يعني ان الموافقين على الطائف قبلوا بالديموقراطية التوافقية.
لذلك نسجل للتاريخ اننا كنا خارج هذه المعادلة واعترضنا عليها، وان من الزاوية السيادية في ذلك الحين والتي تعني فقدان القرار على المستوى الداخلي. ونستغرب ان يعود هؤلاء الى المطالبة بالحكم الاكثري من دون ان يلحظوا استعادة الصلاحيات .
ويسأل كنعان بماذا يعدوننا في حال طبقنا نظرية الحكم الاكثري من دون استعادة الصلاحيات او احترام الضوابط الطائفية الموجودة اليوم في ظل ما صنعوه من ديموقراطية توافقية؟ ويتابع: "لقد انتقل مركز الثقل الى الاكثرية وهي اليوم تتمثل بالطائفة السنية وهي اضحت الحاكم المطلق في التركيبة السياسية الحالية وبالتالي تحررت هذه الاكثرية من الضوابط التي كان معمولاً فيها قبل الطائف. والسؤال هل ان "القوات اللبنانية" والرئيس امين الجميل هما الاكثرية ام "تيار المستقبل"؟ لذلك نجد ان الشعارات التي تطرح تنطلق من خلفية سلطوية لا اكثر ولا اقل وتغفل المسؤولية التاريخية التي يتحملها من وافق على الطائف من المسيحيين واليوم يعترضون على نتائجه من دون ان تكون لديهم النية او الامكان لتعديل التوازنات التي كانت قبل الاتفاق اقوى وافعل للمسيحيين وليس مطالبة هؤلاء اليوم الا مزايدة خطرة ".


حرب: عون عطّل الطائف

من جهته يرى النائب بطرس حرب ان الاتفاق يطبق عندما تحترم بنوده من قبل الأطراف التي وضعته ويضيف : "ان الحرب التي شنها عون بعد الطائف لبقائه في السلطة وإلغاء اي وجود سلطوي وعسكري في المنطقة التي يسيطر عليها، اي إلغاء "القوات اللبنانية " ادت الى تغيير المعطيات التي استند اليها الطائف والى الاستعانة بسوريا واعادة تكريس دورها في لبنان وبدأت تنعكس على الواقع الدولي وكادت تحول دون تنفيذ اتفاق اللبنانيين واحزابهم طيلة 15 عاماً ، وهذا ما ادى الى اعادة الدور لسوريا الى لبنان وتكريس الحاجة اليه وهو ما يتناقض مع الغاية التي من اجلها حصل الطائف، اي استعادة اللبنانيين حقهم في تقرير مصيرهم.
هذا ما سمح للسوريين ان يوظفوا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه عون آنذاك لرفضه تسليم السلطة للرئيسين معوض والهراوي ثانياً وبقائه في السلطة في بعبدا، علماً ان تعيينه كرئيس لحكومة انتقالية كان يهدف الى تحميله مسؤولية حصول انتخابات رئاسية وحمايتها وليس تعطيلها. وهذه صفة لا يمكن ان تسمح له بالقيام بما قام به من اعمال واتخاذ مواقف اساسية مرتبطة بمستقبل لبنان واتخاذ القرارات خارج اطار المؤسسات الدستورية، كاعلان حرب التحرير ، في الوقت الذي كان يعلم ان هذه الحرب لن تؤدي الى تحرير لبنان وانما الى تعزيز الوجود السوري وهذا ما حصل، وازداد عدد السوريين في لبنان وارتفع من 30 الى 50 الف عسكري اضافة الى ان حرب عون ضد سوريا لم تكن حرباً تحريرية بل كانت حرب قذائف متبادلة على الأراضي اللبنانية وأملاك اللبنانيين أدت في النتيجة الى الاضرار الكبير باللبنانيين وممتلكاتهم من دون تحرير اي شبر من الأرض التي كانت سوريا موجودة فيها " .
ويحمّل حرب العماد عون تبعات حربي التحرير والالغاء وما يسميه التجاوزات الدستورية للحكومة الانتقالية التي ترأسها .
ويوضح: "عون أخطأ في أن تجاوز الصلاحيات الدستورية الممنوحة له ومن دون ثقة المجلس النيابي وكحكومة انتقالية يجب ان ينحصر عملها في ادارة شؤون البلاد في صورة طبيعية وتصريف الأعمال في انتظار اعادة تكوين السلطة، وأعلن حربي التحرير والالغاء ، هذا من سخرية القدر ان تكون تلك الحكومة (استعملنا الأدبيات السياسية الدارجة) منقوصة التمثيل الوطني لأن المسلمين الذين عينوا فيها استقالوا ، وانها استمرت واتخذت هذه القرارات الخطيرة وهي مؤلفة من مسيحيين فقط. والسخرية أن هذا الأمر لم يشكل عائقاً آنذاك أمام اتخاذ هذا النوع من القرارات وهو ما يعتبره اليوم العماد عون وحلفاؤه نقضاً لصيغة العيش المشترك وما يجعل القرارات الصادرة عنه (غير شرعية) لتناقضها مع صيغة العيش المشترك التي لم يكن بحاجة اليها في مقدمة الدستور بل كانت سائدة وشكلت عنصراً اساسياً مسيئا لكيفية اتخاذ القرارات، من قبل هيئات دستورية" .
ويجزم حرب بأن الأحداث التي حصلت منذ العام 1988 اعطت سوريا حجة جديدة لاعادة وصايتها على لبنان وعلى اللبنانيين لوضع حد لحال الانقلاب التي عاد لبنان ليتخبط بها بعد الطائف.
ويختم: "هذا ما سمح لسوريا بوضع يدها نهائياً على لبنان وهي بالطبع ليست جمعية خيرية بل تعمل لتحقيق مصالحها، وهذا ما عطل الطائف".


غموض في نصوص الاتفاق والدستور

أبرز ما جاء في اتفاق الطائف يكمن في التوفيق ما بين المبادئ والقواعد المعتمدة في الأنظمة البرلمانية من جهة، ومبدأ المشاركة الطوائفية في السلطة من جهة ثانية. فبعدما ناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء كان من المفترض ان تتعزز رقابة مجلس النواب على اعمال السلطة التنفيذية، مما يفضي الى تعزيز موقعي رئيسي الحكومة والبرلمان، في مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية ابرزها مشاركته في تشكيل الحكومة وفق نص المادة 53 ، بحيث ان الحكومة لا تتشكل من دون موافقة رئيس الجمهورية.
كما خلا النص الدستوري من اي اشارة الى المهل التي يجب التقيد بها خلال تشكيل الحكومة وما يحصل اليوم وبعد مرور نحو 5 اشهر على تكليف النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة هو مثال صارخ على النقص في المادة الدستورية علماً ان اقتراحات عدة طرحت قبل توقيع الاتفاق، ومنها الاحتكام الى مجلس النواب في حال تخلف رئيس الوزراء المكلف عن تشكيل الحكومة خلال 30 يوماً، وفي حال عدم الاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف على اصدار مرسوم تشكيل الحكومة يحق للأخير العودة الى مجلس النواب فاذا نال الأكثرية المطلقة من عدد النواب تعتبر الحكومة مشكَّلة، وعلى رئيس الجمهورية اصدار المراسيم اللازمة.
هذه بعض الثغرات في الطائف، لكن هناك اقتراحات لتعديل بعض المواد الدستورية ولا تزال هذه الاقتراحات في معرض التبارز الاعلامي بين الاطراف المتخاصمة. واذا كان في الامر قليل من التيسير قبل العام 2005 فان الامور تبدو اليوم اكثر تعقيداً ، ولكن اذا كان البعض يحمّل سلطة الوصاية السورية عرقلة تطبيق الطائف فالسؤال لماذا لم يشرع اللبنانيون في تطبيقه رغم مرور اكثر من اربع سنوات على الانسحاب السوري من لبنان؟

عباس الصباغ  -   



Actualités







All Rights Reserved.

tayyar.org is not responsible for the content of the Forum and of the external links