|
Sunday, November 22, 2009
|
|
هل يجتاز «تيار المستقبل» التطبيع العائلي والتكوين الهجين... والانتماء الريعي؟ (1)
|
|
|
كلير شكر-
تقفل «الشركات الأمنية» التي نمت كالفطر في مناطق نفوذ «تيار المستقبل»، صفحتها خلال أيام قليلة. ذلك الابتكار الذي لعب دور «الذراع» العسكرية للتيار، وأثبتت أحداث السابع من أيار فشل «عضلاته»، يعود إلى «مستودع الانتظار». ارتأت القيادة إحالة أكثر من عشرة آلاف ثابت متقاعد توزعوا على مختلف المناطق تحت ستار شركة «سكيور بلاس»، بالتزامن مع جهود تبذل لتأطير الحالة التأييدية. تلك الخطوة المفصلية في تاريخ «الحريرية» السياسية، قد تؤثر سلباً على مسار التنظيم قيد الإنشاء، إذ في الوقت الذي يتم فيه رسم الهيكلية التنظيمية لـ«لتيار» لاستيعاب جمهور المؤيدين، جاءت خطوة الفصل «الجماعي» لتطرح تساؤلات في الوسط المشترك، عن مدى الاستعداد للسير في المشروع التنظيمي. قد يكون هذا «التقاعد المبكر»، «شراً لا بدّ منه»، ولكن لا يمكن الهروب من تداعياته، ولا يمكن لـ«تيار المستقبل» أن يدير ظهره لما قد تنتجه الخطوة «غير الشعبية» من تفاعل سلبي في الشارع الموالي له، إذ لا شك بأن عمليات التسريح الجماعية ستثير موجة من الناقمين الذين سينظرون بعين الريبة إلى القيادة التي تخلّت عنهم في لحظة إعادة الحسابات. في هذه الأثناء، بدا واضحاً أن الحاجة إلى «جدولة» البحر الجماهيري الذي تحركت أمواجه منذ الرابع من شباط العام 2005، باتت ملحة في نظر الداعين إلى «استثمار» الحضن الشعبي الذي يلف آل الحريري.
في ظاهر تلك الحركة التنظيمية، ترجيح لكفة المشجعين للخيار الحزبي، ولكن في الباطن، تحدّيات الانتقال من «عفوية» التيار إلى «رصانة الحزب»، دونها عقبات تعجز الأحزاب ذات التجربة الطويلة، عن اجتيازها بسهولة. أولى تلك العقبات الخوف من «تطبيع عائلي» يشّوه المحاولة المكررة و«يقزّمها» إلى نسخة طبق الأصل عن التنظيمات اللبنانية «العائلية»، ثانيها، عدم تجانس «موزاييك» المكونات الذي يفرض تثقيفاً حزبياً مكثفاً لصهر تلك المجموعات في قالب موحد، وثالثها، تحويل الانتماء من علاقة ريعية أو عاطفية يحركها الوتر المذهبي إلى تواصل حزبي... ليست المرة الأولى التي يحاول فيها فريق العمل «الحريريّ» تطويع الوعاء الجماهيري في قالب حزبي، ولكنها قد تكون الأكثر جديّة: مع وصول «طيف» رفيق الحريري إلى بيروت إبان الحرب الداخلية من خلال مساعدات اجتماعية قدّمت إلى بعض العائلات، كانت فكرة إنشاء حزب أو تيار سياسي منظم، تراود رجل الأعمال الطامح إلى دخول عالم السياسة من فضائه الرحب، ومن زواريبه الضيّقة. وجد في محيطه القريب من أيّد الطرح، كما من عارضه. في حجج المؤيدين تطلع إلى حشد جمهور موالٍ للحريري، يرتكز إلى أرضية حزبية ثابتة، تكون نواة التمدد الشعبي. في حجج الرافضين اعتبارات تتصل بالحجم المسموح به للزعامة الحريرية الناشئة ومدى قابلية الشارع السني على الانتظام في قالب حزبي. في كلّ مرة كان الحريري يطالب فيها المقربين منه بتأطير الحالة التأييدية التي يكسبها، كانت «المواجهة» تحصل بين المرحبين والرافضين للطرح. لكنها كانت تنتهي دوماً بانتصار «عقل» المعارضين. حتى إن إصدار صحيفة «المستقبل» تعرّض للاختبار ذاته، مؤيدون لقيامها، ومعارضون للفكرة، انطلاقاً من استحالة جذب جمهور قارئ لصحيفة يمتلكها رئيس حكومة أو مرشح دائم لرئاسة الحكومة، الالتزام السياسي لصاحب المطبوعة سيفقدها الموضوعية والمهنية، ويقلل من حظوظ نجاحها. كان أصحاب هذه النظرة يقولون أنه لا يحق لرفيق الحريري منافسة الناس في أرزاقها، كما أن القدرة على المنافسة غير متوازنة.
في حجج غير المشجعين للتنظيم نماذج من نوع: بعضهم يقول أن «الحريرية» حالة جماهيرية واسعة عبرت رمزياً عن نفسها في عودة الطائفة السنيّة إلى السلطة من باب الزعامة، بعد غياب طويل. كان الحريري رمزاً ومرجعية، كسب من باقي الطوائف ولم يحصر مكونات خزانه بالطائفة السنية، تطلع إلى فئات عرفت بانفتاحها وتقدمها وتاريخها المزدهر. لكن التيار برأي هؤلاء كان المساحة المقيدة بسلاسل التنظيم. السنّة الذين يشكلون واجهة العروبة، امتدادها وعمقها - إذ كان يقال أن الشارع سنّي، الجمهور شيعي، والقيادة أرثوذكسية ـ لا تجوز محاصرتهم في قالب حزبي. من التسعينات... إلى اليوم أولى محاولات التنظيم جرت في بداية التسعينات سرعان ما انطفأت شمعتها، لاعتبارات خارجية. واحدة من تلك التجارب جرت بعد انتخابات العام 2000، يتحدث عنها الوزير فضل شلق في كتاب «تجربتي مع رفيق الحريري» لجورج فرشخ، بدأت يوم أطلعته السيدة بهية الحريري عن ورشة لإعادة هيكلة مؤسسة الحريري و«تيار المستقبل»، يشرف سمير الجسر على تحضيرها. عقدت سلسلة اجتماعات بمعرفة الحريري ولكن دون مشاركته، بهدف إنشاء تنظيم دون «أن يسمى حزباً». وقبل تقديم الشلق استقالته من بعد خمسة وعشرين عاماً من العمل مع الحريري، كان موقفه من الهيكلية المطروحة، أنها «لشركة مواد غذائية، ولا تصلح لحركة سياسية»! طويت الصفحة. عشية انتخابات العام 2000 بعدما «اعتذر» الحريري من رئاسة الحكومة، اضطر الزعيم البيروتي إلى اللجوء إلى وسائل جديدة لشد عصب شارعه عملاً بمفهوم العقل الأقلوي، من خلال انتاج شبكة مخاطر تدفع بالشارع السني إلى أحضان الحريري، فكان له ما أراد. ولكن ذلك المناخ لم يمر مرور الكرام على أبناء طائفته الذين دخلوا في نفق شعورهم بالخطر، ما أفقدهم التوازن، بفعل شعور مفتعل بالانتصار (التسونامي الحريرية في بيروت)، وشعور مضاد مفتعل أيضاً في مواجهة الآخرين.
يومها خرجت نواة التنظيم من رحم الماكينة الانتخابية الشمالية، في العمق السني اللبناني، الموجود بين المدفون والحدود اللبنانية - السورية (70 % من سنّة لبنان يتواجدون في الشمال). وجرى التركيز على الحقل النقابي حيث نجح «المستقبل» في تنظيم نفسه، أما ما عدا ذلك، فكان أشبه بالحالة الهلامية الفضفاضة. بدأت تكبر كرة الثلج، لكن القدر كان أسرع منها، وخطف زعيمها. في العام 2005 فقد السنّة صوابهم السياسي، الريف السنّي الثأري جرّ أهل المدينة إلى ردّات فعل حادة، لكن غير واقعية، ولا تعبّر عن أفكار سنّة الساحل. ذهبوا في ركاب موجة عرّتهم من ثوبهم العروبي، وحتى إسلامهم، وصاروا في مواجهة «مشروع إيراني»، في مواجهة غيرهم من المسلمين... بعد اغتيال الحريري في الرابع عشر من شباط العام 2005 ساد شعور باليتم والحاجة إلى مزيد من الالتزام بسبب الخوف من «مخاطر» جانحة باتجاههم من «التقدّم» الشيعي والصدام السوري ـ السني.
على الأرض كان «تيار المستقبل» في نمو جماهيري مضطرد غير مسبوق. بدأت الحوارات داخل الدوائر الضيقة حول التنظيم، جدواه، أهميته، تحدياته. كان لا بدّ من تحويل هذا المدّ البشري إلى قوة فاعلة مؤثرة، تخرج «التيار» من الحالات الفردية إلى عمل المجموعات، فيما التحدي الأبرز كان تخطي حاجز العائلية والإقطاعية. وبرأي غير المشجعين لقيام التيار فإن الخوف المستجد في أذهان الشارع السني هو شعور أقلوي، تعبّر عنه الحاجة إلى التنظيم، ولكنه لا يعكس حقيقة الواقع الديموغرافي للطائفة. السنّة يتوزعون من النهر الكبير إلى الناقورة. وبالتالي فإن هواجس الأقلية ليست مبررة، لا مشاكل مصيرية أو وجودية تستدعي هذا الشعور، ومن غير المفترض تشجيع السنّي على التفكير الأقلوي، والتي يجسدها الفكر الحزبي في لبنان. ولهذا أيضاً لم يلتزم السنّة يوماً في تنظيمات مقفلة، باستثناء التنظيمات الإسلامية، إذ حتى جمهور جمال عبد الناصر كان متفلتاً من القيود التنظيمية. فوضى التنظيم أو ثقل الأحداث؟ وقعت الأنظار على سليم دياب، من أهل «البيت». سلّم رئاسة الأمانة العامة التنفيذية، ضمّت منسقين عن كلّ المحافظات والقطاعات. كثيرة هي التبريرات التي تحاول تغطية الفشل التنظيمي لتلك «الحقبة»، البعض يرجعها إلى الظروف السياسية الصعبة غير المستقرة، والبعض الآخر إلى الفوضى التنظيمية. بالنتيجة، لم تنجح الأمانة العامة في تطوير الهيكلية الحزبية التي سرعان ما فرط عقدها عند أول اختبار.
أحداث السابع من أيار كانت مفصلية: هُدم هيكل التنظيم، لأن أساساته كانت وهمية، تبيّن أنه قصر بني على رمال الكلام. انقسم جمهور الحريري إلى مجموعات، بعضها رفض علناً الفكر التنظيمي ليأسه منه، انكشف الكلام الكبير حول قدرة قتالية يمتلكها التيار، فخسر السنّة معركة لم يخوضوها أصلاً، وأصابتهم خسارة في صميم وجدانهم. البعض الآخر ذهب باتجاه التطرف التنظيمي على حساب «استعراض القوى» لتقوية الصلات بالقاعدة الشعبية.
تنظيمياً، اعترف الحريري أن ما حصل في أحياء العاصمة، في عقر داره، يتحمل تياره جزءاً من تلك الخسارة، وهو أصلاً صاحب فكرة وهم التسلّح ووهم التنظيم المتضخم، وفي الوقت نفسه لم يستعجل التغيير في «التيار» كي لا تبدو الصورة للخارج وكأنه يريد محاسبة تياره لمسؤوليته عن أحداث العاصمة، فآثر التأجيل إلى ما بعد الاستحقاق النيابي. أقفلت صناديق الاقتراع على استعادة «تيار المستقبل» لزعامة الشارع السني ولرئاسة الأكثرية النيابية، عادت الاهتمامات إلى البيت الداخلي لترتيبه تنظيماً. كانت استقالة سليم دياب أول الإجراءات، لحقها الكثير من السيناريوهات حول أسباب تلك الخطوة. كلام عن هدر في الأموال وتضخم في ميزانية «التيار»، همس حول «بالون تسلّح» سرعان ما فقعته أحداث السابع من أيار... في المقابل، هناك من قرأ بين سطور نتائج الصناديق، أن الانتخابات أثبتت أن «التيار» ليس هو من يعبّر عن جمهور الحريري الفعلي، فقد أظهر أنه يتمتع في المناطق المسيحية بقدرات «قتالية»، لا تتوافر في بقع أخرى.
بدأت غربلة الأسماء بحثاً عن «أمين عام» يشيع الثقة في قلوب «المستقبليين». طرح اسم حسن السبع، المشهود له بحسن تنظيمه، ولكن حضوره يفتقد إلى «الكاريزما». وضع الاسم جانباً. طاف اسم أحمد الحريري على وجه الماء. الطرح سيف ذو حديّن، وهو برأي البعض، كلام حق يراد به باطل. إذ مجرد أن يكون حاملاً لاسم الحريري فهذا يشكل مظلة تقيه شرّ أسهم الانتقادات، وتؤمن له قوة دفع إلى الأمام. إلا أن في الخوف من أن تكون تلك الخطوة أول إجراءات «التطبيع العائلي» للحزب الجنين. كان القرار صعباً، الهروب إلى الأمام كان أفضل الممكن. شكلت «لجنة خماسية» كلفت بمهام إعادة النظر بالتنظيم، ضمت كلّاً من أحمد الحريري، مصطفى علوش، سمير ضومط، صالح فروخ، وفايز مكوك. وضعت لنفسها مهلة ثمانية أشهر من العمل. أول إنجازات «التيار» تنظيمياً كان الورقة السياسية التي عرضت في «البيال» في الخامس من نيسان الماضي ويفترض أن تشكّل الأرضية الفكرية للتنظيم، وعقله المحرك.
|
|
|
|
|
|
|
|
Headlines
|
|
|
|
LatestAlbums
|
|
|
|
 |
|
CareersOffers
|
 |
|
|
|
 Copyright 2002-2009 All Rights Reserved.
tayyar.org is not responsible for the content of the Forum and of the external links
|
|
|